حروب اليمن كتوالد حكايات شهريار

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin



أكثر من أي وقت مضى، أصبح مصير اليمن تحت رحمة التدخلات الخارجية، إذ تتصارع عليها قوى دولية وأخرى إقليمية. عدا أن هناك سلسلة مترابطة من العلاقات تتحكم بنفوذ تلك الدول عبر الوكلاء المحليين، ثم هناك الوكلاء الإقليميون. وعليه سيتم ترتيب وضع سيطرة الفصائل المسلحة في اليمن ضمن نطاق نفوذ تلك القوى.
وهو ما يجري حالياً في الجنوب، فمن ناحية تقوم قوات المجلس الانتقالي بتأمين عدن عبر زرع آلاف الألغام ناحية مدخل العلم. وفي نفس الوقت يقوم الطرفان بالتعزيز نحو منطقة شقرة في أبين؛ يريد المجلس الانتقالي تأمين أبين وعدن من خلال السيطرة على المنطقة التي مازالت تحت يد الحكومة. والأخيرة تدافع عن شقرة، لتأمين شبوة، وأيضاً تعزيز حظوظها في الطريق إلى عدن. والسؤال هو حول إن كانت الإمارات ستتدخل مجدداً لترجيح كفة “الانتقالي”، وضرب القوات الحكومية.
الجلي أن حوار جدة فشل بين الحكومة و”الانتقالي”، وهو ما انتقل بالضرورة إلى تجهيزات لجولة أخرى من الحرب، ستكون مسرحها شقرة المتاخمة لمحافظة شبوة. وعملياً، تجري المعركة هناك لترسيم حدود جديدة بين طرفين يقتتلان، لنشهد حرباً داخل حرب. وفي صورة ترسم مستقبلاً مليئاً بالحروب، وكما لو كانت تتوالد في اليمن على طريقة توالد الحكايات في “ألف ليلة وليلة”.
سيتم توزيع مناطق النفوذ عبر الوكلاء المحليين، وكما لن تسمح السعودية بسقوط شبوة، ستقوم الإمارات بفعل كل شيء حتى لا يتعرض المجلس الانتقالي لهزيمة قاصمة. وهو ما قامت به فعلاً، بعد تدخل طيرانها، بصورة سافرة، لتمنع سيطرة الحكومة اليمنية على عدن. رغم ما فيه من تعدٍّ صريح، أي أنها ألقت بكل أوراقها مع فصيل قامت بتسليحه وإعداده خلال سنوات الحرب، ليكون أداة نفوذها في اليمن، وأيضاً مهمازاً لإعادة التقسيم.
لكن الحيثيات تثير صورة هشة لقوة المليشيا التي تدعمها الإمارات في الجنوب، فبدون مساندة الطيران الإماراتي، لم تحقق أي نصر خلال كل مواجهاتها مع الحكومة. وهو ما دفع الإمارات للتهور، كما أنها تحاول تدعيم موقفها داخل اليمن في إيجاد صلات مباشرة مع الحوثيين. وأصبح هناك رابط عاطفي يشترك فيه الحوثيون مع الانفصاليين، يتعلق بتصفية حضور هادي السياسي وحكومته، كونها عائقاً سياسياً للطرفين.
وربما كانت اليمن هي الشاة التي ستتم التضحية بها من أجل تسوية غربية مع إيران، والإمارات تضمن في تحركاتها المصالح الغربية أو رؤيتها السياسية في المنطقة. وهذا يلقي بظلاله على وضع التسوية في اليمن بحيث تضمن وجود الأطراف المسيطرة على الأرض.
لكن الصفعة التي تحاول الإمارات تجاهلها، وتصويرها كحالة بطولية، هي هشاشة حلفائها كما لو كانت عدوى انتقلت منها. إن بلداً يحاول القيام بدور صغير وهامشي على المستوى الإقليمي والدولي، يفتعل كل تلك الفوضى في محيطه، ليؤكد أن بمقدوره لعب دور محوري في المنطقة، سيعود إلى حجمه حتماً.
تتيح التناقضات في اليمن تدخلات الخارج، كما شكلت العامل الحاسم في الدور الإماراتي الحالي، لكنها اليوم أيضاً تقف لتكون عائقاً أمام فرض الانفصال. والإمارات دعمت فصيلاً جنوبياً غير مقبول ليكون الممثل الوحيد للقضية الجنوبية. فعلى رغم هشاشة الواقع اليمني، والاضمحلال السياسي وعوامل التفكك، تفرض تلك التناقضات سياقاً آخر يدفع كيانات عدة للالتفاف حول فكرة اليمن. وللعلم توحد الجنوب اليمني بعد جلاء الاستعمار البريطاني، ضمن فكرة اليمن، والتي تم تتويجها بوحدة عام 90.
