عاصفة شرق أوسطية تفرض معطياتها

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin


يمكن لحوارات مسقط بين الحوثيين والسعودية، أن تكون مدخلاً لحدوث تسوية في اليمن بضمانات دولية. مع هذا، تبقى الحرب الجزء غير الممكن كتابة خاتمته في أي أفق يمني. ولعل ذلك يقود إلى صيغة مختلفة من الحرب يستعد لها طرفا النزاع؛ الاستعداد لمرحلة جديدة من الحرب والسلام؛ حرب جزئية وسلام جزئي.
في حال نجحت المساعي الأمريكية والدولية إلى تفاهم بين الحوثيين والسعودية، فإن الحوثي يضع في حسبانه خصومه المحليين المدعومين من التحالف. ويطرح الحوثيون على طاولة الاتفاق في حوار غير معلن يجمعه بوفد سعودي في مسقط، التوقف عن استهداف السعودية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مقابل إيقاف الهجمات بالطيران.

تقف اليمن على رواسب من التناقضات، فرضت شكلاً عصبوياً للحكم، ومع ظهور ملامح طفيفة لتشكل دولة حديثة، ظلت مرتبطة بأشكال عصبوية. وهنا تقف إشكالية التوصل إلى ملامح وطنية راسخة، فتضيق نصوصها الافتراضية، وسط حواجز من العصبويات المتقنة حتى في الأنماط السياسية. فتأخذ منحى دينياً أو قبلياً أو مناطقياً.


وتشكل ورقة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بالنسبة للحوثيين، ورقة ضغط، خصوصاً بعد استهداف منشآت حيوية. لكن هناك مخاوف من أن تعود الأزمة في حرب اليمن إلى الداخل، خصوصاً إذا لم تحقق أهدافها. ومن المتوقع أن تستمر في دعم حلفائها المحليين. فالسؤال يتعلق بالوضع الحالي الذي تجزأت فيه السيطرة بين كيانات مختلفة ومتناقضة. وما هي إمكانية التوفيق بين تلك الكيانات التي ترى في نفسها أحقية الانفراد بالحكم؟ فأي مسار سياسي يمكن من خلاله تطبيع الأوضاع في اليمن، يتطلب تنازلات من جميع الأطراف. لكن ما مدى استعداد كل طرف؟
إذا نتج عن حوار مسقط صيغة تطبيع بين السعودية والحوثيين، يمكن للمعارك أن تأخذ مجرى مختلفاً بالنسبة للحوثيين، مع خروج الطيران من أية معادلة في المواجهات. أي أن المعركة ستتخذ منحى يمنياً بحتاً، دون تدخل مباشر للتحالف، والسؤال: هل تستطيع الرياض ردم الصدع بين حلفائها في اليمن؟
وتشكل انسحابات الإمارات الجزئية من عدن والساحل الغربي، صورة انطباعية عن إحلال سعودي في الحيز الذي شغلته الإمارات، طيلة الفترة السابقة، في الجنوب والساحل.


