اتفاقية تحد من الصراع أم تؤجله؟

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

بشكل أو بآخر، تجسد اتفاقية جدة المُرتقب الإعلان عنها رسمياً، وثيقة سياسية تعيد تنظيم العلاقة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

يبقى الاتفاق أمراً إيجابياً، لكن علينا أن نثير التساؤلات حول مدى التزام طرفي النزاع، والضمانات القائمة. هل ستكون مجرد ترقيع وترحيل لمشكلة وأيضاً تعميقها، أم أنها بأية حال من الأحوال، مجرد اتفاقية تعطي التحالف ذريعة طويلة للتواجد العسكري والسياسي في اليمن؟

ثمة عادة يمنية، عند حدوث اتفاق سياسي، سرعان ما ينتهي بالتفاف عليه. ثم إن الأزمة والحرب خلقتا أسوأ نخبة سياسية في اليمن، كل اهتمامها الحفاظ على مصالحها، وعند كل اتفاقية تراعي تلك المصالح. وهو ما سينعكس على آلية تنفيذ اتفاقية تبدو إيجابية بصرف النظر عن سلبياتها، فإنها يمكن أن تكون بداية لصفحة سياسية جديدة، يمكن التأسيس عليها، وتجاوز أية سلبية خلال مرحلة انتقالية.

بالعودة إلى بنود الاتفاقية، هناك نص يتحدث عن توحيد الجهود من أجل إعادة الأمن والاستقرار في اليمن، ومواجهة التنظيمات الإرهابية. إضافة إلى أنه سيتعين على الحكومة إشراك المجلس الانتقالي في “مشاورات الحل السياسي لإنهاء انقلاب الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني”. وهذا ما يثير تساؤلاً حول ما إن كانت الاتفاقية مع المجلس الانتقالي، تمهيداً لاتفاقية تشمل الحوثيين.

من الناحية العسكرية والأمنية، تتضمن الاتفاقية دمج التشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي، تحت وزارة الدفاع، وكذلك القوات الأمنية ضمن وزارة الداخلية. لكن هذا الدمج سينحصر فقط في كشوفات الرواتب، بينما ستظل تلك التشكيلات حاضرة في ولاء متعارض يتبع أطرافاً معينة، وهي الصيغة التي فرضت نفسها على طبيعة الحضور العسكري والأمني التابع للحكومة، إذ تتبع أطرافاً سياسية أو سلفية. والسؤال إن كان سيشمل هذا الدمج الألوية التابعة لطارق محمد عبدالله صالح، أو أنها مسألة مُرحلة إلى أزمات قادمة تنتظر الوضع السياسي في اليمن.

(والسؤال إن كان سيشمل هذا الدمج الألوية التابعة لطارق محمد عبدالله صالح، أو أنها مسألة مُرحلة إلى أزمات قادمة تنتظر الوضع السياسي في اليمن. )

عدا أن المضامين المُتفق عليها لا تبني على تعميق القواسم المشتركة، أي أن تفترض حضور سلطة سياسية تكفل للجميع حق المشاركة السياسية والتعبير عن رأي. إنما تغوص في تفاصيل متشعبة وجانبية تشوش المسار السياسي.

كما أن هناك شكوكاً حول أن تمضي العلاقة بين الحكومة والمجلس، بصورة طبيعية، ودون التباس ومماحكات. إذ إن بقاء الطرفين دون اندلاع مواجهات، يضمنه التواجد العسكري للتحالف. وكل الإجراءات سيتم تنفيذها تحت إشراف كامل للتحالف. وبعيداً عن طبيعة التحولات السياسية التي ستنشأ من خلالها صورة للمجلس كطرف فاعل في أي اتفاق قادم، فإن التحالف يبني مشروعية تواجده العسكري والسياسي في اليمن، على مجموعة أزمات، إحداها التعارض بين الحكومة والمجلس الانتقالي الذي يطالب بانفصال الجنوب. أي بقائه كضامن لاستمرار السلام.

في سياق مماثل، سبق للنظام السوري فرض تواجده العسكري في لبنان، كضامن لعدم استئناف المواجهات العسكرية بين الطوائف اللبنانية. بينما كرست اتفاقية الطائف بين الأطراف اللبنانية، على فرض شكل سياسي طائفي قائم على المحاصصة، وشرعتها، بل عمقتها، وهي الملامح الحاضرة اليوم على الواقع السياسي اللبناني. ذلك ما تتبناه اليوم السعودية والإمارات من جهة في فرض ملامح سياسية يشترط حضورهما المستمر، مع إضفاء سمة محاصصة سياسية تحت ثنائية شمال – جنوب.

التركيبة السياسية للانضواء تحت مضامين المحاصصة، ستختزل المصالح العامة الواسعة والمتشعبة إلى ترتيبات فوقية تقوم على أساس هش يضمن مصالح نخب صغيرة العدد على حساب أكثرية.

