عاصفة الحزم… حساب السنين

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

هذا ليس كشف حساب بأرباح وخسائر الحرب الدائرة في اليمن، فليس هناك وجود لأرباح وعوائد، وأما الخسائر فحسابها مستحيل؛ لتعذر توفير البيانات، ولأن العملية لا يفي بها مقال، ولا يكفي لتوثيقها كتاب.
ثم إن الحرب لم تنتهِ بعد، وهي لن تنتهي بمجرد أن تسكت البنادق، فإن تداعيات الزلزال سوف تستمر إلى آماد يصعب تقديرها. وكذلك يصعب تحديد تاريخ ابتداء الحرب باليوم وبالساعة.
هل بدأت يوم قصف طيران التحالف الأهداف الاستراتيجية في الأراضي اليمنية، في 25 مارس 2015؟
هل بدأت يوم احتل الحوثيون صنعاء، في 21 سبتمبر 2014، أو يوم اقتحموا عمران، أو قبل ذلك عندما أطلقوا النار على طاقم الشرطة الذي خرج بمأمورية لإحضار حسين الحوثي، بأمر من الرئيس علي عبدالله صالح؟
وحتى قبل ذلك، فإن الحرب كانت دورة فوق هذا البلد الجريح. ولم تكن عاصفة الحزم إلا استمراراً لذلك الدوي الذي يتكرر بين وقت وآخر في اليمن. إنها في حقيقة الأمر استمرار واتصال بمغامرات وحروب وانقلابات عسكرية لم تكن السعودية بعيدة عنها.
مع ذلك، لا بأس أن نبدأ من تلك اللحظة التي سبقت بساعات إعلان السفير السعودي في واشنطن، بدء ما أطلقوا عليها عاصفة الحزم. وقد بدأت مشفوعة بوعد أنها ستمضي خاطفة وسريعة، تكسر إرادة الحوثيين، وتجبرهم على تسليم السلاح، ومن ثم تطبيق مخرجات الحوار الوطني وإقامة الدولة الاتحادية المنشودة.
وبالرغم من الحساسية المفرطة لدى المجتمع اليمني تجاه المملكة السعودية، والناجمة عن إرث ثقيل من السياسات المناهضة لاستقلال اليمن واستقراره ووحدته، فإن أكثر الناس تلقوا خبر التدخل السعودي بالرضا والقبول الحسن.
وكان وراء هذا القبول إحساس بأن التدخل هذه المرة ليس فيه شبهة مؤامرة، فقد جاء بناءً على طلب من السلطة الشرعية المنتخب رئيسها بالإجماع في لحظة حرص على الخروج من الأزمة السياسية التي فاقمتها أحداث فبراير 2011. لقد جاءت السعودية، هذه المرة، من الباب، ولم تتسلق الحائط، وجاءت في ضوء الشمس الزاهي، وليس في ظلمة الليل المدلهم.
كان هذا سبباً أول.
والسبب الآخر، أن السعودية يؤرقها بالفعل قلق ممض من التمدد الإيراني الذي يطوقها من الشرق والشمال، وربما أيضاً من الغرب، حيث لا تأمن من علاقات خاصة لطهران بحكومات في القرن الأفريقي، وأخيراً أكمل الطوق من الجنوب خلال أطول حد بري للسعودية مع دولة مجاورة. وهكذا استقر في الأذهان أن هذا وحده كافٍ لأن تدعم السعودية الحكومة اليمنية، في مواجهة الحوثيين وإيران من خلفهم.
وإذن، فليست ثمة مخاوف من أهداف أخرى خفية. وحتى في وجود المخاوف، فإن الخطر القادم من هناك في الشمال، لن يدوم طويلاً، بحكم المدى المتاح للنظام السعودي في أن يعمر، فضلاً عن أن هزيمته ممكنة إذا اضطر اليمنيون إلى مواجهة قادمة معه. وأما الخطر الحوثي فهو مختلف تماماً. إنه اطول وأعمق مدى، والذاكرة اليمنية معبأة بفصول تاريخ طويل من المرارات والمهانات في عهود الأئمة البغاة.
أعلنت السعودية عن تحالف ضم 9 دول عربية وباكستان الدولة الإسلامية، لكن البرلمان الباكستاني منع الحكومة من اتخاذ قرار بالمشاركة، ثم انسحبت قطر بعد توتر علاقاتها مع جاراتها الخليجية الثلاث، وبقي وجود مصر والمغرب والأردن اسمياً، وفضلت الكويت أن تساعد بالوساطة دون أن تتورط في القتال. وكذلك انحصر التحالف في السعودية والإمارات، مع حضور شرفي للبحرين، وقوة برية محدودة من السودان.
وحين أعلن السفير السعودي، من واشنطن، اندلاع الحرب، كان الطيران، أو هكذا اعتقدت القيادة العسكرية للتحالف، قد نفذ الضربات التمهيدية الأولى بتدمير القوة الجوية والصاروخية ومراكز الاتصال والسيطرة، وبدت العملية العسكرية في غاية اليسر والسهولة، كما صورها المتحدث العسكري للتحالف وقتها، أحمد العسيري.
ثم بعد شهر من بدء الحرب، أعلن المتحدث نفسه عن انتهاء عاصفة الحزم، والدخول في ما قال إنها عملية إعادة الأمل. ولم يكن دقيقاً، فإن العمليات العسكرية استمرت مع أعمال الإغاثة، وجاءت النتيجة فشلاً ذريعاً على المستويين العسكري والإنساني. فلم يتحقق الحزم، ولم يستعد الأمل، والتهم الفساد المساعدات الإنسانية من قبل اللجنة المعينة من الحكومة الشرعية، وكذلك من قبل الجماعة الحوثية، وزادت هذه الأخيرة، فاستخدمتها في ابتزاز الأسر، وإكراهها على الدفع بأبنائها إلى جبهات القتال.
ولقد انتظر اليمنيون ما وعد به العسيري، بأن الجيوش سوف تزحف، وتخيلوا مليشيات الحوثي وهي تفر حافية عارية، وتترك أكداس السلاح يستردها الجيش الوطني؛ جيش الشرعية المكلل بالنصر. تخيلوا صور الأعلام براقة في صنعاء وصعدة، وأصوات النشيد مدوية ومجلجلة. ورأوا قادة الجيش اليمني القديم والجديد الذي بني في هزيم الحرب، يودعون بالأهازيج القوات التي جاءت تنتصر لليمن. لكنما وآه من قسوتها، على حسب التعبير المتحسر لصلاح عبدالصبور في قصيدته البديعة “أحلام الفارس القديم”.
كل هذه السنوات والشهور والأيام لم يسمع اليمنيون سوى أزيز الطائرات ودوي الانفجارات تدك الجبال والمستشفيات والمدارس والطرق، ولم يروا غير الظلام، ولم يطعموا أكثر من مرارة القهر والجوع والوحشة.
ولقد تحولت المملكة من الهجوم إلى الدفاع، ومن الاستعراض والتباهي إلى الأنين والشكوى. لكن اليمن دفع أثماناً باهظة وخسائر بلا حدود.
على أن هذا ليس بياناً بالأرباح والخسائر، ولا جردة حساب بالخسائر وحدها، وإنما هي إشارة حمراء إلى أن في المنعطف هاوية سحيقة تستوجب إيقاف الحرب. وإنما سيتولى التاريخ حساب الخسائر، وأفدحها الخسائر غير المادية، ذلك الدمار النفسي والاجتماعي.
هي الحرب العابثة لم تنجز نصراً، ولم تحي أملاً.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.