لا تسافر.. و لو منحوك الذهب!

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

ما يحدث لليمنيين هو استثناء كبير وعلامة فارقة ومؤثرة في سجل الانتهاكات الإنسانية، كأن الحرب التي لم تحرق وتؤذِ أحداً غير المدنيين، ليست كافية، بل هناك المزيد من الألم الذي ينتظرهم في مطارات هذا العالم.
في أواخر نوفمبر 2017م، كنت على متن طائرة متجهة من عدن إلى الأردن، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أغادر فيها اليمن.
قبل أن تهبط الطائرة، سألتني رفيقة الرحلة إن كانت هذه المرة الأولى التي أزور فيها عمان بعد اندلاع الحرب؟ وحين أجبتها بنعم، وضحت لي سبب سؤالها، وطلبت مني ترك أي مأكولات أو علب معدنية في الطائرة.
قالت لي إننا (اليمنيين) سندخل من بوابة منفصلة، وإن من سيقومون بتنظيم سيرنا وفحص أوراقنا، يضعون كمامات على وجوهم، وإن أي مأكولات أو مشروبات ممنوعة من الدخول، حتى وإن كانت مغلقة بإحكام. قالت لي إنها في أول مرة تعرضت لهذا الموقف، بكت كثيراً، وكان هذا حال أغلب اليمنيين الذين كانوا معها على الطائرة.
كان من الجيد جداً إخباري بذلك، لذا تمالكت نفسي، لكني بقيت صامتة أغلب الوقت، أراقب انفعالات المسافرين الذين كانت هذه تجربتهم الأولى، وظننت وقتها أن هذا التصرف هو أسوأ فعل مهين قد يحدث لنا في مطار دولي.

لا أعرف ما هو الأثر الناتج من رش المواد المعقمة علينا، سوى شعورنا البائس بأننا مليئون بالجراثيم. ولا أظن إن كان هناك جراثيم حقاً، أنها ستموت في حال فعلوا ذلك، بل حدث هذا لمشاعرنا وقلوبنا فقط.


وفي ٢١ يوليو الماضي، كنت على متن طائرة عدن – القاهرة، وقبل موعد الهبوط تحدث كابتن الطائرة إلينا، معتذراً عن إزعاجنا، وقال: “إن طاقم المضيفين سيقومون برش مواد معقمة قبل الهبوط، بطلب من السلطات المصرية”.
كان المضيف يفعل ذلك بخجل، وهو يتأمل نظراتنا المتفاوتة بين الاستغراب والسخط والسخرية، وقال: “هذا الأمر مفروض علينا من قبل سلطات التحالف والسلطات المصرية، قبل هبوط الطائرات في كل من مطارات القاهرة، الرياض، وجدة”.
لا أعرف ما هو الأثر الناتج من رش المواد المعقمة علينا، سوى شعورنا البائس بأننا مليئون بالجراثيم. ولا أظن إن كان هناك جراثيم حقاً، أنها ستموت في حال فعلوا ذلك، بل حدث هذا لمشاعرنا وقلوبنا فقط.
لا تسمح أيضاً السلطات المصرية لليمنيين دون سن 50 عاماً، بالدخول إلى أراضيها إلا بوجود تقرير طبي يفيد بحاجتهم إلى العلاج، أي أننا في كل الأحوال لا نستطيع الدخول إلى “مصر” إلا بصفة مريض أو عاجز.
لقد جهزت لي الجهة التي تكفلت بسفري، تقريراً طبياً فزعت حين رأيته، وقد كان يشير إلى أنني “مصابة بانزلاق غضروفي، وبحاجة إلى أخصائي”. وهذه التقارير قيمتها تقريباً 15.000 ريال يمني، أي ما يعادل 27 دولاراً، ولكن لسوء الحظ، فقد تأخر الشخص الذي أشرف على تجهيز التقرير، وبالتالي فقد رفض موظفو المطار عبوري إلى صالة الانتظار، وأخبروني أن السلطات المصرية ستعيدني إلى هنا، وبعد مفاوضات كثيرة أخبرني الموظفون أنه بإمكاني إصدار التقرير عبرهم، وتمت دحرجتي من موظف لآخر قبل أن أصل إلى الموظف الأخير المختص في أمور “السمسرة” التي تحترفها سلطات المطار، وتشرف عليها.

كنت محظوظة، وتمكنت من السفر، لكن زميلة أخرى لم تتمكن من السفر، لأن “اليمنية” باعت تذكرتها لمسافر آخر، وهذا الفعل لم يحدث مرة واحدة، لكنه تكرر مراراً مع مسافرين آخرين.


كنت محظوظة، وتمكنت من السفر، لكن زميلة أخرى لم تتمكن من السفر، لأن “اليمنية” باعت تذكرتها لمسافر آخر، وهذا الفعل لم يحدث مرة واحدة، لكنه تكرر مراراً مع مسافرين آخرين.
عقوبات هذه الحرب كاملة لا يدفعها إلا المدنيون وحدهم، فسلطات الأمر الواقع في الشمال (الحوثيون) يستطيعون السفر عبر طائرات الأمم المتحدة من العاصمة صنعاء، ومسؤولو الحكومة الشرعية يمارسون مهامهم من عدن وجدة والرياض، وينتقلون عبر مطار عدن. فقط المدني المقيم في المحافظات الشمالية عليه الانتقال إلى عدن، وكمثال بسيط، فإن المسافة من مدينة الحديدة إلى مدينة عدن براً تبلغ “16 ساعة في أقل تقدير”، بالإضافة إلى أن الجوازات الصادرة من منطقة سيطرة الحوثيين غير مقبولة في مطار عدن، حسب قرارات الحكومة القابعة في الرياض، وهي بهذا القرار غير المسؤول، لا تعاقب إلا المدنيين وحدهم.
أفكر كثيراً في ما يحدث لنا من إهانات وانتهاكات في بلادنا اليمن، و لا أستغرب من كل أولئك الذين يفعلون ذلك خارجها. لقد كانت رحلتي من الحديدة إلى عدن، طويلة جداً، وكان علي أن أضع نقاباً على وجهي، لأتجنب الإيقاف في النقاط الأمنية، كي لا يشتبهوا في عملي كصحفية أو ناشطة، ففي الآونة الأخيرة ازدادت الحساسية تجاه الصحفيين والعاملين في المنظمات الدولية، من كل الجهات، سواء كانوا سلطات أمر واقع أم مواطنين عاديين.
الحديث عن التفتيش والاحتجاز، وفي أحيان كثيرة الاعتقال الذي يتعرض له أبناء المناطق الشمالية، أثناء سفرهم إلى عدن، يحتاج إلى سلسلة مقالات قد تكون لانهائية.
إننا وسط حفرة ومستنقع كبير في كل المحافظات، سواء تلك التي تقع تحت سيطرة التحالف، أو التي تقع تحت سيطرة الحوثيين. نقف كمدنيين في تلك الحفرة، عاجزين عن إيقاف دفننا أحياء من قبلهم.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.