موسم الهجرة إلى الرياض

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

خطر في ذهني أن أستعير عنوان الرواية البديعة للسوداني الراحل الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، باعتبار الرياض وجدة وما حولهما وما بينهما من المدن والبلدات الواقعة في نطاق المملكة العربية السعودية، في شمال اليمن. الاستعارة مغرية نظراً للقيمة الفنية الرفيعة للرواية التي جعلت من العنوان رمزاً، لكني تراجعت، وصرفت النظر لسبب يتعلق بالفارق الشاسع بين موضوعي وبين العمل الرائع للطيب صالح. ذلك عمل فني أثار موضوع العلاقة الشائكة بين دول الشمال والجنوب، من خلال بطل الرواية “مصطفى سعيد”، ابن الريف السوداني، الذي درس الاقتصاد في جامعة الخرطوم، ثم راح إلى لندن، ليكمل دراساته العليا، ويتصل بمستعمري بلاده هناك، ويحاول أن ينتقم منهم من خلال علاقة غرامية، ومرة أخرى يعود إلى قريته، حيث ينتهي غارقاً في النيل منتحراً أو غافلاً. يتعلق السبب الثاني بأن هناك هجرة للعمالة اليمنية إلى السعودية، حتمتها ظروف اقتصادية خانقة، سببها الرئيسي سوء إدارة الموارد البشرية والمادية، من قبل الحكومات اليمنية قبل وبعد ثورتي 26 سبتمبر و 14 أكتوبر، مع وفرة التدفقات النقدية الناتجة عن عوائد النفط عند الجار الشمالي.

استخدام المال العربي للإضرار ببني أرومتهم في مؤامرات امتدت على مدى عقود، خدمت إسرائيل والصهيونية والدول الاستعمارية، حتى بات شيوخ النفط يدفعون أجوراً للقواعد العسكرية التي كانت ترجو وتلح على الدول بأن توافق عليها مقابل إيجارات باهظة.


هذه قصة جرح غائر، سواءً من زاوية السفه في توجيه عائدات النفط إلى أغراض رخيصة، بدلاً من توظيفها في إحداث تنمية حقيقية في الأقطار المنتجة، أو من كونها ملكية مشتركة للأمة العربية كلها، يتوجب أن تذهب بالإدارة الرشيدة وبالتكامل والتشارك، إلى إحداث نهضة هائلة وشاملة ترتقي بالبلدان العربية جميعها إلى مستوى حضاري يليق بها، ويرفع قامتها بين الأمم.

مال النفط العربي


خلافاً لما كان لزاماً عليهم، استخدموا المال العربي للإضرار ببني أرومتهم في مؤامرات امتدت على مدى عقود، خدمت إسرائيل والصهيونية والدول الاستعمارية، حتى بات شيوخ النفط يدفعون أجوراً للقواعد العسكرية التي كانت ترجو وتلح على الدول بأن توافق عليها مقابل إيجارات باهظة.
ربما أنه استطراد لا لزوم له، ولكن اللافت هو الهجرة السيالة والمتهافتة إلى الرياض، من سياسيين وأدعياء ومتطفلين تجمعهم المضاربة بالشعارات السياسية. والمريب المحزن والمخزي أن بعضهم جاء من مدارس وطنية لا تقبل المزايدة بالمبادئ، ومع ذلك فقد عرضوا بضاعتهم، وسكت عنهم رفاقهم.

المزاد السياسي مفتوحاً هذه السنوات والشهور في الرياض، حتى نزل في سوقه كل من هب ومن دب، ينشدون حقائب حكومية أو أقل منها أو أكثر، من غير أن يدركوا أنهم إنما يتعلقون بحبل مهترئ يوشك أن يبتر.


ولا بأس من القول إن الهجرة إلى هناك قديمة منذ أشعلت السعودية الحرب ضد اليمن شماله وجنوبه، بالتعاون مع الاستعمار البريطاني ومع الامبرياليات العالمية، لإجهاض الثورة اليمنية. ولقد تزاحم كثيرون في الطريق إلى هناك، من الذين يريدون المال، ويبيعون الأوطان، وكان لهم دور مقيت في تعويق حركة الشعب وطموحه إلى التقدم والنهضة. ولقد كانوا واضحين في مرأى الشعب، باعتبارهم أعداء له، مدافعين عن مصالح قامت الثورة لإزالتها. أما اليوم فقد امتلأ الطريق بوجوه لم يتخيل أحد أنها تذهب إلى الحج في ذلك المكان.

