اليمن في مدار السعودية

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

بين جدلية حرب عادلة وعدالة الحرب، يمثل انخراط السعودية في الحرب الأهلية في اليمن، المركز الأساس في النظر إلى الشأن اليمني. وكأن اليمن منتج سعودي، أو قمر اصطناعي يدور في مدار السعودية، وغير قادر على الخروج عن جاذبيتها المالية والجيوسياسية دولياً.
تحتل السعودية مكانة جيوسياسية كبيرة بفضل موقعها الجغرافي، واحتضانها ورعايتها للأماكن المقدسة الإسلامية، ومكانتها الاستراتيجية في اقتصاد عالمي وقوده الحيوي هو النفط. لذا لا يسعف اليمنيين زخم التاريخ ولا أصالة البلد في حسابات المصالح طالما وموانئها خاملة ومعطلة.
ظاهرياً، يزخر اليمن الراهن بالمشاكل المحلية القادرة على تخليق واحتضان الجماعات المهددة للأمن الإقليمي والدولي، بدءاً بتنظيم القاعدة، ووصولاً إلى قدرات الحوثيين على استهداف منابع النفط في المملكة. بينما تتوارى طاقات وأحلام وتطلعات ملايين اليمنيين التواقين إلى السلام والبناء والتعايش والابتكار خارج جلابيب الخلافة أو الإمامة.
للجغرافية حكمها وحتميتها المفرطة بالنسبة لليمن المشبعة بالفقر والمزدحمة بالإفقار، والتي لا تُرى دولياً إلا من ناظور المملكة الفائضة بالنفط. فالنسبة للمتابع العادي لأخبار التلفاز في أوروبا أو أمريكا، لن يستطيع الاهتداء إلى مكان اليمن دون التحديق في مساحة المملكة العربية السعودية. إذ لا يكفي البحر الأحمر للإرشاد على موقع اليمن. وعلى الرغم من الدلالات السحرية لمفردة كصنعاء أو مأرب، إلا أنهما مغلفتان بالغموض اللفظي لدى الأجنبي.
إزاء الصورة النمطية التي تكررها وسائل الإعلام الغربية بخصوص اليمن، باعتبارها بلداً مقسومة بين التشدد السني والشيعي، باعتبارها أرضاً لحروب بالوكالة بين القوى الإقليمية المتنافسة (إيران والسعودية)، باعتبارها البلاد الأصلية لـ”بن لادن”، أو -بصورة مجحفة بحق طبيعة الصراع في اليمن- أرضاً تدور فيها حرب بلد غني ضد بلد فقير، استسلمت النخب السياسية المحلية اليمنية للتفكير بالشأن اليمني، من خلال معادلات الأمن القومي السعودي استهدافاً أو دعماً.
هناك تواطؤات ضمنية أو صريحة بهذا الخصوص. يعمل الحوثيون كأداة سياسية فاعلة وعسكرية غير مباشرة لإيران، ويتجلى ذلك بتبنيهم الهجمات الأخيرة على منشآت النفط شرق السعودية، بينما تحاول أمريكا رمي الاتهامات نحو إيران، قبل اكتمال التحقيقيات. يبدو الحوثي في هذه النقطة مقامراً بحياة شعب بأكمله من اجل إرضاء مركز ولائه الطائفي.
مقابل تواطؤ الحكومة على التجنيد خارج أطرها العسكرية، لحماية الحدود السعودية، والتي آلت إلى هزيمة كتاف القاسية، والإذلال لجنود قليلي الخبرة، وبلا سند.
سياسياً، ينتصر في صفوف القوات الموالية للرئيس هادي، تصور أن الحرب في اليمن هي حرب خطوطها المحددة هي حسابات المملكة وصراعها مع إيران، وأن هذه الحسابات كفيلة بعدم تمرير أية صفقة سياسية تنهي حرب الشرعية، وتمكّن الحوثي سياسياً وعسكرياً. بمعنى أنها حرب من أجل السعودية، وأن الحاجة الملحة هي تأمين المملكة على حساب الوجود اليمني، وعلى السعودية أن تدفع الفاتورة المالية لهذه الحرب إلى جيوب نفر قليل يتاجر بالفناء اليمني.
