غريفيث ومحاولة ترميم الصدع اليمني

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

مؤخراً، تحدث المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن جريفيث، عن وجود سلام وشيك. ربما هناك تهيئة دولية لحدوث ذلك، على أنها، على الأرجح، لن تفضي سوى إلى مجموعة مواثيق تمزقها البنادق، كما اعتادت الاتفاقيات السابقة أن تفعل.
صحيح أن معظم جبهات الحرب شبه متوقفة، لكن الصورة تبدو غائمة، أكثر من كونها انعكاساً لتفاؤل المبعوث الأممي. فلا مسار واضح المعالم لحرب أو سلم. ومن المثير للسخرية تصور البعض أن الحوثيين سيوافقون بسهولة، بل هم دائماً يريدون فرض شروطهم، بصرف النظر عن أية نتائج للمعركة، وعندما تتهيأ لهم الظروف، يباشرون في السيطرة؛ ففي خطابهم العام لن يتنازلوا عن أي شبر في اليمن.
لكن إعلان الإمارات عن سحب جزء من قواتها المتواجدة في اليمن، أثار عدداً من التحليلات حول أسباب ذلك، وكل طرف فسر الأمر بطريقته. وهذا الإجراء ربما على علاقة بالتوطئة لمرحلة سلام. لكن أي نوع من السلام يحمله جريفيث والأطراف الراعية؟
المثير ما أعلنته أطراف إماراتية مقربة من نظام الحكم هناك، عن أن أبوظبي أبلغت الحوثيين بعملية انسحاب قواتها من اليمن. بل إن نائب أمين عام حزب الله اللبناني نعيم قاسم ، صرح، ملمحاً إلى أنه انتصار للحوثيين، أن الإماراتيين نسقوا مع أنصار الله قبل سحب قواتهم، وبما يوحي أن الأمر تم بموافقة الحوثيين. لكن ما هو نوع التنسيق بين الطرفين؟ هل يعني ذلك أن هذا الطرف من التحالف، يعلن بصورة مبطنة عن حسن نوايا إزاء الحوثيين، أو من كان في الأمس عدوهم؟
اتخذت الإمارات خطوة أبعد نحو إيران، وأرسلت وفداً عسكرياً (يمثل خفر السواحل الإماراتي) إلى طهران، ضمن تنسيق بين البلدين توقف عام 2013. هل المنطقة تذهب نحو تطبيع شامل؟ أو أن الصورة العامة لطبيعة الحل في اليمن تمضي من تلك الطرق الملتوية، بما يترتب على قوى إقليمية ودولية اتخاذ قرار بشأنه. وكأن الحرب في اليمن مجرد عملية استطرادية فضفاضة، تقرها مجموعة القوى الإقليمية والدولية. وبالنسبة للبريطاني جريفيث، فإن خلفيته الثقافية القادمة من نظرة استشراقية- استعمارية، تعطيه أحقية أن يكون واجهة دولية لتلك المساعي.
إذن، فالانسحاب الإماراتي يثير أمرين؛ أولاً تُخلي أبوظبي التزامها نحو كثير من القضايا التي يفترض أن تترتب عليها عملية تدخلها في اليمن. رغم أنها قضايا لم تلتزم نحوها، مع دعم تشكيلات مسلحة متعارضة، ومقوضة لتواجد هادي في عدن. بل إنها رفضت عودة هادي أو انعقاد البرلمان في عدن أو أي من المناطق التي أصبحت تحت سيطرة قوات موالية لهادي أو التحالف. إذن، هناك تصور إماراتي بدأ يفرض نفسه حول عدم وجود مشروعية للوحدة، أي تبني الخطاب الانفصالي. وهو يافطة مُعلنة قابلة للتغير، بمعنى أنها لن تتوقف عند فكرة شمال- جنوب.
بالنسبة لجريفيث، يعود شكل الحل إلى ما هو أبعد من ذلك، أي إلى خلفيته “الكولونيالية”، باعتبار أن هذه المنطقة كانت ضمن مجال الهيمنة البريطانية، واستشراقية بكونها منطقة اكتشفها الغرب، وأعاد تعريفها وإنتاجها في مضامين فكرية، ومنهجية. ولعل السمات المشتركة بين التصور الخليجي الذي تمثله الإمارات بصورة واضحة، وبين جريفيث، هي إعادة تشكيل الخارطة اليمنية. وربما ذهابها نحو إيران، يرمي إلى إيجاد شكل للحل باعتبار أن كلاً منهما يرتبط بحليف فرض سيطرته على الأرض، أي الانفصاليين في الجنوب والحوثيين في الشمال.