لئن لاحظنا وجوه الماشين إلى الرياض من كل الجهات، لأصابنا غم شديد من مستوى الانتهازية التي تعتري رجالاً ونساءً في بلد كان يحتوي إلى عهد قريب رموزاً عالية القامة.


هكذا تراءى المزاد السياسي مفتوحاً هذه السنوات والشهور في الرياض، حتى نزل في سوقه كل من هب ومن دب، ينشدون حقائب حكومية أو أقل منها أو أكثر، من غير أن يدركوا أنهم إنما يتعلقون بحبل مهترئ يوشك أن يبتر.
ولئن لاحظنا وجوه الماشين إلى الرياض من كل الجهات، لأصابنا غم شديد من مستوى الانتهازية التي تعتري رجالاً ونساءً في بلد كان يحتوي إلى عهد قريب رموزاً عالية القامة.
اليوم، يطلع إلى الواجهة كثيرون يسيئون إلى وجه اليمن، ويجعلون منها بلداً متهافتاً وبائساً وعديم الكرامة. هكذا ذهبوا إلى الرياض يعرضون أنفسهم لحكومة لا تتسع ولا تحتمل. ذلك يولد سؤالاً عما إذا كان هؤلاء أو بعضهم يمتلكون رؤية واضحة وإرادة قوية لإنقاذ اليمن مما هي فيه، رغم أن أكثرهم يدعي بالكذب والزيف أنه ينتسب لثورة قامت وفشلت في 2011.

خسروا أنفسهم


موسم الهجرة إلى الرياض الآن مهين للذين ذهبوا وظنوا أنهم سيخطفون الدنيا حتى وإن خسروا أنفسهم. ذلك أن مستقبل الحكومة التي يرجونها في طي الغيب، بل هي في المنحدر الذي تومئ إليه اتفاقات غير معلنة تجريها الرياض مع الجماعة الحوثية في صنعاء.
في الطريق المكتظ بمحترفي السياسة والهواة، سقطت نجوم، وتكشف زيف معادن، وذاب الطلاء على وجوه تاجرت بالعمل الوطني سنوات وعقوداً. وليس مما يثير الدهشة سلوك أحزاب وقيادات سياسية وقبلية تمر من هنا كل ساعة،

موسم الهجرة إلى الرياض الآن مهين للذين ذهبوا وظنوا أنهم سيخطفون الدنيا حتى وإن خسروا أنفسهم. ذلك أن مستقبل الحكومة التي يرجونها في طي الغيب، بل هي في المنحدر الذي تومئ إليه اتفاقات غير معلنة تجريها الرياض مع الجماعة الحوثية في صنعاء.

فهي اعتادت ارتياد هذا المسرى منذ عهود طوال، لكن ما يغيظ هي الأحزاب التي تأسست على مبادئ وشعارات رفعها قادة عظام، وقاوموا تحت راياتها الاستعمار والامبريالية والصهيونية، وهم عانوا كثيراً من خيانة أنظمة عربية وضعت نفسها في خدمة تلك القوى، وبذلت الأموال، ومارست الدسائس لكي تبقى وتسود تحت الوصاية الأجنبية.
إن هذه واحدة من أسوأ ما تمخضت عنه الحرب، إذ أزيحت المعالم أمام الشره إلى المغانم، وحفرت ندوب كبيرة في وجوه أحزاب كان لها تاريخ ناصع إلى وقت قريب. ولقد ازدهرت النميمة السياسية أبشع ما تكون، وتسابق السياسيون كلّ يعرض بضاعته المغشوشة، ويبدي مساوئ بضاعة خصمه الحليف أمام مشترٍ محتال أعطاهم أثماناً بخسة، ومن خلالهم أوصل البلد إلى حافة الانهيار. ولا أريد المبالغة في التشاؤم، فأقول إنه دفعها إلى الهاوية بالفعل وبالقصد والتعمد. ولكن لايزال بعض الظن يخامر النفوس بإمكانية تفادي أفظع المآلات، إذا جرت مراجعة جدية، وتم البحث عن طريق آخر قليل الزحام وقليل الطمع. أعني ضرورة التفكير بسلامة البلاد، وبحقوق أهلها الضائعة والمنهوبة، ذلك يستدعي إيقاظ بعض الضمير، بعض الضمير، وليس أجمعه.
هي وقفة لا بد منها، قبل أن يذهب الناس إلى محكمة التاريخ بدون حجج ولا أدلة تشفع بالبراءة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.