إشكاليات استعادة الدولة اليمنية

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تفتح التطورات الأخيرة في عدن، باب التساؤلات عن مسار ومصير عمليات استعادة الدولة اليمنية منذ التدخل العسكري لتحالف دعم الشرعية الذي تقوده السعودية، في مارس من العام 2015م، تحت ذريعة استعادة الدولة والشرعية السياسية من قبضة المليشيا الحوثية المدعومة إيرانياً.
تشير سيطرة المجلس الانتقالي على العاصمة المؤقتة عدن، ومن قبلها سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، إلى عوامل ووقائع أسهمت في تدمير بنية الدولة ومقومات وجودها التي يحددها علم السياسة المعاصر في ثلاثة عناصر، هي: الإقليم والشعب والسلطة الحاكمة التي تجسد السيادة، وتحظى بعنصر الاعتراف الخارجي.
وعندما نعلم، وبعلم السياسة أيضاً، أن عنصري الإقليم والشعب للدولة، أية دولة وكل دولة، يتسمان بالثبات النسبي، فإن السلطة السياسية، تكون موضوع التغير، حتى في ظل الاستقرار، حيث يعمل التطور في المفاهيم والتجدد في الوسائل والآليات، على تغيير بنية السلطة السياسية، وتطور طبيعتها وشكلها ووظائفها.
ولأن التغيير في اليمن، وبعض الأقطار العربية التي اجتاحتها أحداث العام 2011م، مس عنصري الإقليم والشعب، فإن محاولات استعادة الدولة اليمنية، تواجه بعض الإشكاليات التي تجعل هذه المهمة شبه مستحيلة ما لم تتم مقاربتها بصورة عميقة وشاملة، وبرؤية جذرية متكاملة.

أولاً: إشكالية الانقسام المجتمعي:


تقوم الحركة الحوثية على أساس الاعتقاد بالحق الإلهي في ولاية السلطة وإدارتها لفئة الهاشميين الذين ينحدرون من نسل الحسن والحسين من ذرية فاطمة بنت الرسول محمد (ص)، وهو ادعاء يجعل التمايز بين مواطني الدولة اليمنية قائماً على أساس سلالي يشير إليه الاستعمال المتداول للفظتي “سادة” و”قبائل”.
ولا تتوقف الحركة الحوثية عند الادعاء السلالي بأحقية الحكم، حيث تصادر المواطنة وسيادة الشعب، بل تمتد بهذا الادعاء إلى تمايزات طائفية “سنة- شيعة”، ومذهبية “زيود وشوافع”، واستدعاءات تاريخية لمسميات “الروافض” و”النواصب”، وغير ذلك من المفاهيم التي ترسخ انقسام الشعب اليمني بين فئات سلالية وتقسيمات دينية.
ويجد الخطاب الحوثي ما يسانده دينياً من الجماعات الأخرى التي تقيم تنظيماتها وخطابها السياسي على أساس ديني، مثل جماعة “الإخوان”، والجماعات السلفية، والجماعات الإرهابية، مثل “داعش” و”القاعدة”، حيث يتوحد خطاب الجماعات الدينية على ترسيخ الانقسام المجتمعي، وتجذر انقساماته الطائفية والمذهبية.
ولا يتوقف الانقسام المجتمعي عند التمايزات التي يكرسها بين الشعب اليمني الموروث الفقهي للمذاهب والطوائف الدينية، بل يتعداها إلى الخطاب الإعلامي الذي أنتجه الحوثيون لتكفير وتخوين من يختلف معهم، ويتصدى لدعاواهم السلالية، ويرفض الخضوع لسلطتهم العسكرية، حيث تستخدم الحركة الحوثية مصطلحات “الكفار والمنافقين والعملاء والمرتزقة”، لترسيخ التمايز بين المواطنين، وإضفاء صبغة القداسة على الجماعة الحوثية.

