fbpx

المشاهد نت

موقف دولي موحد لكنه هش

عبدالعالم بجاش

عبدالعالم بجاش

كاتب صحافي يمني

مايزال الموقف الدولي موحدًا كما يبدو من آخر جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن اليمن (22 نوفمبر 2022) ومواقف الدول، رغم أن اليمن ليست ساحة نزاع محلي فقط، بل ميدان للصراع الدولي وتبايناتها.. رغم ذلك مواقف واشنطن وبكين ولندن وموسكو تبدو متقاربة حول الخطوط العريضة، مع اختلاف في بعض التفاصيل.
لكن لا يجب إغفال أن الهجمات الحوثية بالطيران المسير على الموانئ النفطية اليمنية الواقعة في نطاق سيطرة الحكومة الشرعية، وآخرها الهجوم على ميناء الضبة في حضرموت شرق البلاد، له ارتباطات خارجية، ليس بإيران وحدها، إذ إن الحوثيين أنفسهم أعلنوا أن استهدافهم للميناء تم عند اقتراب ناقلة نفط كانت ستنقل شحنة نفطية إلى أوروبا.. للجميع في الداخل والإقليم والمجتمع الدولي أهدافهم، الانقلابيون الحوثيون يريدون من الشركات النفطية الأجنبية العاملة في اليمن أن تدفع لهم الأموال، بحسب ما أدلى به رئيس حكومة صنعاء التابعة للحوثيين غير المعترف بها، والذي قال لقناة المسيرة إن الجماعة في المرات القادمة لن تستهدف الموانئ فقط، بل ستستهدف السفن النفطية مباشرة، ودون تحذير مسبق، ما لم تتفاهم الشركات الأجنبية مع جماعة الحوثي، وترسل الأموال إلى البنك المركزي بصنعاء، حسب تعبيره.
في جلسة مجلس الأمن لوحظ تركيز الصين وروسيا على دعوة الأطراف المعنية، ولاسيما الحوثيين، إلى التعاون مع المبعوث الأممي من أجل إعادة إرساء الهدنة في أقرب وقت ممكن.. ممثل الصين دعا الحوثيين الى وضع توقعات معقولة بشأن القضايا الرئيسية كدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية لإيجاد حل في وقت مبكر، أما ممثل روسيا فقد تحدث عن هشاشة الوضع الراهن في اليمن “لا سلام، لا حرب”، وأن من غير المقبول أي أعمال استفزازية أحادية الجانب خاصة ذات طبيعة عسكرية تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
وفي تقديره الوضع على أرض الواقع الآن أفضل بشكل ملحوظ مما كان عليه بداية هذا العام؛ القتال متقطع. والحكومة المعترف بها دوليًا تتحلى بضبط النفس، وتم تجنب الانزلاق إلى مرحلة ساخنة حتى الآن”.
تقدير الوضع كما عبر عنه ممثل روسيا يبدو محل قبول لدى خصوم الروس؛ بريطانيا والولايات المتحدة، واللتين أكدتا على الحفاظ على النقاط الأساسية في الهدنة، رغم انتهائها، رحلات الطيران عبر مطار صنعاء، تدفق الوقود وناقلات السلع إلى ميناء الحديدة، لكن المشكلة تكمن في التصعيد الحوثي وتحركه دون قيود، في بيئة تشجع الانقلابيين أكثر على التمادي، عوضًا عن موقفهم في رفض تمديد الهدنة ليس قرارهم وحدهم، بل قرار إيران أيضًا، وكذلك التصعيد نحو الموانئ اليمنية.
فما جدوى تقييد طرف واحد ملتزم بكل توجيهات الأطراف الخارجية، وهو طرف الحكومة الشرعية، وترك الطرف الآخر يتصرف كما يشاء، ويطرح مطالب تبدو غير معقولة للمجتمع الدولي، كما لمح إلى ذلك ممثل الصين في مجلس الأمن.
في الواقع مزيد من التراخي الدولي دون خطوة ردع قوية عسكريًا، هو مكسب للحوثيين الذين تفرغوا داخليًا لمحاولة إعادة قولبة المجتمع المحلي تحت سيطرتهم، وإرغام الناس على اعتناق أفكار ومعتقدات الجماعة، وتكريس ذلك عبر مدونة سلوك وظيفي أقرتها جماعة الحوثي ترغم موظفي الدولة على اعتناق مبدأ ولاية الفقيه، في جرف كامل لما تبقى من مظاهر وعناوين الدولة اليمنية وتحويلها إلى تبعية أسرية.

