الفضول والسباحة في المحيط

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

الأديب الشاعر الكبير المجدد عبدالله عبدالوهاب نعمان، متعدد المواهب. فهو من رواد الصحافة الساخرة، ومن أهم أعلامها، وهو من أهم شعراء الأغنية، ومن رواد الحركة الوطنية وقادتها. ارتبط بالحركة الوطنية منذ النشأة؛ فهو ابن الشهيد العظيم عبدالوهاب نعمان، أحد القادة الميدانيين للمعارضة السياسية ضد الإمامة المتوكلية، ومن قادة حركة 48، وقبلها أيضاً. اعتقل بعد فشل 48، وحكم عليه بالإعدام. كل الذين اعتقلوا في سجن القلعة يعرفون مكان اعتقال عبدالوهاب نعمان، ويحكون عن بطولته وشجاعته في مقارعة الإمامة.
ترك والده عبدالوهاب نعمان، أثراً عميقاً في أجيال ما بعد 48؛ فهو رمز من أهم رموز المعارضة السياسية ومؤسسيها. رضع الفضول حليب موقف واعتقال وإعدام والده، وكان الولد البار والنجيب في قلب المعارضة السياسية، منذ أن عرف الحياة، وتفتق وعيه كمعارض وابن شهيد.
في مدينة عدن، وكرد على فشل الحركة الدستورية 1948، أسس الفضول صحيفة “الفضول”، بعد بضعة أشهر من فشل الحركة. كانت اليمن حينها مشطورة: عدن والجنوب موزعة بين الاحتلال والاستعمار، والمتوكلية اليمنية تعيش أسوأ حالاتها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً؛ فنظام الإمام يحيى كان أقوى تخلفاً، وأشد قسوة من الاحتلال التركي، وكان فشل ثورة 1948 كارثة وطنية عمت البلاد والعباد؛ فالمعتقلون بالمئات، والشهداء بالعشرات، وصنعاء مدينة منكوبة منهوبة ومستباحة، “والشعب بين مكبلٍ في رجله قيدٌ، وفي فمه البليغ لجامُ، فعليه إما أن يغادر أرضه كرهاً، وإلا فالحياة حِمامُ”، كتصوير شاعر الوطنية أبو الأحرار محمد محمود الزبيري.
كانت صحيفة “الفضول” في الداخل اليمني عدن، وصحيفة “السلام” في كارديف ببريطانيا، الرئتين النقيتين للكتّاب، وبهما يتنفس اليمنيون. امتازت “الفضول” بأنها تلامس الوقائع والأحداث يومياً، وتعبر بعمق وصدق وشجاعة عن جرح نكبة 48 النازف.

أشعاره الفضول ومقالاته الساخرة تحولت إلى أغانٍ وأناشيد وتحايا يرددها الصغار قبل الكبار. مات الطاغية وشبع موتاً، وأشعار الفضول تصدح في أرض وسماء اليمن، يرددها البحارة والفلاحون والنساء والصبيان.


تلقى الفضول تعليمه الأولي على يد والده عبدالوهاب نعمان، في صنعاء، ثم انتقل إلى زبيد – جامعة الأشاعر- كتسمية المؤرخ عبدالرحمن الحضرمي. تزود من والده البدايات الباكرة للمعرفة، والمواقف الوطنية والمبدئية، ومن جامعة الأشاعر العلوم السائدة يومها، وكان لصنعاء وزبيد الأثر العميق في تجربته الحياتية.
الفضول رجل في أمة، بل أمة في رجل. بعد نكبة 48 ناب الفضول عن الحركة الوطنية الموءودة؛ فامتشق سلاح القلم شعراً ونثراً، وأغمده في جحافل جيش الإمامة المنتشي بالنصر على الشعب.
“الفضول” الساخرة، وشعر الفضول المقاتل بالكلمة الساخرة، عوّضا ما عجز الانقلاب عن تحقيقه؛ فقد حوّلا المتوكلية اليمنية، وإمامها الملوث اليدين بدم الأحرار، إلى هزء وأضحوكة.
أشعاره ومقالاته الساخرة تحولت إلى أغانٍ وأناشيد وتحايا يرددها الصغار قبل الكبار. مات الطاغية وشبع موتاً، وأشعار الفضول تصدح في أرض وسماء اليمن، يرددها البحارة والفلاحون والنساء والصبيان.

