اليمن وتنافرات الغطرسة القاتلة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

بادرت جماعة الحوثي إلى تقديم مبادرة سلام مع المملكة السعودية، بعد فترة وجيزة من حادثة “أرامكو” التي تضاربت الأنباء حول مرتكبها، وما ترتب عليها من تداعيات في السياسة الدولية عامة، وفي محور التجاذبات بين الولايات الأمريكية وإيران تحديداً.
سرعان ما رحب المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، بالمبادرة، معلناً مباركته لها، متفائلاً بما قدمته من فرصة سانحة للسلام، متجاهلاً طبيعة مهمته التي حددها القرار 2216 لمجلس الأمن الدولي، الذي شرعن لحرب التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن.
تجاهل المبعوث الأممي إلى اليمن، أن الحرب ليست بين اليمن والسعودية، وإنما بين الحكومة وبين عصابة متمردة على الشرعية الدستورية والسياسية للجمهورية اليمنية، وذهبت الغطرسة بالحوثيين إلى تقديم مبادرة يعلمون جيداً أن جذرها المشتعل في اليمن، وليس على حدود المملكة.
أساس السلام في اليمن أن تتحرك جماعة الحوثي بصدق نحو التسليم بمنطق الدولة الوطنية، ودون أن تتكئ على ما تصفه بالعدوان السعودي، لأن جذر المأساة الوطنية في اليمن بدأ مع الصعود الحوثي، وتنامى على وتيرة الادعاء بالحق الإلهي لسلالة آل البيت في الحكم، وتكامل بالسطو الحوثي المسلح على الدولة والمجتمع في الجمهورية اليمنية. فلماذا يبادر الحوثيون بالسلام مع السعودية، وهم يعلمون أن جذر المشكلة في حربهم مع اليمنيين؟!
تدرك جماعة الحوثي حاجتها إلى، ومصلحتها من المبادرة إلى إعلان وقف هجماتها على المملكة السعودية، حتى وإن كانت هذه الحاجة والمصلحة مجرد إشباع رغبة الجماعة بنشوة نصر مفقود وعجز مستمر عن الإضرار بغير اليمن الأرض والشعب.
ربما تبدو المبادرة الحوثية عنواناً مقبولاً في سوق التجاذبات الدولية بين إيران وخصومها، لكنها -أي المبادرة- تأتي في سياق محاولات أمريكية للحصول على صفقة مُرضية للسعودية ضمن تنازلات ممكنة بالتقايض مع الحوثيين، لكن هذا السياق أيضاً يخرج عن إطار الأزمة اليمنية في جذر انبعاثها القديم.
ومع ذلك، فإن مبادرة الحوثيين لا تخلو من وجاهة، رغم الغطرسة القاتلة في إعلانها، فهي، ومن نواحٍ عدة، تكشف مأزق تحالف الشرعية وتحالف دعمها عسكرياً بقيادة السعودية، والتي ظهرت في حروب المحافظات الجنوبية، ابتداءً من عدن، مطلع أغسطس 2019م.
والحقيقة هنا أن الحوثيين نجحوا في صناعة المسافة الفاصلة بين الوطنية اليمنية والمسارات السياسية الراهنة، من خلال الاتجاهات الانعزالية التي تواصل تجذرها شمالاً تحت هوية طائفية، وجنوباً في حروب المناطقية والنزعة الانفصالية. وهنا يكون السلام بعيداً عن جبهات المأساة من الداخل، وعن مواقع الاشتباك في الخارج، وإن توهم وكلاء إيران خلاف ذلك.
ولم يكن هذا النجاح سيتحقق للحوثيين بغير الحسابات الخاطئة لمكونات تحالف الشرعية التي ذهبت بعيداً عن منطق الوطنية اليمنية وتجسداتها السياسية في الجمهورية والوحدة والديمقراطية، والوقوع في دائرة التجاذبات الخارجية إقليمياً ودولياً.
ولعل الواقع يكشف الكثير من أزمات الأطراف المتحاربة في اليمن، والتي تجعل مبادرة الحوثيين بوقف هجماتهم على السعودية، غطرسة قاتلة لآمال اليمنيين في السلام واستعادة الأمن والاستقرار في ظل دولة وطنية ومسار ديمقراطي. أما السعودية فلم توقف غارات الطيران، وإن كانت المواقع المستهدفة من عمران إلى الضالع منازل المواطنين.
غير أن حادثة “أرامكو” قد ذهبت سعودياً ودولياً، إلى مصدرها الأصلي في طهران، وبقيت جماعة الحوثي مكشوفةً في اليمن، باعتبارها جماعة لا تقاتل أو تقتل غير اليمنيين، بحثاً عن اصطفاء سلالي يختصها بالحكم دون الشعب، وبالسلطة دون اليمنيين، وهذا هو جذر المأساة اليمنية الراهنة قبل التدخل العسكري لتحالف دعم الشرعية. وفي حال إذا ما توقف هذا التدخل في المستقبل القريب، فما الذي بمقدور جماعة الحوثي تقديمه لتجاوز المأساة اليمنية التي صنعت بالخروج المسلح للجماعة على إرادة اليمنيين؟
ويمكن للمتابع أن يرصد بعض المؤشرات الدالة على أسباب مبادرة الحوثيين إلى إعلان وقف هجماتهم على السعودية من طرف واحد، والتي من أهمها:

أولاً: الجمود العسكري:


وهو الجمود الذي يسود كافة جبهات المواجهة بين الأطراف المتحاربة في اليمن منذ الموافقة على مبادرة غريفيث حول الحديدة، أواخر العام الماضي، وتعثر مسار التنفيذ كثيراً عن مواعيده المحددة.
وهذا الجمود الشامل يفرض على جميع الأطراف المتحاربة في الداخل ومن الخارج، التعامل مع هدنة قائمة على الأرض بدون إعلان، وبالتالي تقديم ما يترتب على هذه الهدنة من خدمات اقتصادية وأمنية.

ثانياً: الانسداد السياسي:


وهو الانسداد الذي لا يتوقف عند توقف مباحثات أطراف الاقتتال عن تسوية سياسية، بل يشمل معها أزمة كل طرف في تقديم رؤية سياسية لمعالجة الأوضاع المأساوية إنسانياً في نطاق سيطرته العسكرية. بل إنه يشمل تفجر الخلافات العنيفة بين مكونات التحالفات القائمة الآن تحت عنواني: الحوثية والشرعية.
ويجسد هذا الانسداد أيضاً عجز الوصاية الدولية التي يمثلها المبعوث الحالي للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، عن التقدم في اتفاق ستوكهولم، أو الخروج من مأزقه الراهن إلى مقاربات جديدة للحل السياسي للأزمة اليمنية.

ثالثاً: التجاذبات الإقليمية:


ومحور هذه التجاذبات إيران، التي أظهرت حتى الآن قدرة على إدارة الأزمة من خلال قدرتها على تحريك أدواتها في المنطقة العربية عموماً، وفي اليمن تحديداً، باتجاه ثابت على خدمة مناوراتها الدائمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبخاصة عقب العقوبات التي تفرضها واشنطن على إيران.
ربما يكون مبرراً للحوثيين إظهار أنهم في موقع القدرة على المبادرة، لكن التحديات التي تواجه الجماعة في مناطق سيطرتها العسكرية، لا تمتد بها إلى خارج حدودها إلا بالقدر الذي يوفر لها مبررات الاستمرار في استنزاف ثروات اليمنيين تحت غطاء المجهود الحربي.
وإجمالاً، فإن معطيات الواقع الذي سبق حادثة “أرامكو”، وترتب عليها، تفرض على المهتمين بالمأساة اليمنية قراءة أبعاد الاقتتال الأهلي ومسارات التجاذبات الخارجية بموضوعية تستشرف المستقبل البعيد عن وقف عجلة الحرب المدمرة في اليمن، ولليمن فقط.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.