حتى إن شخصية سياسية داعمة لانفصال الجنوب، مثل حيدر أبو بكر العطاس، أول رئيس وزراء في دولة الوحدة، تحدث بلهجة قاطعة في حديث لقناة أبوظبي، بترك القضية للجنوبيين، مؤكداً أنه لن يكون هناك حل للقضية الجنوبية دون وجود حل شامل للقضية اليمنية.
غير أن فكرة الحل الشامل، يمكن تأويله وتكييفه بحسب ما تقتضيه السيطرة على الأرض. عدا أن الانفصاليين المدعومين من الإمارات يحولون تحقيق انتصار عسكري، والسيطرة على بقية الجنوب. وقدمت الإمارات دعماً مباشراً لمليشياتها. غير أن التناقضات اليمنية، فرضت نفسها أيضاً على التحالف، وتباينت مصالح السعودية والإمارات.
وكانت السعودية أرسلت تعزيزات عسكرية جديدة، إلى عدن، الأسبوع الفائت. وهو ما يثير امتعاض قيادات في المجلس الانتقالي، عدا أنه ربما يكون تعبيراً عن امتعاض إماراتي. وتضع القوات السعودية في عدن يدها على معاشيق ومجلس الوزراء. والسؤال: لماذا تعزز السعودية وجودها في عدن؟ هل تريد احتواء السيطرة الإماراتية الكاملة على ميناء عدن، والعاصمة المؤقتة بالنسبة للحكومة المتحالفة مع السعودية؟ وسبق للسعودية أن أرسلت آليات عسكرية وجنوداً إلى عدن، الشهر الفائت، وهو ربما كان سبباً في تفجير الإمارات للوضع في عدن. لكن الأخيرة تدفع حلفاءها الانتقاليين نحو شقرة لتفجير الوضع العسكري. وربما يكون لتباين المصالح السعودية الإماراتية، تأثير على ملفات عديدة في المنطقة، أي أن السعودية بدأت تضغط في ليبيا، وهو ربما يكون سبباً في سير المعارك مؤخراً لمصلحة قوات حكومة الوفاق في طرابلس. فالسعودية لا يمكنها إثارة قطيعة كاملة مع الإمارات على خلفية ما يجري في اليمن، والتي تشكل للرياض قلقاً أمنياً كبيراً، مقارنة بدور إماراتي فيه من التهور والحسابات النزقة.
ولا ندري إلى أي مدى أثرت الأوضاع في اليمن على تغييرات في الديوان الملكي السعودي، إذ أقال الملك سلمان، حمد السويلم، وعين مكانه خالد العيسى كرئيس للديوان الملكي.
لكن ما يثير الحيرة، لماذا تقوم الإمارات بتلك الأدوار الطموحة بالعدوانية تجاه شعوب المنطقة في السنوات الأخيرة؟ هل بدافع القلق من هيمنة جماعة الإخوان المسلمين كما يصورونه فعلاً، أو لأدوار أخرى؟ لماذا تورطت بدعم انقلاب سياسي في سلطنة عُمان؟
بعد فترة وجيزة من بداية الحرب في اليمن، سألت صديقاً صومالياً شاباً؛ ما إن كنا في اليمن قادرين على تجاوز آثار الحرب بسرعة. أتى محيي الدين من تجربة احتدمت بحرب أهلية وعدم استقرار دام 3 عقود. أجاب: “إذا لم يكن هناك تدخلات خارجية، فإنكم ستصلون إلى طريق”. لا تأتي الحلول من الخارج، وربما ذلك خطأ اليمنيين حين اعتمدوا على الخارج، وكانت الانقسامات عاملاً رئيسياً في ذلك. لم يستمع أحد لنصيحة محيي الدين، وانتظرنا أن تأتي الحلول من الخارج، كما فعل ذو يزن، حين استدعى الفرس واستبدل احتلالاً بآخر. لم يستمعوا لنصيحة محيي الدين، حين تصبح تحت رحمة التدخلات الخارجية، لن تصل إلى حلول سريعة. واليوم أرى اليمن محددة بتدخلات الخارج. وفي مشهد تختمر فيه حروب مستقبلية تتوالد على صورة حكايات “ألف ليلة وليلة”، العالم السحري للحكايات العربية، لكن بتراجيدية يمنية.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.