وتحاول السعودية دفع الحوار في جدة بين الحكومة المدعومة منها والمجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات. وعلى الأرجح ستعود الحكومة إلى عدن. غير أن هناك خلافاً سعودياً إماراتياً واضحاً، حول الأولويات، إذ ترى أبوظبي أن تحجيم الإخوان، ويمثلهم حزب الإصلاح، أولوية، بينما أولوية الرياض هي الحوثي، فحضورهم العسكري يشكل أرقاً سياسياً على حدودها الجنوبية.
غير أن الإمارات تثير شكوكاً حول نواياها، وتحديداً مع سحب جزء كبير من عتادها وقواتها المتواجدة في قاعدة العند والساحل الغربي. إضافة إلى دفع ألوية العمالقة للانسحاب من الساحل الغربي، وإحلال مكانها 5 ألوية تابعة لطارق محمد عبدالله صالح. وفي هذا السياق، تضع حدوداً لتواجد الحكومة.
سبق للإمارات وأعلنت انسحابها من اليمن، وتبعته إعادة انتشار لقواتها، في إجراء تكتيكي من أجل سيطرة المجلس الانتقالي على عدن. وهو ما يطرح السؤال: إلى ماذا ترمي الإمارات من تلك الانسحابات؟ هل ستفرض شكلاً عسكرياً في عدن والساحل، بحيث تتخفف عن الإدانات التي تلاحقها؟
على أن الصورة ملبدة بتناقضات ومسارات متشابكة، وأي عناق سياسي مجرد إجراء شكلي أو صيغة مناورة لفرض مواجهة. وتبدو اليمن مثل أرض رخوة، قابلة لتحريك الرقع، وهو ما يظل طموحاً لدى كل فصيل مسلح. هناك دائماً قابلية للمناورة، أو إمكانية لحسم معارك جزئية، ستظل هدفاً يراود طموح الأطراف المسلحة. والأكثر رسوخاً، هي تلك الحدود القابلة للتغير، فالجميع يحاول تثبيت أقدامه في مساحة لحماية مركز تواجده. وهو ما يجعل الحوثيين يستميتون لإبقاء سيطرتهم على الحديدة.
غير أن الحدود التي تفصل الحوثيين عن القوات المدعومة من التحالف العربي، تبقى حدوداً مفتعلة وغير قابلة للثبات. وهذا البعد الجغرافي بحد ذاته هو المحرك الفعلي للحرب، والعامل الأقوى من أية صيغ رسمية. بل هو الصيغة الأكثر تعقيداً في الواقع السياسي لليمن، ويفرض عليها ألا تشهد وحدة راسخة أو بقاء ثابت بمعزل عن الصراعات.
تقف اليمن على رواسب من التناقضات، فرضت شكلاً عصبوياً للحكم، ومع ظهور ملامح طفيفة لتشكل دولة حديثة، ظلت مرتبطة بأشكال عصبوية. وهنا تقف إشكالية التوصل إلى ملامح وطنية راسخة، فتضيق نصوصها الافتراضية، وسط حواجز من العصبويات المتقنة حتى في الأنماط السياسية. فتأخذ منحى دينياً أو قبلياً أو مناطقياً. ومع تفسخ عصبوية بعينها، يتم احتواؤها بأخرى، كما حدث في صنعاء مع تصدع الصيغة القبلية في التحالفات الرئيسية، تخفت وراء أشكال دينية، وربما طائفية. وهذا ما يجعل المشكلة اليمنية غير قابلة للحل دون رؤية محلية.
لكن الواقع لم يدفع أي مسار سياسي ناضج، يفهم تلك الحدود الركيكة في الواقع السياسي اليمني، ليرمي كل طرف بنفسه كمرجع ثابت لطموحه السياسي. إنها مسألة عالقة في فراغ السلطة، أو وضعيتها كمغنم تحطمت حوله روابط احتكار طبقة محدودة. ما حدث أن الصراع على السلطة انتقل من أعلى الهرم إلى قاعه. وتفككت السلطة وتوزعت إلى دوائر أضيق غذت طموح جماعات محلية، وفتحت الباب لقوى إقليمية ودولية لفرض تدخلاتها، واللعب على تلك التناقضات.
وكما فشلت المساعي للتوصل إلى حل بفك الحصار عن تعز، وفتح طريق الحوبان، بمعارك ضارية. أتوقع أن تنتهي حوارات مسقط غير المعلن عنها، إلى تصعيد عسكري خطير. وبصرف النظر عن التعقيد الذي تجده الرياض في ملف اليمن، فالواضح أنها لن تقبل بأن تكون اليمن محل تقاسم إقليمي معها. بل إن النظر إلى ما يحدث يطرح أيضاً مخاطر إقليمية تدفع طبول الحرب، وإن لم تفضِ إلى حرب إقليمية مباشرة، لكنها تأخذ شكلها المتصاعد في حروب لتحديد خارطة النفوذ في المنطقة.
وهناك مجموعة رؤى مختلفة لتحقيق سلام في اليمن، لكنها في أفضل الأحوال، حلول ترقيعية، أو مؤقتة، ومهددة بالانهيار عند أول اختراق. وما يمكن حدوثه ليس أكثر من تجزئة الحرب، ودفعها على مراحل، لكن ما سيشكل عبئاً على السعودية، هو خروج الحوثي بانتصار معنوي. كما أن الخروج من اليمن يمكن أن يدفعها إلى التقوقع في الداخل بمشاكل وأعباء ما بعد الحرب.
يتضح أنه لا يوجد طرف قابل بحل أو تنازل أو صيغة تقارب، كما لو أن الأرض هي التي تتحرك. وكل طرف مدفوع بأسبابه لحماية مكاسبه السياسية والعسكرية عبر التقدم في الأرض، أو إنجاز أهداف معينة وثابتة. فالكل سيظل يصعد، وفي كل الأحوال تبقى نصف معركة أكثر كلفة بكثير من معركة كاملة بالنسبة للرياض، ونصف سلام هو أكثر من حرب. وما تحتاجه اليمن هو الانتقال في المعركة خارج توصيات القرون الوسطى، وحل مشكلة السلطة السياسية دون تقييدها بتفاصيل ثانوية. فأي مسار سياسي ينبغي أن يركز على نقاط محدودة للتوافق على شكل السلطة، ودون صيغة محاصصات مُلزمة دستورياً. ما لم تكن توافقات مؤقتة. لكن هل سيقبل الواقع بذلك، سواء في الداخل أو الحالة الإقليمية؟ إنها مشكلة متشابكة ومعقدة، فكل حركة تثير أخرى في مكان وزمان غير متوقعين، هذا بالنسبة لوضع الشرق الأوسط. واليمن متأثرة بعوامل محيطة، كما يمكن أن تنتقل إلى أخرى. والجميع يندفع لتجميد الحركة، أو نقلها بالطريقة التي تتفق مع مصالحه. لكن ما يجري في العراق من مناهضات للتدخل الإيراني، وإن انتهت بإجهاضها، تطرح علامات على الطريق، بأن المنطقة مليئة بالمفاجآت، ولا يمكن أن تثبت على حال. وعلى الجميع التهيؤ للمتغيرات، وتقديم تنازلاته قبل أن تدفعه العاصفة خارج المكان والزمان المتغيرين.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.