شهر عسل في القاهرة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin


بيروت والقاهرة؛ هما العاصمتان العربيتان اللتان زرتهما، فضلاً عن زيارةٍ خاطفة إلى دمشق. لكل واحدةٍ من العواصم الثلاث جمالٌ خاص، وبعض المشتركات. يستطيع أن يميّز ذاك الجمال، ويكتشف تلك المشتركات، زائرٌ فطنٌ لا يوقفه الانبهار بالمظاهر، ولا يكتفي بما يبدو، بل يغوص في عمق المكان، ويسبح في بحر الزمان.
سأتحدث قليلاً عن بيروت، بقدر الأيام الأربعة التي قضيتها فيها، وكانت فرصة لاستعادة ذكريات زيارةٍ سابقة، وسانحةً للقاء بعض أصدقاء بعد سنوات من الافتراق، والتحدث معهم بشجنٍ وودٍّ وألمٍ، عن ماضٍ وحاضر، وبكثير من الأمل عن مستقبلٍ نرجوه. وكانت اليمن محور كل الأحاديث والجلسات مع أصدقائي اليمنيين والعرب.
هذه العاصمة التي عانت ويلات الحرب الأهلية، وجرائم الاجتياح الإسرائيلي، شطراً من الربع الأخير من القرن الماضي، ليست متعايشةً ومتصالحة مع نفسها كما تبدو لزائرها من الوهلة الأولى، ففي قلبها آلامٌ وجراح، وفي جوفها توجسٌ وارتياب، وفي عينيها قلقٌ واضطراب. إنها مدينةٌ مغصوصة بالوجع، مكظومة بالأنين، في دربها أشواكٌ ينثرها الأعادي، وعلى الأفق غيومٌ تدفعها رياح الصراع، وتركمها طقوس الولاء.
بيروت تستقبل الزائرين بكل بشاشة، رغم أحزانها العديدة؛ تضحك في وجوههم، وتبكي وحيدةً. تمنحهم البهجة، وتتجرع مآسيها، تمكّنهم من الاستمتاع، وتداري أوجاعها. تعيش هماً عظيماً، وتشكو همساً لا يكاد يبين. ورغم كل ذلك، فإنها تستدرج زائرها إلى حبها، وتستهويه بفتنتها، لكنها لا تفتأ أن تكون، كما وصفها صديقي، “العاشقة القاسية”.
أما القاهرة، فلقد قضيت فيها شهراً بلون البهجة وطعم العسل. بدايةً، قلت لسائق التاكسي الذي أقلني من المطار: كم أتمنى لو أن للقاهرة يداً لأصافحها. فمدّ إليّ يده، وصافحته نيابةً عن المدينة التي لازمني حلم زيارتها ربع قرنٍ من عمري، وتحقق أخيراً بتوفيقٍ من القدير.
حفلت مدة إقامتي في القاهرة، بالكثير من المتعة والفائدة، فضلاً عن البهجة… ومن ذلك:
متعة التجول في أماكنَ ومعالمَ سبق أن شاهدتها في الأفلام، أو قرأتها في الكتب، أو سمعت عنها، قبل أن أقترب منها واقعاً، وأحسّ تفاصيلها حقيقةً، وأقرأ ما لم تُظهره الصور، أو تدوّنه السطور. وذلك كثيرٌ وعديد.
متعة التسكع في الشوارع الرئيسية بضجيج عجلات السيارات ومحركاتها، والشوارع الداخلية بصخب ناسها وباعتها، والمقارنة والمقاربة بين ما تمثله الأولى من فخامةٍ وثراء، وما تحتضنه الثانية من بساطةٍ وعناء.
متعة الالتقاء بأصدقاء فرّقتهم الحرب والمواقف، وجمعتهم الغربة (تحتضن جمهورية مصر العربية، قرابة مليون يمني، حسب تقديراتٍ غير رسمية، عددٌ ضئيلٌ منهم مسجلون رسمياً لدى مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ويعاني أكثرهم ظروفاً معيشية صعبةً، سواء كانوا طلاباً أو جرحى أو لاجئين، ويتركز أغلبهم في العاصمة القاهرة، مضفين على بعض الأحياء الشعبية، كالدقي وفيصل بالجيزة، طابعاً يمنياً؛ بمطاعمهم وتجمعاتهم، فضلاً عن تواجدٍ قليلٍ في أحياء راقية). مسؤولون، صحافيون، دارسون، رجال أعمال، ومرضى؛ ينحدرون من اتجاهاتٍ سياسيةٍ مختلفة، ومن مشاربَ فكريةٍ شتى، وينصبّ اهتمامهم الأساسي في شأن الوطن الذي لا يبرح أن يستدعي حنينهم، ويدعوهم للذوب في أشواقهم إليه، ولا يفتؤون يذكرونه في الغياب، ويمنّون أنفسهم بالرحيل إلى رحابه، ولقائه سجّداً؛ تحقيقاً للحلم الموعود.
متعة التعرف على أشخاصٍ ودودين ورائعين، ومن جنسياتٍ مختلفة، وتكوين علاقات صداقةٍ جديدةٍ ونوعيةٍ، وتبعث على الفخر والاعتزاز.
