المأساة اليمنية… العودة إلى حروب الوكلاء

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

بعد هجمات 14 سبتمبر 2019م، على منشآت “أرامكو” في “بقيق” السعودية، كتب المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، ما نصه:
أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن الهجوم، ومع ذلك فإن السعودية والولايات المتحدة الأمريكية تشيران إلى إيران. هذا الوضع يهدد بتحويل التوترات الإقليمية إلى حرب إطلاق نار، فضلاً عن زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي، أما بالنسبة لليمن، فإن خطر الانجرار إلى حرب بين الدول، وليس فقط بين الوكلاء، أصبح الآن حقيقياً للغاية. إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لإلحاح الحل السياسي في اليمن، فإن الهجمات على أرامكو توفرها”.
يشير غريفيث، في هذا، إلى أن استمرار الحالة اليمنية على وضعها الراهن، ينقلها إلى حرب بين الدول الراعية، بدلاً من كونها حرباً بين الوكلاء، وهي إشارة اقتضت أن تتحرك الحالة اليمنية باتجاه التفاهم بين الرعاة، لإبقائها في المسار الذي وُضعت فيه ابتداءً، وسارت عليه تداعياتها المتشعبة في الداخل اليمني فقط.
كان أغسطس 2019م، موعداً لتفجرا أوضاع مختلفة في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، حيث الصراع بين وكلاء الإمارات وطرف في تحالف الشرعية، يمثل وكلاء مؤتلفين في ما عُرف بخلية مسقط التي تجمع بين وكلاء قطر برعاية عمانية، ووكلاء إيران، يتخذ مساراً يهدد تحالف دعم الشرعية الذي تقوده السعودية، فتحركت الرياض باتجاه ضبط الإيقاع لتجميع الوكلاء المتشاكسين قطرياً وإماراتياً، ليكونوا تحت رعاية مباشرة من الأمير خالد بن سلمان، فكان حوار جدة، ومنه اتجهت الأوضاع نحو اتفاق الرياض.
ظهرت نظرية الوكالة في سبعينيات القرن المنصرم، في حقل الاقتصاد، غير أنها سرعان ما وجدت لها تطبيقات في حقول أخرى، مما يجعل الوكالة إحدى أقدم الظواهر السياسية التي ارتبطت تاريخياً بممارسة القوة في العلاقات الدولية، وبلغت ذروتها في حقبة الحرب الباردة.
تركز الأبحاث والدراسات الحديثة لظاهرة الوكالة، على الأنماط الجديدة من الوكلاء، وتحديداً ما يعرف بـ”الوكلاء المليشياويين” أو “الفاعلين المسلحين من غير الدول” أو “الجماعات المسلحة” أو “الفاعلين العنيفيين”، وجميعها تنظيمات مسلحة تعمل خارج سيطرة الدولة، وتستخدم القوة والعنف لتحقيق أهدافها. وفي هذا السياق، تقدم دراسة للمعهد الدانماركي للدراسات الدولية، تعريفاً لهذه الأنماط من الوكلاء، نكتفي به هنا، وهذا نصه: “الوكلاء المليشياويون هم فواعل غير دولاتية، تستخدم القوة أو التهديد بالقوة من أجل تحقيق بعض الأهداف، وتمارس نفوذها على جزء من الإقليم، وعلى بعض السكان”.
حاولت الأدبيات السياسية المعاصرة، تقديم مقاربات لسلوك هذه التنظيمات المسلحة من غير الدول، وحددت عوامل عززت بروزها في هذه الفترة، من أهم هذه العوامل انهيار الدولة الوطنية وتدمير مقومات وجودها العسكرية والأمنية، وزوال المؤسسات الرسمية التي كانت تحتكر القوة ومشروعية استخدامها. ومنها أيضاً ارتباط الصراع على السلطة بين القوى المحلية بالقوى الخارجية، وتجاذباتها الإقليمية والدولية، خصوصاً في الحالات التي اتخذ فيها الصراع على السلطة طابعاً طائفياً مسلحاً كالحالة الحوثية، أو طابعاً مناطقياً كالمجلس الانتقالي في المحافظات الجنوبية. وأيضاً التدخل الدولي وعسكرة الصراعات المحلية، والتي أنتجتها عواصف الفوضى الخلاقة التي اجتاحت بعض الأقطار العربية، العام 2011م، خصوصاً في ليبيا وسوريا واليمن.