ما جدوى تقييد طرف واحد ملتزم بكل توجيهات الأطراف الخارجية، وهو طرف الحكومة الشرعية، وترك الطرف الآخر يتصرف كما يشاء، ويطرح مطالب تبدو غير معقولة للمجتمع الدولي


التغييرات الخطيرة في المناهج وغيرها، عراقيل إضافية أمام السلام، وخطوات حوثية استباقية لتشكيل الشعب هناك وفقًا لمعتقد الجماعة وأيديولوجيتها، وفرضًا على الداخل والخارج تقبل ذلك، وعدم التدخل بشأت تغييرات خطيرة تفرض عبودية قسرية على الشعب اليمني في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وتنسف دستور وقوانين البلاد امتدادًا لفرض ما سمي قانون الخُمس، وتغيير المناهج إلى محتويات طائفية، وصولًا إلى مدونة السلوك الوظيفية، وفرض التوقيع عليها من قبل موظفي الخدمة المدنية، كشرط يشرعن للجماعة فصل من يرفض التوقيع.
صحيح أن الموقف الدولي مايزال متماسكًا، ولا يحقق لجماعة الحوثي ما تريده، لكن مآله مع مرور الوقت يبعث المخاوف، طالما المجتمع الدولي لا يناقش مسائل وتعقيدات جوهرية خطيرة يفرضها الحوثيون، تعرقل قيام سلام دائم وراسخ من خلال إنتاج مجتمع عبيد خاضع لهم، وإعادة تشكيل دولة طائفية أسرية بمعزل عن العالم تتبنى رسميًا التفرقة العنصرية كجزء أساس من نظام وثقافة الحكم الثيوقراطي الجاري تكريسه على غرار نظام جمهورية إيران الإسلامية.
إن الخطورة على مستقبل اليمن شعبًا ومجتمعًا ونظام حكم، تتمثل في الصبر الدولي والتراخي الطويل تجاه طرف انقلابي، وحشر الطرف الشرعي في الزاوية، ومنعه من أية خطوة لإعادة شيء من الردع العسكري تحول دون المضي في طريق نهايته الاستسلام على مراحل لجماعة عنصرية تقف خلفها إيران بكل ثقلها.
من هنا يكون الضغط الأمريكي والبريطاني والدولي عمومًا، متواصلًا باتجاه واحد، وعلى طرف واحد، في مسار متصور للسلام، لكن مآلاته تمضي نحو تطويع الشعب اليمني للقبول بجماعة الحوثي الانقلابية، وتصويرهم بأنهم أصبحوا قوة ضاربة ولا يمكن هزيمتها، وهو تصور غير دقيق، فيه الكثير من الدعاية السياسية الغربية المجانية، ويتجاهل حقائق ونتائج معارك عسكرية خاضتها بضعة ألوية من قوات العمالقة قبل شهور أفضت إلى تحرير نصف شبوة (مديريات بيحان الثلاث) ومديرية حريب جنوب مأرب، خلال ثلاثة أسابيع، تم بعدها توقيف التقدم بقرار سياسي إقليمي خارجي واضح.
لا تخلو مناسبة سياسية للسياسيين الأمريكيين المتصلين بالملف اليمني إلا ويعبرون فيها أنه لا حل عسكري للصراع، وأن عودة التصعيد والمعارك لا جدوى منه لأنه لا الحوثيون قادرون على هزيمة الحكومة الشرعية والقوات المتحالفة معها، ولا الشرعية اليمنية قادرة على هزيمة الحوثيين عسكريًا؛ هكذا تلخص الرؤية الأمريكية للوضع، وبالتالي فإنه لا جدوى من استمرار النزاع والحرب.
مع ذلك، لم تعطَ الشرعية والقوات المناهضة للانقلابيين الحوثيين أية فرصة حقيقية في السنوات الأخيرة لتجربة قدرتها على موازنة وتغيير الوضع عسكريًا، على العكس تم الضغط عليها أحاديًا، وخسرت محافظات ومناطق كثيرة لصالح الطرف الآخر.
ينعكس ضعف الموقف الدولي تجاه اتخاذ تدابير ردع فعالة على الحكومة الشرعية والداخل اليمني، ويزيد من إشاعة الإحباط العام.. يصبح اليمن وشعبها عرضة لوقف إمدادات السلع والوقود بسبب هجمات حوثية تستغل تراخي الموقف الدولي والقيود الدولية على الشرعية.
وعلى سبيل المثال، قال ممثل الولايات المتحدة في جلسة مجلس الأمن، إن الهجمات الحوثية الأخيرة على ميناء الضبة النفطي وميناء قنا، تمثل إهانة للشعب اليمني وللمجتمع الدولي بأسره، وبأن هجمات الحوثيين هذه على السفن التجارية التي تنقل السلع الأساسية ستؤدي إلى تفاقم معاناة الشعب اليمني بشكل مباشر، وتقطع تدفق السلع والوقود إلى اليمن، وأن إجراءات الحوثيين واستيرادهم سرًا وقودًا لصواريخ متوسطة المدى، فإن مثل هذه الإجراءات لن تؤدي إلا إلى مزيد من الشلل للاقتصاد اليمني، ووفيات المدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.

