اتفاقية الرياض ووهم الحل

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

بعد مخاض عسير استمر أكثر من شهرين، وضغوط تفوح منها روائح الإكراه والإرغام، وقعت اتفاقية الرياض بين ممثل عن الشرعية، وممثل عن قائد “الانتقالي”. الاحتفال كان باهتاً ومسلوقاً، غاب عنه الحضور الدولي. الكلمة الوحيدة لمحمد بن سلمان، بشرت بحل سياسي شامل، كشاهد على التراجع عن خيار الحسم العسكري، وفشل كل شعارات الحرب الزائفة. بنود الاتفاقية المسربة قبلاً، بحاجة إلى قراءة مستقلة؛ لعل أخطر ما فيها أنها تضع الشرعية و”الانتقالي” كندين يتقاسمان السلطة والأرض والقرار، وتفرض وصاية سعودية.
حرب الأعوام الـ5 في اليمن، والتي أريد لها وأد ثورة الربيع العربي في اليمن، قد خابت بانبجاسها الجديد، ورياحها الشديدة العاتية في الجزائر ولبنان والعراق، بعد انتصارها في تونس والسودان، وهذا لا يهدد إيران وحدها، وإنما يطال دول التحالف الممولة للحرب والوارطة فيها.
الاتفاقية أكدت استمرار الحضور القوي للإمارات العربية، وامتداد مليشياتها وأحزمتها ونخبها، وأن السعودية هي الواجهة السياسية. الهيمنة السعودية والوجود الإماراتي مرهونان باستمرار التوتر والصراع، ليس فقط بين الجنوب والشمال، وإنما أيضاً بين الجنوب والجنوب، والشمال والشمال.
واهم من يعتقد أن هدف السعودية القضاء على “الانتقالي”، أو الإضرار بوجود الإمارات. وواهم أيضاً من يعتقد أن الإمارات تهدف إلى إزاحة الشرعية من المشهد في الجنوب، وبالأخص في أبين وشبوة؛ فالطرفان: السعودي، والإماراتي، حريصان على بقاء الشرعية و”الانتقالي” موجودين ومتصادمين، وموزعي الولاء والمناطق. وواهم أكثر من يتوهم أن السعودية والإمارات بصدد عودة الشرعية إلى اليمن، أو الانتصار للمرجعيات الثلاث، أو الانتصار لوحدة اليمن، أو قيام دولة يمنية؛ فحرب السعودية ضد اليمن منذ 34، لا هدف لها إلا إضعاف الدولة اليمنية ومحاصرتها وفرض تبعيتها.
الصراع الإقليمي في اليمن، المدعوم دولياً، هدفه الأساس السيطرة على اليمن، ونهب جزرها وموانئها وثرواتها، وهو يعتمد على أسلوب توازن الضعف، واستمرار الصراع لاستمرار التفكك، وألا ينتصر طرف على طرف؛ فهو لا يريد انتصار أنصار الله، بالقدر الذي لا يريد انتصار الجنوب أو توحده. تلجيم القوى وتحجيمها في غير جبهة موالية، وحتى توجيه الضربات لها إذا لزم الأمر، كما حدث في العبر بداية الحرب، مع وحدات أحمد يحيى الأبارة، أو قوات عادل القميري المتقدمة في حرض وميدي، وضرب القوات المتقدمة في نهم، وتوجيه العديد من الضربات الجوية التي طالت قوات تابعة للشرعية حين تجاوزت الخطوط الحمراء… شاهد على ذلك، وكما تشهد بذلك الوقائع، ويؤكد أكثر من قائد عسكري. في المقابل، تتعامل إيران مع جبهة اليمن كورقة تكتيكية؛ لتحسين شروط التفاوض مع أمريكا، وفك الحصار عنها؛ ولتحقيق الضغط على جبهة العراق وسوريا ولبنان.