الشاعر الفضول

لمع نجم الفضول أو بزغ في ليل نكبة 48؛ فكان ضمير ووجدان وعقل الأحرار المدفونين في أقبية المعتقلات في حجة وصنعاء وتعز والحديدة. البعض منهم على أعواد المشانق، والبعض الآخر منتظر.
نبغ الفضول باكراً؛ فهو ابن مدرستي صنعاء وزبيد -الجامعة للثقافة الوطنية، والمرفودة بعلم الكلام المعتزلي والأشعري؛ فهو ابن الثقافة الوطنية الجامعة، وكمبدع من رواد الأغنية اليمنية، ومن الورثة الحقيقيين للحميني اليمني؛ الحميني الممتد الجذور إلى منتصف القرن السابع، وأحد أهم روافد الأغنية العربية في الراهن.
درس الفضول إرث اليمن الحضاري، والروح القومية، ومجد مقاومة الاستبداد والتدخل الأجنبي. تربى وزامل رواد التجربة الشعرية الحديثة: الزبيري، والموشكي، وأبو بكر بن شهاب، وحداد الكاف، والبار، والبردوني، وجرادة، والمقالح، ونصر، وعثمان، والشامي، وكان علماً في شعر الأغنية العاشقة: مطهر الإرياني، وصبرة، ولطفي، والمحضار، والحداد، والقمندان، ورزق، وعشرات. يُذكر أن ابن عبيدالله، وهو في طريقه إلى الحج، زار تعز، والتقى الطالب الفضول، وأثنى على ذكائه ونبوغه الواعد.
مدرسة الحياة الثقافية والأدبية والسياسية في مدينة المدن اليمنية، فتحت نوافذ وأبواب وعيه على العصر كله. كان الفضول من أوائل الفارين إلى عدن، بعد أن عرف نوايا الإمام باعتقاله؛ ففر إلى عدن مع أخيه الأكبر. كان الأحرار الآباء قد سبقوه إليها، وهناك امتشق قلمه في “فتاة الجزيرة” باسم “يمني بلا مأوى”. سبق فراره إلى عدن قصائد نارية ضد الإمامة وفسادها وبطشها، مدافعاً عن الأحرار الذين يقادون “مزنجرين”، ومقيدين إلى السجون.
“سيروا فما الأغلالُ في أعناقكم
إلا لمجدكم العظيم شعارُ”

في العام 46، أصدر الأحرار “صوت اليمن”، الصحيفة الناطقة باسمهم؛ فكان الفضول من أبرز وأهم عمالها ومحرريها، وبدأ الفضول التواصل مع الصحافة العدنية، ولم تمضِ إلا بضعة أشهر حتى كان عبدالله عبدالوهاب في الصدارة.
بعد فشل 48 الحركة الدستورية، وإعدام والده بأشهر، وتحديداً في 15 ديسمبر، أصدر عبدالله عبدالوهاب صحيفة “الفضول”. وأياً كان معنى ومغزى التسمية كقصدية الناشر، فلم تمضِ إلا أشهر معدودة حتى كان الاسم قد تلبسه، وأزاح اسمه جانباً، ومن حينها أصبح الفضول الاسم الحقيقي، وليس اللقب.
كان صدور “الفضول” في عدن، ميدان المعركة للدفاع عن الأحرار، وعن القضية الوطنية، وأما صحيفة “السلام” فكان صدورها في كارديف ببريطانيا، وهي للأستاذ عبدالله علي الحكيمي، وكانت الرد الصائب والعملي على نكبة 1948؛ فالبديل للعنف والعنف المضاد والاحتراب، هو سلاح الكلمة الذي دأب عليه الأحرار منذ البدء، وقد مثل اغتيال الإمام يحيى انحرافاً عن المسار السلمي الديمقراطي الذي جسده الصانع الأول -النعمان- لحركة اليمنيين، كتسمية أبو الأحرار الشاعر محمد محمود الزبيري.

الفضول

شهدت عدن، عقب الحرب الكونية الثانية 39–1945، ميلاد الصحافة العدنية، وعلى كثرتها وتنوعها، فقد كانت “الفضول” الأكثر حضوراً وشهرة وتأثيراً؛ فهي الصحيفة الفقيرة جداً، والتي لا تمتلك مكتباً ولا إدارة ولا محررين؛ فالفضول هو الكل في الكل. قدراته الخارقة، وسخريته اللاذعة، وأسلوبه الفذ والمتميز، قد بوأ الصحيفة موقع الصدارة؛ فكانت أقوى وأشد وقعاً على الإمامة العتيقة من وقع الحسام المهند؛ فهي الرئة النقية التي تتنفس منها الحركة السياسية والمعارضة هواءً نقياً يهز عرش الإمامة، ويحول رموزها إلى أضحوكة وهزء، وكانت أخطر سلاح ضداً على قدسية الإمامة وشرعيتها ومشروعيتها.

ديوان “الفيروزة “

رغم طول حياة الفضول الزاخرة بالعطاء، والضاجة بالشهرة والتأثير والمكانة والوزن، كواحد من رموز الحركة الدستورية 1948، وأحد قادة المعارضة السياسية، ومن كبار الصحفيين والأدباء والشعراء الثوريين والعشاق على حد سواء، رغم ذلك، لم يصدر ديواناً في حياته، لكن أشعاره في السخرية، وأشعاره الوطنية، ظلت زاداً إبداعياً لأبناء وبنات اليمن طولاً وعرضاً، شمالاً وجنوباً.

