اتفاق الرياض .. العكاز الاخير

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

جاء اتفاق الرياض بين الحكومة والمجلس الانتقالي، في لحظة أربكت الجميع. يتوق اليمنيون إلى السلام، وقد أنهكتهم الحرب، واستنزفت مدخراتهم وأرواحهم، عدا نفر قليل مستفيد من هذه الحرب، ووجدها تجارة رابحة، وهؤلاء هم الشاذ الذي لا حكم له. لكن الاتفاق بعد أن تسربت نسخ عديدة أولية منه، أربك اليمنيين، وحال دون تشكيل رؤية واضحة أو إحساس خالص؛ تفاؤل كامل أو تشاؤم كلي.
يبرهن الاتفاق في حالته الراهنة، على القدرة الإقليمية في رسم المشهد اليمني، مقابل العجز الأممي في الدفع قدماً بالسلام في اليمن.
السلام كلمة ساحرة، على الدوام، هي أكثر سحرية عند من عايش الحرب وويلاتها، وبلغ به اليأس الكثير. ومع مرور الوقت تتبدل الأهداف والغايات، وتتغير أسقف طموح الناس، خصوصاً عندما تطغى الخيبة على كل شيء.
لا يمكن للفرد أن يتخذ موقفاً معيارياً من الاتفاق؛ لأسباب كثيرة، منها أن الاتفاق في غايته يهدف إلى معالجة أزمة حادة في صف الشرعية، أو لنقل في النصف غير الخاضع لسلطة الحوثيين. بينما أصل المشكل اليمني هو النصف الآخر. ربما كانت هذه الأزمة الطارئة هي السبب الأول في عدم إحراز أي تقدم في ملف الحرب أو السلام على السواء، لارتباطهما ببعض، وسبب في اهتراء الشرعية. ومع أن الاتفاق يرجع الأمور إلى تصرف التحالف، فلا يمكن المزايدة الآن حول سيادة القرار الحكومي داخل البلاد، بينما أهم مؤسسات الدولة خارج البلاد، وفي حالة منفى مبهم.
تنفيذ الحد الأدنى من الاتفاق الخاص بإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية والعسكرية، والتخلص من المليشيات والجماعات المسلحة خارج الدولة، هو تفعيل للكمون السيادي وإعادة بناء أركانه الأولية. كما أن عودة الحياة، وإعلاء شأن البنك المرزي، والعودة إلى ميزانية، تعني تفعيل دولاب الدولة.
الحالة العائمة التي مضت البلاد عليها منذ 2015، خصوصاً في المناطق التي استعيدت من قبضة الحوثيين، حالت دون المساءلة بالتالي دون رفع مستوى الأداء. وكان المواطن بين غياب الدولة ونيران الحرب دون سبيل إلى تغير هذا الواقع.
ومن زاوية واقعية بحتة، لملمة الجمهورية في وعاء معقول أفضل من فقدانها بالمرة. لقد كنا على وشك فقدان الجمهورية التي عرفناها. وفقدانها ربما إلى فترة طويلة. لكن لملمة صفوف قوى الجمهورية تحت عباءة الشرعية، تعني إعادة رسم مسار استعادة الدولة التي افترسها الحوثي وصالح في 2014. وربما تمكين الشروع في حل سياسي انطلاقاً من أرضية الممكن والمتاح.
في كل صراع، يتواجد في قلبه تصور لكل طرف حول نفسه وحول الآخرين. هذا التصور هو خليط واقعي ومتخيل من حقائق تاريخية وتصورات ذهنية وحالة نفسية. الكراهية هي نتيجة نفسية. وإذا تمكن اتفاق الرياض من تخفيف حدة الاحتقان والضغينة والحقد والثأر والكراهية، وإعادة دفء الود بين المتخاصمين، فهذا جيد في صفوف حكومة هادي، فإننا نكون قد قطعنا نصف مشوار بناء السلام في اليمن.