إن الغاية المعلنة تلك للمجتمع الغربي تتحول إلى رغبة للحفاظ على الحوثيين، من خلال العمل المثابر على تقويتهم، وجعلهم الطرف الأقوى عبر تقييد عنيد لطرف الشرعية وإضعاف جيشها وإضعاف كل خصوم الانقلابيين الحوثيين والتحكم بهم


إن سياسة المجتمع الدولي التي تقودها واشنطن ولندن، أشبه بعملية طويلة، غايتها المعلنة فصل الحوثيين عن إيران بأي ثمن، حتى إذا كان ثمن ذلك التضحية بمستقبل الشعب، وبأي نظام سيحكم، والتغاضي عن تغييرات خطيرة قسرية للمجتمعات تقود لتطويع شعب بأكمله كي يتقبل حكمًا طائفيًا، وتجاهل فرض الحوثيين ثقافة حكم تتنافى مع القوانين الدولية والإرادة الشعبية اليمنية، واستنساخ تجربة نظام الخميني.
إن الغاية المعلنة تلك للمجتمع الغربي تتحول إلى رغبة للحفاظ على الحوثيين، من خلال العمل المثابر على تقويتهم، وجعلهم الطرف الأقوى عبر تقييد عنيد لطرف الشرعية وإضعاف جيشها وإضعاف كل خصوم الانقلابيين الحوثيين والتحكم بهم، رغم أن الجماعة الحوثية في مركز تهديد للمصالح الدولية كافة، ويمثلون تهديدًا جليًا للأمن والسلم الدوليين، ولعل ذلك مكمن ضعف الموقف الدولي، لكن معالجة ذلك ليس بمزيد من سياسة الاحتواء والصمت الدولية والتجاهل الأممي، بل لعل إطلاق يد الشرعية اليمنية عسكريًا، ودعمها للقيام بعمل عسكري يغير الموازين، هو الوسيلة الوحيدة لتحجيم الخطر الحوثي الإيراني، رغم ما يعنيه ذلك من توقعات بهجمات مؤقتة تستهدف مراكز إنتاج الطاقة الحيوية في السعودية خاصة.
إن السياسة الدولية وإن كانت متماسكة حتى الآن ومتحدة، لا تخلو من مسار واقعي يمضي نحو تساهلات متدرجة، خطورتها في أنها تشجع الجماعة الحوثية على التمادي أكثر، وبالتالي تقوية وتغذية التهديد الذي تمثله، وتجعلها أكثر انطلاقًا وتحفزًا، مما هي عليه اليوم، وتقويض مصادر المقاومة الاجتماعية اليمنية لجماعة الحوثي العنصرية ذراع الحرس الثوري الإيراني، يجعل المنطقة في حالة تهديد دائم، في الوقت تثبت التجربة الماضية عكس ما قاله السفير الأمريكي، لأن قوات العمالقة والجيش الوطني وباقي المكونات تستطيع تغيير موازين المعركة خلال أيام إذا رفعت القيود، وحصلت على الدعم العسكري المناسب.. وهذا هو المسار الوحيد الضامن لاستئناف هدنة طويلة تفصي لعملية سلام.. إن انكسار الحوثيين عسكريًا هو العامل الحاسم لنجاح عملية بناء السلام في اليمن بشروطها الموضوعية التي لا تؤدي لسلام هش وملفق، بل إلى سلام يصمد طويلًا بعد معالجة جذر المشكلة، والمتمثل في محاولة جماعة طائفية مسلحة ومتمردة فرض العنصرية والحكم السلالي الوراثي على الشعب اليمني بالعنف وقوة السلاح.. ويكفي أن يتم إضعاف هذه الجماعة عسكريًا، وتجريم العنصرية وممارساتها بتشريع محلي معزز بقرار دولي وفقًا للقوانين المخلية والدولية.
من دون إضعاف الحوثيين عسكريًا مصير الشعب اليمني مهدد، ومآله الدخول في حقبة من العبودية لا سلام فيها.
وإن أخطر عامل يسهل للحوثيين أخذ البلاد إلى حقبة العبودية، هو التجاهل الدولي للتغييرات الخطيرة التي تفرضها جماعة الحوثي، كمدونة السلوك الوظيفي، قانون الخمس، تغييرات المنهج طائفيًا، كل ذلك يضعف الموقف الدولي المتماسك والموحد حتى الآن تجاه الملف اليمني، ويؤدي بمرور الوقت إلى مزيد من التنازلات للانقلابيين الحوثيين وصولًا إلى مآلات قد تنتهي بفرض جماعة عنصرية متطرفة مذهبيًا على شعب بأكمله، وتحويله إلى شعب من العبيد.