هيمنة هذا التصور محلياً أو خارجياً، قلصت من هامش اليمنيين في التفكير أو العمل، وجعلتهم مؤطرين بوهم أو حقيقة المصالح الإقليمية أولاً، لدرجة أن تباينهم تجاه القضايا الإقليمية وإرهاصاتها والعلاقات المتأزمة في المحيط الإقليمي، لا يخرج عن حدود المصلحة السعودية وارتباطاتها.
أدت الأزمة الخليجية مع قطر، إلى مزيد من التشظي في الأوساط اليمنية. وسبق أن كان الأمر بنسبة أقل مع تركيا. لكن الحدث الجديد هو العلاقة مع الإمارات. تجرب دولة الإمارات حظوظها في إعادة رسم الخارطة السياسية اليمنية، ولم تستطع الحكومة اتخاذ رد فعل يمليه عليها التزامها الدستوري، وبقيت تنتظر ضوءاً أخضر من المملكة. بينما اكتفت النخب بالقول إن تصرفات الإمارات لم تعد تخدم المملكة، وحذرت المملكة من مغبة التساهل مع الإمارات.
يدور في الوقت الراهن حديث عن رغبة أمريكية في تهدئة الأوضاع في اليمن، في إطار الاستعدادات الأمريكية الانتخابية. سيكون الملف اليمني مشجباً دعائياً للنيل من ترامب، بسبب دعمه للسعودية المنخرطة في الحرب في اليمن، وما نتج عن هذه الحرب من أزمة إنسانية غير مسبوقة. تدرك الإدارة الأمريكية هذا الأمر، وقد سارعت إلى الحديث عن تخفيض تصعيد، وتسريب حديث عن صفقة سلام شامل.
تحول الحرب في اليمن، بكل ما تتضمنه من ويلات ودمار ونكوص عن التنمية، إلى ورقة انتخابية، ينتقص من الأطر القانونية لهذه الحرب من وجهة نظر الحكومة التي تصارع من أجل استعادة الدولة من “الانقلابيين”، ويقوض مسار السلام الأممي القائم على مرجعيات ومحددات نابعة من سياق تاريخي لتطور الأحداث، والرعاية الأممية والقرارات المصاحبة. وهو ترويج لسلام في وسائل الإعلام فقط، ولمجرد اجتياز عقبة الانتخابات الأمريكية، ثم العودة إلى حمامات الدم وتجارة الحرب.
الحوثيون غير معنيين بالصراع الديمقراطي في الغرب، إلا في ما يخدم الغايات الإيرانية في هذا الجانب. لقد بادروا عقب تبنيهم الهجمات على المنشآت النفطية، إلى إعلان تخفيض التصعيد ضد السعودية. تزامن ذلك مع ذهاب الرئيس الإيراني -رئيس بلاد تعاني عقوبات قاسية، وهي قلب التوترات الجالية، ونذير حرب كبرى في الممرات المائية- إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ذهب إلى العالم ولديه وجه بشوش، وبشرى تخفيض التصعيد، وبمجرد ما انتهت زيارته، عاد الحوثيون يتحدثون عن أسرى سعوديين، واغتنام آليات سعودية.
تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية الضغط على السعودية التي ستجد تفاهماً ومبادرة من طرف الحكومة اليمنية. لكن من يمكنه الضغط على الحوثيين لإنجاز سلام مسلوق في اليمن؟ اليمن بحاجة إلى سلام لا يكتفي بوقف المواجهات دون أفق سياسي، ولكن سلام بعدالة انتقالية، تعالج أسباب الحروب، وتمهد لمستقبل وشراكة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.