لقد تم النظر إلى القضية الجنوبي بطريقة آلية صرفية وجامدة، دون النظر في التصورات التي رافقت نشوء هذه القضية. البعد الفني لا يكفي لفهم هذا الإشكال. منذ سنوات والقضية الجنوبية تتغذى من خطاب كراهية. هذه تغذية مغلوطة بالتأكيد، لكنها قضت على الجوهر الأخلاقي للقضية الجنوبية التي تستمد شرعيتها من المظلومية، من الحق القانوني والأخلاقي، من مفاهيم سياسية كالشراكة والمواطنة المتساوية والحقوق الجوهرية. لكن جرى مع الوقت عملية جوهرانية للآخر، وهذا اختزل الصراع إلى كراهية. هناك بند في الاتفاق خاص بمعالجة هذه النقطة، وهو بالفعل ما أرجو الالتزام به. بعدها يمكن العودة إلى مربع السياسة على أسس عقلانية وأهداف وطموحات مرشَّدة.
علينا ألا نتجاهل العامل الرئيس الذي قاد إلى صياغة وتوقيع هذا الاتفاق. إنها معركة شبوة. ربما تصلح هذه المعركة الخاطفة لتقديم درس في كيفية الوصول إلى اتفاق سلام شامل يخرج من رحم الاقتتال.
لقد جاء الاتفاق في لحظة واليمنيون فاقدون الثقة بأنفسهم، وأحاسيس الشك والريبة تغلب على صدق النوايا، أو من ضبط العبارات في الاتفاق. وهذا الإحساس يجعل الفشل في الاتفاق أمراً غر خطير من الناحية العاطفية، لكنه يجعل النجاح ذا أهمية أكبر وجاذبية ملموسة تؤسس لمرحلة لاحقة، كما أنه يعالج ما ترسب من مشاعر تذمر عام تجاه تلكؤ التحالف في معالجة اختلالات رئيسة في عدن، وانتقاص من السلطة الشرعية في اليمن.
يبدو أن الاتفاق هو نجاح خاص بالمملكة العربية السعودية، وتأكيد على قدرتها الدبلوماسية في إدارة تناقضات الشأن اليمني، وفاعليتها في جمع الفواعل اليمنيين رغم اختلاف مشاربهم أو وجهاتهم الجغرافية. تثبت المملكة أنها أكثر فاعلية في الجنوب أيضاً. لقد انتقلت المملكة من وضعية المنخرط حربياً وطرف في الحرب في اليمن، إلى الوسيط الدبلوماسي. وهذا سيغير كثيراً من صورتها في الخارج.
فضلاً عن أن الاتفاق يعالج مشكلة تقنين التدخل العسكري في اليمن. ها هو التحالف ينال تفويضاً عملياتياً للتدخل من خلال اتفاق محلي. بينما كان التدخل يرتكز في السابق على رسالة طلب من الرئيس، دون الدخول في تفاصيل التدخل، ومكانة الحكومة الشرعية من هذا العمل العسكري.
لست بصدد الخوض في مضمون الاتفاق. فهو ككل الاتفاقات يعتمد تنفيذها على صرامة الراعي للاتفاقات، والضمانات المطلوبة، وقبل هذا الأرضية التي مهدت للوصول إلى هذا العقد، وبالطبع ميزان القوى بين طرفي الاتفاق. سأكتفي بالإشارة إلى أن الاتفاق يتضمن أبعاداً فنية متعددة، وهي محاولة لمعالجة شاملة لملف معقد تراكمت أثقاله، وكاد أن يخرج من يد المملكة، ويغري أطرافاً دولية أخرى إلى أن تضع يدها. إلا أن لي ملاحظة سريعة، وهي أن التزمين يبدو أكثر نقاط الهشاشة في الاتفاق، لكنه في كل الأحوال دافع ضغط ومعيار للتقييم.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.