لقد انخرطت اليمن في هذا النمط من حروب الوكلاء شمالاً وجنوباً، لكننا سنتوقف عند النمط الذي كان أكثر ظهوراً وأكثر امتداداً إلى المستقبل، وتمثل بالجهاد الأفغاني، وامتداد تأثيراته وانعكاساته وتداعياته إلى ما بعد الحرب الباردة،


ويهمنا هنا عرض السياق التاريخي لحروب الوكلاء، فقد فرض الردع النووي بين المعسكرين في حقبة الحرب الباردة، التوجه نحو حروب الوكلاء التي انتشرت في بقاع مختلفة من الكرة الأرضية، وتنوع هؤلاء الوكلاء بين الدول والتنظيمات المسلحة من غير الدول، والتي برزت بقوة على الساحة الدولية بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان، والثورة في إيران، على نمط المجاهدين الأفغان وحزب الله في لبنان.
ولقد انخرطت اليمن في هذا النمط من حروب الوكلاء شمالاً وجنوباً، لكننا سنتوقف عند النمط الذي كان أكثر ظهوراً وأكثر امتداداً إلى المستقبل، وتمثل بالجهاد الأفغاني، وامتداد تأثيراته وانعكاساته وتداعياته إلى ما بعد الحرب الباردة، ومثّل مقدمة للدخول في نمط استخدام الوكلاء في الصراع داخل الدولة الواحدة، وتحديداً في حرب صيف العام 1994م وما بعدها، حيث ابتدأ تاريخ التنظيمات المسلحة من غير الدول في اليمن، وامتد بها إلى الطابع الطائفي بظهور “الشباب المؤمن” بقيادة الراحل حسين بدر الدين الحوثي.
ليس مطلوباً هنا الخوض في تفاصيل النشأة التاريخية للوكلاء المليشياويين في اليمن، وإن كان مهماً الوقوف عند بُعد محوري من أبعاد هذه الظاهرة، يتمثل بتغييب الدولة وتدمير مقومات وجودها العكسرية والأمنية خلال مراحل ابتدأت من الدولة نفسها في فترة حكم الرئيس علي عبدالله صالح، وتنامت بعد حرب صيف 1994م بصور مختلفة: قبيلية ودينية.

تتميز السعودية بأنها صاحبة اليد الطولى في رعاية وكلائها في اليمن عبر اللجنة الخاصة ذائعة الصيت في تاريخ العلاقة بين اليمن والمملكة قبل الوحدة وبعدها، وكادت السعودية أن تنفرد برعاية الوكلاء في اليمن بعد غياب النفوذ الذي كان للأنظمة القومية ابتداء من مرحلة الزعيم جمال عبدالناصر، وتراجع دور العراق بعد العام 1990م، لولا أن إيران بعد ثورة الخميني بدأت بالتسلل إلى الساحة اليمنية، وتمكنت من خلق وكيل منافس بقوة للنفوذ السعودي الذي أصبح مهدداً بالانقراض لصالح نفوذ بإمكانه تهديد الداخل السعودي بقوة واقتدار متمكن طائفيا.