وهذا الشكل من المحاصصة لا يمكن التعويل عليه كحل سياسي أو اقتصادي، بل على العكس يفتح أبواب الفساد تحت ضمانات مناطقية. فالتحيزات السياسية تفرض نفسها ضمن مُشرع اسمه المحاصصة، ولا يمكن تجاوزه دون تعبئة أزمة سياسية جديدة. لكن إشكاليته تتعمق في بنية الوعي المجتمعي، الذي يتخندق تحت تلك الإملاءات. في السابق، كان هناك شكل طفيف من المحاصصة المُتضامن حولها، دون تشريع يتبناه، مع هيمنة كاملة لطرف سياسي. فلا بأس أن تذهب الحقائب الوزارية أو المناصب لكفاءات ذات أغلبية جنوبية أو شمالية، مادامت تعمل لمصلحة الكيان السياسي المنضوية تحته.

لعل التركيبة السياسية للانضواء تحت مضامين المحاصصة، ستختزل المصالح العامة الواسعة والمتشعبة إلى ترتيبات فوقية تقوم على أساس هش يضمن مصالح نخب صغيرة العدد على حساب أكثرية. وصيغة كتلك لن تضمن حلاً سواء لقضية وطنية أو جنوبية، بل على العكس ستؤسس لفوضى، وستفتح أبواب الفساد تحت تلك الترتيبات المناطقية.

كما أنه لن يحد من الصراعات، بل سيعيد ترتيبها في سياق تبعية للتحالف الذي يؤمن ضمانته للوضع في الجنوب. فالترتيبات العسكرية، بحسب الاتفاقية، تفترض نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى داخل معسكرات في عدن، ولن يُسمح بخروجها إلا وفق “خطط معتمدة، وتحت إشراف مباشر من قيادة التحالف”.

أي وفق ما يراه  التحالف في مسار المعارك مع الحوثيين أو عدمها. وبالتالي ستتم إعادة تدوير الأسلحة لهذا الطرف أو ذاك، وفق حسابات التحالف.

(من الصعب ضمانة أن يلتزم الطرفان بتسليم جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. وهذا سيجعل الحكومة منزوعة الأنياب، عدا اللواء الأول حماية رئاسية، الذي سيتكفل بحماية الحكومة. وربما يكون هناك أمر مماثل للمجلس الانتقالي)

على صعيد آخر، من الصعب ضمانة أن يلتزم الطرفان بتسليم جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. وهذا سيجعل الحكومة منزوعة الأنياب، عدا اللواء الأول حماية رئاسية، الذي سيتكفل بحماية الحكومة. وربما يكون هناك أمر مماثل للمجلس الانتقالي، مع أن الاتفاقية لم تشر له، وتحدثت عن مسؤوليتها في حمايتهم.

وبحسب التجارب السياسية السابقة، فإن الاتفاقيات السياسية اليمنية هي إعادة تدوير للمشكلة تتأسس على المحاصصة، وعلى المعارك الجانبية، لتفرض أعباءها على المسارين السياسي والاقتصادي. ووفقاً لذلك، تبقى دائماً معركة مؤجلة. إذ إن نجاح الاتفاقية السياسية ليس في التوقيع على الورق، بل في إيجاد بنية صلبة لتوافقات حقيقية تضمن حماية الشكل السياسي الضامن لأي ملامح استقرار.

 فالعملية السياسية في اليمن بحاجة إلى مرونة تساعد في دفعها قُدماً، وليس مجموعة فخاخ ومُثبطات تعيقها. وإذا تحدثنا عن المجلس الانتقالي، وطبيعة الخطاب، فإن احتفاءه بالاتفاقية على لسان الناطق الرسمي له: بأنها خطوة استراتيجية نحو استقلال الجنوب، تبقي المشكلة كما هي.

(أسهمت هشاشة القيادة السياسية اليمنية المتواجدة في الرياض، في تأسيس ميوعة سياسية أدت بدورها إلى تكييف الأزمات في صراعات وتوافقات لا تبني حلاً سياسياً، بقدر أنها تُرحل أزمة وتعمقها.)

وفي السياق العام، أسهمت هشاشة القيادة السياسية اليمنية المتواجدة في الرياض، في تأسيس ميوعة سياسية أدت بدورها إلى تكييف الأزمات في صراعات وتوافقات لا تبني حلاً سياسياً، بقدر أنها تُرحل أزمة وتعمقها. والمفزع أن تكون الأزمة الراهنة مجرد صورة لتكييف حل سياسي شامل يقوم على محاصصة وكانتونات تهيمن عليها أطراف سياسية تحت قيادة حكومة مستلبة. فهذا الشكل يلقي أية حكومة لابتزاز أطراف متعارضة، ويمنع عنها الانسجام الذي يتطلبه أداة حكومة طبيعية.

لعل المشكلة في الوعي السياسي الذي لا يعمل على التركيز في المسائل الجوهرية لمشكلة السلطة السياسية، ويلعب على تثبيطها في تفاصيل تضمن مصالح نخبة صغيرة.

مع هذا، يبقى الاتفاق خطوة إيجابية، إذا أسس لمرحلة انتقالية تشكل نواة لما سيؤول إليه الواقع اليمني. وتحد من التدخلات في دعم مليشيات، والسؤال: هل من الممكن دمج القوة العسكرية والأمنية؟ فأحد البنود يؤكد أهمية ضمانة المواطنة اليمنية، ونبذ الممارسات المناطقية. علينا أن ننظر للجانب الإيجابي أيضاً.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.