مقتضيات العمل على استعادة السلام في اليمن

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

لم تتعطل حركة التنمية البشرية في اليمن بسبب الحروب المستمرة منذ العام 2011م، فحسب، بل تراجعت حتى الآن بمقدار 20 عاماً، حسب تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، الذي نشر
نهاية أبريل 2019م.
هذه الطبيعة المأساوية للحروب الدائرة في اليمن، جعلتها -حسب التقرير الأممي- أكثر النزاعات تدميرية في العالم، منذ نهاية الحرب الباردة. والحقيقة المفزعة التي يخلص إليها التقرير أن
استمرار الحرب يضاعف حجم التدمير للمنجزات التنموية البسيطة، التي حققها اليمنيون في عقود النصف الثاني من القرن العشرين. ويزيد معدل الوفيات خمسة أضعاف ما هو عليه الآن.
وإذا كانت أطراف الصراع المأساوي تتجاهل هذه الحقائق المتزايدة في الواقع المعيشي الراهن باليمن، فإن الأكثر مأساوية أن تصبح هذه الحروب مصدر ثراء لأطراف تحرص على استمرارها، ولا تتحرك نحو إنهائها، والبحث عن سبل لتوقيف عجلتها التي تدمر مقومات الوجود الحياتي لملايين اليمنيين.
إن استمرار الحرب لا يعني فقط استمرار المأساة الإنسانية الأسوأ في تاريخ العالم المعاصر، ولكنه يعني أيضاً تزايد هذه المأساة حدة وشدة، وارتفاع تكلفتها المادية والبشرية، بحيث تحتاج اليمن، إذا توقفت الحرب في العام 2019م، إلى عقود ومليارات الدولارات لإعادة الإعمار.
تبدو هذه الصورة المأساوية للأوضاع الإنسانية في اليمن، مليئة بالمعطيات التي تحث أطراف الصراع والقوى المؤثرة فيه داخلياً وخارجياً، على ضرورة الإسراع في العمل على استعادة السلام، والتعجيل بنهاية الحروب المدمرة، والخروج من ويلاتها إلى تسوية سياسية دائمة وشاملة.

أولاً: مقتضيات المأساة الإنسانية:


لست بحاجة هنا إلى عرض كامل الإحصائيات المفزعة عن الأوضاع الإنسانية المأساوية التي يعيشها ملايين اليمنيين منذ العام 2011م، وما تلاه من حروب تدميرية مستمرة حتى الآن، لكن الموضوعية تفرض وجهاً من البيان بمقتضيات العمل على استعادة السلام في اليمن، من خلال معطيات الواقع الراهن وتداعياته المستقبلية.
قدرت منظمة الأغذية العالمية، في تقرير الجوع العالمي عام 2018م، نسبة الذين يعانون انعدام الأمن الغذائي، بواحد من كل اثنين من اليمنيين. وفي هذا التقرير كانت اليمن واحدة من أسوأ معدلات سوء التغذية في العالم، حيث توزع سكان اليمن في المراحل الخمس لمؤشرات الجوع في العالم، كالآتي: 3.437 مليوناً من السكان في الحد الأدنى للأمن الغذائي، 6.323 مليوناً من السكان في شدة، 10.239 مليوناً من السكان في أزمة، 9.647 مليوناً من السكان في حالة طوارئ،
238 ألفاً من السكان في وضع كارثي.
ويقول تقرير أعده فريق من الباحثين في جامعة دنفر الأمريكية، ونشر في أبريل 2019م، إن معدل التراجع في معدل التنمية البشرية سيبلغ 26 عاماً إذا استمرت الحرب حتى العام 2022م، وأن 71% من السكان سيعيشون في فقر مدقع، وأن الوفيات غير المباشرة الناجمة عن انعدام
القدرة الشرائية وغياب الرعاية الصحية وخدمات البنية التحتية، ستزيد عن خمسة أضعاف الوفيات المباشرة في الحروب.
وهكذا تقتضي تداعيات المأساة الإنسانية التعجيل بعملية البحث عن سلام ممكن ومتاح، يعيد الحياة إلى ملايين اليمنيين المهددين بالموت جوعاً وأوبئة وأمراضاً.