السياسيون اليمنيون، والقادة العسكريون، وزعماء المليشيات اليمنية، سيكونون واهمين جداً لو راهنوا على حسم عسكري، سواء بين الشرعية وأنصار الله، أو بين “الانتقالي” والشرعية؛ فالحرب الأهلية لا تتيح مثل هذا الانتصار المزعوم، ثم إن الصراع الإقليمي يستخدم الحرب لغايات ليس من بينها الانتصار لأي طرف، وهو لا يريد للمرجعيات الثلاث أن تتحقق؛ فمصالحه متصادمة من الألف إلى الياء معها، ثم إن أي حل جزئي لا يأخذ البعد الوطني بالاعتبار، مآله الفشل.
لا ينبغي الاغترار بدعاوى الأطراف المتحاربة الأهلية أو الإقليمية؛ فدعاوى حماية السيادة والاستقلال لدى الحوثيين، كدعاوى الحفاظ على المرجعيات الثلاث، وعودة الشرعية لدى دول التحالف، وهي كلها زائفة ومضللة؛ فالأطراف الأهلية هدفها الانفراد بالسلطة، واستمرار الحرب، والتكسب منها.
هناك رفض وتململ شعبي ووطني ضد الحرب والتدخل الأجنبي؛ فالغضب في صنعاء، ومناطق سيطرة الحوثيين (أنصار الله)، في تصاعد في الشوارع والأماكن العامة ومجالس القات؛ والانتقادات المتزايدة لها ما بعدها، وتشهد المناطق “المحررة” بداية احتجاجات وتصارع مكشوف بين المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات، وبين الشرعية الواقعة في قبضة الأمراء السعوديين، ويواجه الوجود الإماراتي- السعودي بداية احتجاجات في سقطرى والمهرة وتعز؛ فالصراع الذي دار بين “الانتقالي” والشرعية، والحوارات التي دارت في جدة لما يقرب من شهرين، وتوجت باتفاقية الرياض، كانت في جوهرها اتفاقية بين الحليفين السعودي والإماراتي، أكثر من كونها اتفاقاً بين الشرعية و”الانتقالي”، وهو أقرب ما يكون لتقسيم واقتسام الجنوب منها إلى مصالحة جنوبية- جنوبية، وربما كانت الاتفاقية تحضر للقاء واتفاق يمتد إلى ما هو أبعد؛ فالحوارات المكتومة بين الأطراف الإقليمية، وبين السعودية وأنصار الله، تؤكد ذلك. المأساة أن اليمنيين، سواء في الشمال أو الجنوب، يلعبون دور “الكومبارس” في التفاوض، كما كانوا بيادق في الحرب الأهلية؛ فالصراع الإقليمي كان هو الأساس، وهو المقرر والحاسم في رسم مصير اليمنيين، وتحديد مستقبل بلادهم، وتوجيه خياراتهم.
الاعتراف بـ”الانتقالي” كممثل شرعي ووحيد للجنوب، لن تقبل به أطراف ومناطق لها وزنها وتأثيرها، كحضرموت وأبين وشبوة؛ فالاتفاق لا يضمد الجراح، وقد ينكؤها، ويسهم في المزيد من التفكك والصراع.
اليمن بحاجة إلى اتفاق شامل، وإلى مصالحة وطنية ومجتمعية تضع حداً للحروب المتناسلة والمستدامة، وتؤسس لقبول الجميع بالجميع بدلاً من حرب الكل ضد الكل، وأي حلول أو اتفاقات يقصد بها تغلب طرف على طرف، أو طرفين أو أكثر ضد مناطق أو أطراف أخرى، لن يكون مصيرها إلا مصير الحرب نفسها، وكما فشلت الحرب الأهلية والإقليمية المدعومة دولياً، ستفشل الاتفاقات المغشوشة الهادفة إلى استمرا ر الصراع في اليمن وتفكيكه وتمزيق نسيجه المجتمعي. والسؤال المؤرق: هل تؤشر الاتفاقية إلى توجه لحل سياسي للحرب، أم لاستمرار الحرب؟

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.