وحتى لا يأخذنا السياق التاريخي لحروب الوكلاء في اليمن، بعيداً عن موضوعنا الراهن، نشير إلى أن اليمن في التاريخ الحديث كانت مسرحاً لحروب الوكلاء، ابتداء من حروب الجمهوريين والملكيين التي شهدت حضوراً كبيراً للمرتزقة بين عامي 1962 و1970م، مروراً بحروب الشطرين بين عامي 1967 و1990م، وقوفاً عند الحروب الأهلية في 1994م و2004م، وحتى هذه الحرب المستمرة منذ العام 2015م.
تتميز السعودية بأنها صاحبة اليد الطولى في رعاية وكلائها في اليمن عبر اللجنة الخاصة ذائعة الصيت في تاريخ العلاقة بين اليمن والمملكة قبل الوحدة وبعدها، وكادت السعودية أن تنفرد برعاية الوكلاء في اليمن بعد غياب النفوذ الذي كان للأنظمة القومية ابتداء من مرحلة الزعيم جمال عبدالناصر، وتراجع دور العراق بعد العام 1990م، لولا أن إيران بعد ثورة الخميني بدأت بالتسلل إلى الساحة اليمنية، وتمكنت من خلق وكيل منافس بقوة للنفوذ السعودي الذي أصبح مهدداً بالانقراض لصالح نفوذ بإمكانه تهديد الداخل السعودي بقوة واقتدار متمكن طائفيا.
حاولت إيران أن توسع دائرة نفوذها خارج إطار الحوثيين، إلى الحراك الجنوبي، عبر أنشطة مختلفة مع قيادات حراكية، أبرزها الأستاذ علي سالم البيض الذي حل في الضاحية الجنوبية مع قضائية خاصة، بالإضافة إلى لقاءات وأنشطة متنوعة تستهدف تدريب واستقطاب كوادر الحراك، وخصوصاً بعد عزوف دول الخليج وأقطار عربية أخرى عن رعاية الحراك الجنوبي ذي النزعة الانفصالية، مراعاة لعلاقاتها بالدولة اليمنية، وعواقب مواقفها ضد الوحدة اليمنية.
فشلت إيران في استقطاب قوة مؤثرة في الحراك الجنوبي، حيث غادر القيادي علي سالم البيض ضاحية بيروت الجنوبية، متوجهاً إلى الرياض، فور بدء عمليات “عاصفة الحزم”، نهاية مارس 2015م، وأسهم التمدد العسكري للحوثيين نحو الجنوب، عام 2015م، في خلق عاصفة رفض شعبي للارتباط بالرعاية الإيرانية.
كانت الإمارات العربية المتحدة أقامت علاقات قوية بكثير من الكوادر العسكرية والمدنية التي هاجرت إليها بعد أحداث العام 1986م، ونهاية حرب صيف العام 1994م، وكان أبرز هذه القيادات هيثم قاسم طاهر الذي كان وزير دفاع دولة الوحدة، ثم أسندت إليه الإمارات بعد مشاركتها في عمليات تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، إنشاء ألوية العمالقة التي تخوض عملية “السهم الذهبي” في الساحل الغربي، منذ العام 2017م.
وتمكنت الإمارات، من خلال دورها كثاني قوة بعد السعودية في تحالف دعم الشرعية، من إنشاء تشكيلات عسكرية قوية، تمثلت بالأحزمة الأمنية والنخب التي استطاعت، وبدءاً من منتصف العام 2017م، السيطرة على معظم محافظات الجنوب، بخاصة مثلث عدن الذي يشمل كلاً من أبين والضالع ولحج، وحسمت المواجهات المسلحة لصالحها في عدن، في أغسطس 2019م، وتعثرت في شبوة، إلى أن جاء التدخل السعودي بدعوة كل من المجلس الانتقالي والحكومة الشرعية، إلى حوار جدة.
أضافت الإمارات إلى قائمة وكلائها، بعد مقتل الرئيس علي عبدالله صالح، في 4 ديسمبر 2017م، التشكيلات العسكرية التي هربت نحو الجنوب، واستقرت في الساحل الغربي، بقيادة العميد طارق محمد صالح، وبهذا تمتد أذرعة وكلاء الإمارات شمالاً بقوات حراس الجمهورية، وكتائب أبي العباس في تعز جنوباً، في مواجهة كل من وكلاء إيران ووكلاء قطر-تركيا.
عُرفت جماعة الإخوان وكيلاً تاريخياً للسعودية في اليمن، من كل النواحي، وخاصة الناحية المذهبية، لكنها مع تحولات الفوضى الخلاقة ابتعدت قليلاً عن الرياض نحو الدوحة وأنقرة، ومنذ الحرب المشتعلة بتدخل تحالف دعم الشرعية، وبعد خروج قطر من هذا التحالف، ركزت جماعة الإخوان بذراعها السياسية (حزب الإصلاح) على دولة الإمارات.
من بين رعاة وكلاء الحروب في اليمن، تواجه السعودية وحدها تحديات الارتباط الجغرافي المباشر، التي تجعل بقية الرعاة في منأى عن التورط في جغرافيا تلك الحروب، لهذا سارعت السعودية إلى إعادة ترتيب خارطة الوكلاء، فأوقفت تقدم “الانتقالي” في شبوة وحضرموت، وأعاقت عودة الشرعية إلى أبين وعدن، وفرضت هدنة مفتوحة للحوار في جدة.
تمكنت السعودية من العودة إلى صدارة الرعاة الخارجيين للوكلاء في اليمن، وخصوصاً التنظيمات المسلحة من غير الدول، وتهدف باتفاق الرياض إلى حصر الحروب بين وكلاء إيران ووكلاء تحالف دعم الشرعية في إطار الجغرافيا اليمنية فقط.