وكما يبدو، هناك تصورات سلام تعترضها بعض المسائل، مثل ضمانة عدم وصول صواريخ أو طائرات مسيرة إلى الاراضي السعودية. من ناحيتها، رفضت السعودية دعم حلفائها في اليمن بطائرات مسيرة، والقلق لدى التحالف من حصول طرف على هذا السلاح، في الظاهر حليف، وفي الخفاء عدو ، أي الإصلاح. وإذا عدنا للاندفاع الإماراتي نحو طهران، فإن الصورة تعيدنا إلى المعارك التي دارت جنوباً نحو الضالع، ونتج عنها تقدم كبير للحوثيين، وبالتالي تم تعزيز الجبهة بمسلحين يتبعون الحزام الأمني وألوية العمالقة المدعومة من الإمارات، كما لو كانت ترمي إلى بناء حدود حوثية- انفصالية.
وبالعودة إلى مسار الحرب في اليمن، فإنها اتخذت صورة واضحة منذ البداية، دفع عجلتها في سياق محدد، تأمين الجنوب والساحل الغربي، وخلق سياج مقتتل في المناطق الشمالية المحاذية للحدود السابقة. لهذا كانت الحرب تتحرك في مناطق، وتبقى ساكنة في أخرى. هناك أيضاً فرض حصار على هادي وحكومته، ومنعهم من التواجد في عدن. كانت هناك أيضاً رخاوة الشرعية وفساد رجالها، مع طموح صغير ينحصر في مصالح شخصية.
من المؤكد أن هناك عملية سلام تختمر، لكنها تعيد اليمن إلى ملف ملحق في قضية إقليمية شائكة. ويبدو أن جريفيث لجوج إزاء هذه المسألة، كما لو أنها قضية تتمحور حول سيرته المهنية، ففي معرض حديثه عن اتفاقية وقف إطلاق النار في الحديدة، يتجاهل الحديث عن خروقات يومية للاتفاقية، لا تخفي وسائل إعلام طرفي النزاع وجودها، محملاً كل طرف الآخر فعل الانتهاك.
في اليمن تولد الاتفاقيات لتموت. لكن ما قام به المبعوث الأممي في اتفاق السلم والشراكة، اتسق أيضاً مع تحول شرق أوسطي تمخض عنه اتفاق نووي وقعه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، مع طهران.
ومع تصعيد خطير لأزمة مضيق هرمز، وما تلاه من تهدئة، تبدو الأحداث في طريقها إلى تسوية إقليمية، سيترتب عليها صورة الحل في اليمن. عندما حذر جريفيث من اندلاع حرب في المنطقة ستكون تبعاتها كارثية على اليمن، في معرض حديثه أمام مجلس الأمن، كان أيضاً يشير إلى أن التسوية في اليمن، لن تكون دون وجود حل إقليمي. لكن الناطق الرسمي لأنصار الله (الحوثيين)، أكد، مؤخراً، رفضهم لاتفاقية سلام من وجهة نظر أمريكا، كما لو أنه يؤكد على وجود مشروع مسودة، متحدثاً عن أهمية الانتشار الأحادي في الحديدة، بما يعني أن جماعته لن تقدم أي تنازلات في هذا السياق.
من جانبه، صرح رئيس الوزراء معين عبدالملك، عن رغبة حكومته بتصحيح مسار اتفاقية ستوكهولم. وهي الاتفاقية التي يعتمد عليها السلام الذي يبشر به جريفيث.
الاتفاقيات في اليمن، دائماً ما تكون عملية تأجيل أو تمهيد لمعركة، كما هو الأمر في وثيقة العهد والاتفاق التي أفضت إلى حرب 94، وصولاً إلى اتفاقية السلم والشراكة عام 2014، وما تلاها من حرب. فالأطراف اليمنية تراهن على مبدأ الغلبة، والأقوى يفرض السلام أو الشراكة بما يتطابق مع وجهة نظره فقط.
هناك تصور أن التقسيم حل، واللعبة أن تتواجد قوى سياسية متوازنة عسكرياً، بحيث ينتهي الأمر إلى ترك كل طرف يسيطر على منطقته. لكنها ستترك حوافز الاحتراب بين الجماعات المسلحة، قائمة. ويبدو أن اليمن تنتظرها أنصاف حلول، كما هي العادة، بل إن مصيرها السياسي ستحاول أن تقرره قوى إقليمية ودولية.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.