شعره الوطني سهام حارقة في جسد الظلم والاستبداد والطغيان، أما شعره العاطفي، فقد جعل منه الوارث الأعمق إبداعاً، والأروع حداثةً واستيعاباً لروح الشعب والحياة والعصر.


كانت “الفيروزة” أول مجموعة شعرية أصدرها نجله المهندس، وصدر ديوان آخر باسم الهيئة العامة للكتاب، لكن كلا الإصدارين لم يستوعبا إبداع الشاعر، كما شابهما الكثير من الأخطاء، وغياب الدقة.
دراسة أشعار الفضول سباحة في محيط؛ فشعره غاية في الإبداع والتنوع والتعدد، وتحتل السخرية الممزوجة بالتهكم والإدانة القاسية للكهنوت والحكم البائس شديد التخلف والجهل، مكانةً كبيرةً، أما الحكام الخارجون من الأجداث، المسكونون بعصبيات مقيتة وبأهواء لا علاقة لها بالحياة والعصر، فهم موضع السخرية والتندر.
“لحف التراب وبالحصير تأزرا
شعبٌ بحمد الله يمشي للورا”

شعره الوطني سهام حارقة في جسد الظلم والاستبداد والطغيان، أما شعره العاطفي، فقد جعل منه الوارث الأعمق إبداعاً، والأروع حداثةً واستيعاباً لروح الشعب والحياة والعصر.
أشعاره سواء الساخرة والوطنية، أو العاطفية المغناة، عصية على الموت والنسيان، تختزنها قلوب وعقول مختلف الشرائح والفئات، يحدو بها السراة، ويرددها الصغار والكبار، وتغنيها الفتيات في الأعراس والمناسبات المختلفة، ويهزج بها المزارعون والعمال في ميادين العمل.
نشيده الوطني إحدى علائم ودعائم وحدة اليمن وخلودها، رغم ما جرى ويجري.
في قصيدته الساخرة تتجلى البلاغة بأرقى صورها، وأروع معانيها في الرسوم الكاريكاتورية التي يرسمها للواقع البائس، وللطغاة والقيود والعهود.

“شعبٌ بحمد الله يمشي للورا”

الحمد على المكروه هنا أبلغ من الحمد على النعمة. يتقمص الشاعر روح الجلاد؛ فيحمد الله على نعمه المهرولة للوراء، وعلى نعمة التراب وتأزر الحصير. خيال الفضول في السخرية فاجع وفادح، ورغم أن القصيدة إدانة للحظة الشنيعة في حال يمن “أحمد يا جناه”، كما كان يسمى حينها، إلا أن اللحظة ماتت، والإمامة قبرت، وتظل سخرية الفضول خالدة:
“أدبته بالفقر حتى يرعوي
وحكمته بالجوع كي لا يبطرا

حكمة وحكم الظلمة في كل زمان ومكان؛ فالفقر والتجويع سلاح مدمر وفتاك، وهو أبشع من كل أسلحة الدمار في إذلال الشعوب وقهرها.
“ومشيت فوق ضلوعه مترفقاً
وملأت أكواخ العجائز عسكرا”

فالعمران أكواخ لم يبقَ فيها غير العجائز غير القادرين على الفرار من نعم الإفقار والتجويع، وهذه الأكواخ يحتلها العسكر كتعبير الزبيري، ويجتاحها العسكري الذي أكل الدجاجة كقصة زيد مطيع دماج.
أشعار الفضول الهازئة الساخرة قد دمرت وعرّت زيف قداسة الإمامة وقسوتها؛ فكانت أفتك من السلاح الناري، وأضرى من الاغتيال والقتل؛ إنه قتل أخلاقي وأدبي يمتد لأزمان وأزمان.
تمثل الفضول واستوعب الدروس الفقهية والنحوية في صنعاء وزبيد، وحول معارفه إلى قنابل وصواريخ عابرة للزمان والمكان، تهين الظلم، وتتمسخر بالجلادين، وتحولهم إلى أضحوكة ودمى.
يستخدم أسلوب ملحة الإعراب عندما يرثي سياسياً مفلساً، فيؤبنه حياً:
“كأنه في موته السياسي
خاطئةٌ ماتت على نفاسِ”

قراءة أو تقديم ديوان الفضول مهمة كبيرة ورائعة، ويقوم السفير مروان عبدالله عبدالوهاب، بإعداد الديوان وتصحيحه ومراجعته للنشر. ما كتبته هنا ليس أكثر من تحية لهذا الشاعر العظيم، والرائد والمؤسس، وتحية لجهود العزيزين: محيي الدين سعيد الذي قدم مبحثاً مهماً عن الفضول، وتحية أيضاً لجهد العزيز نجل الشاعر في “الفيروزة”؛ الديوان الذي أعده كأول تجميع لديوان والده.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.