ثانياً: مقتضيات الاقتصاد المعيشي:

أدت الحرب المستمرة منذ العام 2014م، إلى انهيار الاقتصاد الوطني للجمهورية اليمنية، وتوقف كامل أنشطته العامة والخاصة، وذلك بفعل التدمير الممنهج للمنشآت الاقتصادية، والحصار الشامل على حركة النقل من وإلى اليمن، والفوضى الطاردة للاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.
لكن هذا التدمير وصل إلى الاقتصاد المعيشي ومتطلبات الحياة اليومية لملايين اليمنيين، إذ يفتقر حوالي 24.3 مليون يمني (90% من السكان)، إلى الكهرباء، ويحتاج 75% من اليمنيين إلى المساعدات والإغاثة لمجرد البقاء على قيد الحياة. وقد فاقم من هذا الوضع المأساوي انعدام السيولة النقدية، وهبوط قيمة العملة الوطنية، وتوقف صرف الرواتب لثلاث سنوات تقريباً.
ومما يضاعف من كوارث المأساة الإنسانية المتزايدة باستمرار الحرب، استمرار نزوح الملايين الذين يقدر عددهم بحوالي 3.65 مليون يمني، وفقدانهم متطلبات الاستقرار الحياتي من سكن ومقومات مادية لازمة للاقتصاد المعيشي.
لذلك، لم يكن برنامج الغذاء العالمي مبالغاً أو مجافياً لعين الحقيقة حين حذر في تقرير الجوع العالمي لعام 2018م، من تحول اليمن إلى بلد الأشباح الحية، حيث يفقد اليمنيون كل يوم المزيد من مقومات الحياة وأنشطة الاقتصاد المعيشي، بعد أن أفقدتهم الحرب خلال 5 سنوات، ما كانوا قد ادخروه للمستقبل في فترات ما قبل الأزمة والحرب.
وربما تكون هذه الإشارات كافية لرؤية فظاعة الوضع الإنساني وويلاته إذا استمرت الحرب، ولبيان الأهمية والحاجة إلى حركة سياسية قوية ومؤثرة وقادرة على أن تضع أقدام اليمنيين جميعاً في بوابة سلام ممكن ومتاح.

ثالثاً: مقتضيات المستقبل السياسي:

لا تتوقف الحرب في اليمن عند تدمير المنجزات المادية والبنى التحتية ومقومات الحياة، بل تتجاوز ذلك إلى تدمير البنى المجتمعية والسياسية، وما تحقق فيهما من تحديث وتطور مكتسب بالنضال الوطني وإنجازات الوحدة الديمقراطية.
وإذا كان تهديم الكيان السياسي قد تم حتى الآن بما رافق الحرب من مآسٍ وويلات، فإن استمرار الحرب سيزيد من الانقسامات المجتمعية، ويباعد بين اليمنيين وبين استعادة الدولة، بفعل تزايد مساحة الشحن الطائفي والمناطقي، وتنامي ظاهرة الملشنة الشاملة للدولة والمجتمع.
ربما يكون اتساع مساحة الثأر والانتقام، أبرز مظاهر تدمير المستقبل السياسي بين جماعات مسلحة تبتعد كل يوم عن الوطنية اليمنية ومقتضيات الجمهورية والديمقراطية، لتعمق تخندقها في ثقافة الكراهية المشحونة بالتكفير والتخوين، والاحتكام إلى العنف ومنطق القوة المسلحة.
وحين يدرك فرقاء الصراع المدمر للوجود المادي والمستقبل السياسي لليمن، هذه الحقيقة، فإن عليهم أن يتوقفوا عن الذهاب بعيداً عن الحاضر والمستقبل، وأن يحثوا الخطى سريعاً نحو سلام ممكن ومتاح، إذا -وإذا فقط- أدرك هؤلاء أنهم الغرقى في بحر الوطن المفقود.
والخلاصة، أن استمرار الحرب يُفقد اليمنيين قدرتهم على البقاء أحياء، ويحول اليمن إلى بؤرة فوضى تتقاذفها أمواج الموت قتلاً وجوعاً وأوبئة، وصار لزاماً على قوى الصراع الداخلي والقوى المتورطة في حروب اليمن، أن تتوقف قليلاً لترى المستقبل المرتسم الآن فوق الأطلال والخرائب، وبين الأشباح الحية، لتبادر، وبسرعة وجدية، نحو آفاق السلام ومتاحاته الراهنة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.