متعة حضور العديد من الفعاليات الثقافية والفنية والأدبية، والاختلاط بالمهتمين في هذه الأنشطة. وكان أبرز تلك الفعاليات، المهرجان القومي للمسرح المصري، في دورته الـ12 (دورة الفنان كرم مطاوع)، الذي شمل عروضاً كثيرة جسدت أشكالاً من صراع الإنسان مع نفسه ومع العالم، بحثاً عن الحرية، وانتصاراً على الخوف. إلى جانب أمسياتٍ شعرية، وعروضٍ سينمائية. إضافةً إلى فعالياتٍ اجتماعية وعلمية، ورحلاتٍ ليليةٍ ممتعة على مراكبَ نيليةٍ، رفقة بعضٍ من أعز الأصدقاء.
على أن القاهرة، بجانب محاسنها وجمالياتها وروعتها، لا تخلو شوارعها من سلبياتٍ ومساوئَ، أبرزها: الازدحام والاكتظاظ الهائل، الاختناقات المرورية الرهيبة، أكوام القمامة المتكدسة، وفوضى المارة والمركبات، ولا تخلو أحاديث ناسها من كلامٍ عن فسادٍ وسوء إدارةٍ، ومن خشيةٍ إزاء مستقبلٍ مثقلٍ بالديون، ومن تذمرٍ حيال بعض السياسات.
لولا أن القاهرة مدينةٌ تسرق الوقت، لكان لي معها ترحالٌ، وفي ربوعها أسفارٌ طوال، ولكانت بمزيدٍ من التودد إليها، كشفت لي عن المزيد من فتنتها، وأفضت إليّ بأسرارها، وفاضت بما خفي مدراراً… لكن شهراً وبضعة أيامٍ مدةٌ لم تسعني للإحاطة ببعض معالمها، والإمساك بقيادها، والإلمام بأطرافها. فمازال هنالك كثير حاجةٍ إلى المعرفة، وألف سؤالٍ وسؤالٌ في انتظار الأجوبة. ولئن فاتني جانبٌ مما كان ينبغي إدراكه، فعزائي أن القاهرة أولمت لي بمائدةٍ متنوعة، ثرية، وشهية.
كانت هذه بعض الانطباعات التي استخلصتها من خلال تأملاتٍ ومشاهدات في شخصية المكان التي شكلتها إراداتٌ مختلفة: إلهية وزمنية وبشرية، وفي طبيعة الإنسان الذي تسيّره احتياجاتٌ تقتضيها الحياة، واختياراتٌ يفرضها الساسة، ولا خيار له سوى أن يتماشى مع ما تمليه عليه الضرورة.
غادرت القاهرة، وقلبي يتوجع على أصدقاء أعزاء، كانت حفاوتهم بي عاليةً، ورعايتهم لي فوق المتوقع… وفؤادي مشطورٌ: شطراً معلقاً في ما هنالك من أشخاصٍ وذكريات، وشطراً قد سبقني، على جناح الشوق، إلى الوطن. غادرت بمشاعرَ مختلطةٍ بين الحزن والفرح: حزناً على فراق أحبةٍ لي هناك، وفرحاً بالعودة إلى الديار.
طرت متوجهاً إلى مدينة سيئون؛ حاضرة وادي حضرموت، بعد أن تم تحويل الرحلة من مطار عدن الدولي، إلى مطار سيئون الدولي “المتواضع”، إثر الأحداث الأمنية المؤسفة، والتطورات السياسية التي شهدتها، مؤخراً، مدينة عدن وبعض المدن والمحافظات الجنوبية، ولاتزال تداعياتها جاريةً وقائمة على صعيد الواقع، وفي غرف السياسة.
سيئون؛ المدينة الصغيرة التي تتوسط الوادي، وتحيط بها جبال هضبة حضرموت، كما تبدو من الأجواء، والتي استقبلتني بشمس أصيلها الحارقة، وحرّها اللافح، والأتربة المتطايرة مع الرياح… لم يسعفني الوقت للمكوث فيها، والتعرف عليها؛ إذ سرعان ما انطلقت على متن الباص، لتبدأ رحلتي البرّية الطويلة والمضنية والشاقة، في طريقٍ أجزاء منها ترابيةٌ، وأخرى متآكلةٌ أو مليئةٌ بالحفر، وتتخللها عشرات النقاط الأمنية، التي تمنح المسافرين، فوق ما هم فيه من عناءٍ، مزيداً من القلق والخوف، بدلاً من الطمأنينة والأمن (سفري، في وقتٍ سابقٍ، من صنعاء إلى عدن، رافقته المشقة ذاتها، واكتنفته المخاطر نفسها. وذلك، وغيره، هو أول وأكثر ما يناله اليمني، إن سافر، عوض أن يجني فوائد السفر المأثورة).
25 ساعةً سفراً متواصلاً ومرهقاً من سيئون، مروراً بمدن ومناطق ومحافظات، منها: شبام والقطن والعبر (محافظة حضرموت)، وصافر (محافظة مأرب)، ورداع (محافظة البيضاء)، ومن ثم ذمار ومعبر (محافظة ذمار)، وصولاً إلى العاصمة صنعاء؛ صانعة الحضارة والتاريخ، عاصمة التحدي والصمود، والتي لا توجد نظائرُ لها إلا في مرويات الأساطير. صنعاء التي تردّ الروح بمرآها، وتلمّ شتات النفس بلقياها، وتنفض عن جسد الداخل إليها، وعثاء السفر، وتلقي في وجهه السكينة، فيرتدّ آمناً مطمئناً. صنعاء المدينة الأثيرة إلى قلبي، المقيمة في وجداني؛ جميلة الجميلات، التي لا مثيل لها في الحُسن، ولا شبيه لها في الجلال، ولا شريك لها في القلب.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.