ثانياً: إشكالية التشظي الجغرافي:


ويجسد الحراك الانفصالي في المحافظات الجنوبية للجمهورية اليمنية، هذا التشظي بالدعوة المتطرفة في عداوتها للهوية اليمنية، ولانفصال الجنوب عن الشمال الذي تراه مكونات هذا الحراك عدواً غازياً محتلاً للجنوب، وتكشف الممارسات اللاقانونية واللاأخلاقية ضد مواطني المحافظات الشمالية، قبل وبعد سيطرة المجلس الانتقالي على عدن، هذا التطرف المناقض للدولة المجسدة لسيادة القانون.
غير أن التشظي الجغرافي لا ينحصر في الاتجاهات المتطرفة للحراك الانفصالي، إذ يتمدد إلى نزعات مناطقية تسود في الشمال كما في الجنوب، كرد فعل على اعتماد النظام الذي ساد قبل العام 2011م، على الروابط القرابية في تركيبة هرم السلطة الحاكمة، وهو ما أدى إلى ظهور مفاهيم مناطقية تعبر عن معادلة مختلة بين الهضبة والسهول أو بين “طالع” و”نازل”، أو الظهور المستجد للمناطقية التعزية والحراك التهامي.
وقد كشفت معارك شبوة وانكسار “الانتقالي” في عاصمتها عتق، عن مناطقية جنوبية، تثيرها تحالفات الضالع – يافع مقابل شبوة – أبين، أو يحركها التمايز بين إقليم عدن وإقليم حضرموت.

ثالثاً: إشكالية الكيانات العسكرية:


عملت الاتجاهات الطائفية والانفصالية على بناء قوتها العسكرية خارج الأطر الرسمية للدولة اليمنية، وهو ما يعيق محاولات استعادة الدولة، حيث لا تتوقف عملية بناء هذه المليشيات عند الحوثيين والحراك الانفصالي، بل تشمل جماعات أخرى كالسلفيين في الجنوب وتعز، وحتى عند جماعة الإخوان التي تداري جناحها العسكري في تعز ومأرب تحت مسمى الجيش الوطني الذي يتوارى عن المشهد مع توالد الكيانات العسكرية المستقلة، والتي كان آخرها “حراس الجمهورية” الخارجة من صنعاء إلى الساحل الغربي، بعد مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح، في 4 ديسمبر 2017م.

رابعاً: إشكالية التدخل الخارجي:


وتشير التحولات الخطيرة في الحروب اليمنية منذ سيطرة المجلس الانتقالي على عدن، في أغسطس 2019م، إلى أن هذه الحروب مرتهنة للخارج كليةً، وأسيرة لتجاذباته الإقليمية والدولية، وحتى لخلافاته البينية، مثل أزمة قطر.
وتعمل الوصاية الدولية على الأوضاع المأساوية اليمنية، من خلال المبعوث الأممي، على إدارة الأزمة وفق رؤية تتغلب فيها مصالح الخارج على المصلحة اليمنية، كما هو ظاهر في الحرص الخارجي على تأمين الممرات المائية، وإبقاء الداخل اليمني مطحوناً بمأساته الإنسانية التي لا مثيل لها في العالم المعاصر.
هذه صورة موجزة لإشكاليات استعادة الدولة اليمنية، وهي إشكاليات تزداد تعقيداً مع الجمود العسكري، وتوقف مسارات التسوية السياسية، الأمر الذي يحوّل اليمن إلى مستنقع مأساوي يصعب مع مرور الوقت الخروج منه، أو استعادة ما كان عليه من أوضاع وبنى مجتمعية ومؤسسية تقترب من تطوره نحو الدولة.
وإجمالاً، فإن مقاربة هذه الإشكاليات برؤية سياسية، أمر ممكن إذا أعيد الاعتبار للوطنية اليمنية، وتم البناء عليها سياسياً وعسكرياً بمرجعية القيم والآليات الديمقراطية، مع أهمية تحييد التدخلات الخارجية، وبخاصة في مجال دعم وتعزيز قدرات الكيانات العسكرية المتشكلة خارج الأطر الرسمية.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.