تكشف المعطيات المستمرة منذ 5 سنوات من حروب الوكلاء في اليمن، عن تداعيات خطيرة ومؤثرة، ليس على مسألة الدولة الوطنية فحسب، بل على الهوية ومستقبلها في الجغرافيا السياسية، وما تجسدت به بالنضال المعاصر من إنجازات الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية


كان اتفاق ستوكهولم أزاح الوكلاء بعيداً عن تهديد الاقتصاد العالمي من خطر امتداد الحروب إلى الممرات المائية الدولية في البحرين العربي والأحمر، ويبدو أن هذا هو النجاح الوحيد للاتفاق.
يبدو أن اتفاق الرياض يحدد المواجهة مع الوكيل الإيراني كأولوية مرحلية تستدعي وحدة تحالف الشرعية في مواجهة الحوثيين من جهة، وتعمل على تقليص نفوذ جماعة الإخوان وخصوصاً وكالتها الغامضة عن قطر-تركيا من جهة أخرى، لكنه في المجمل يفتح الباب كاملاً أمام رعاية سعودية مطلقة قد تكون مظلة لحل سياسي إذا قبل الحوثي بالتخلي عن الرعاية الإيرانية لصالح السعودية.
ربما يتفاءل كثير من الساسة اليمنيين، خصوصاً أولئك الذين خرجوا من السياق السياسي والاجتماعي لحروب الوكلاء إلى مواطن بعيدة عن وطأة المأساة الحياتية للمواطنين في الجغرافيا اليمنية، باتفاق الرياض، لكن هذا التفاؤل يتبخر تماماً عند الحقيقة القاطعة في دلالتها على أن استمرار الوكلاء يضمن بالضرورة استمرار الحروب.
تكشف المعطيات المستمرة منذ 5 سنوات من حروب الوكلاء في اليمن، عن تداعيات خطيرة ومؤثرة، ليس على مسألة الدولة الوطنية فحسب، بل على الهوية ومستقبلها في الجغرافيا السياسية، وما تجسدت به بالنضال المعاصر من إنجازات الثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية، غير أننا هنا سنوجز أهم هذه التداعيات التي من أهمها إعاقة حركة استعادة الدولة: من خلال تحوّل التشكيلات العسكرية دون الدولة إلى جيوش موازية تحول دون توحيد القوة في مؤسسات رسمية تحتكر القوة واستخدامها المشروع في النطاق الجغرافي للإقليم، وفي التفاعلات الخارجية، وتكشف شراكة المجلس الانتقالي في مرحلة ما بعد اتفاق الرياض، عن تراجع دور الحكومة الشرعية لصالح تشكيلات من خارج أطرها الرسمية. وكذلك اتساع خارطة الملشنة، والتوجه من عسكرة المجال السياسي إلى عسكرة المجال الاجتماعي، من خلال توجه الأفراد والجماعات السكانية إلى التسلح طلباً للأمن وتوفير الحماية الذاتية في ظل استمرار غياب الدولة وعمل مؤسساتها الأمنية والقانونية. وأيضاً الانهيار الاقتصادي بآليات عدم الاستقرار والانفلات الأمني وتزايد معدلات الهجرة والنزوح من مراكز العمل والاستثمار إلى خارجها في الداخل والخارج، وتوقف صرف المرتبات وانعدام السيولة، وغير ذلك من مظاهر وعوامل الانهيار الاقتصادي.
وتكشف الأوضاع الإنسانية المأساوية عن حجم وكثافة التداعيات السلبية لحروب الوكلاء المستمرة في اليمن منذ 5 سنوات.
الخلاصة:
من الواضح أن مخاطر تحول حروب الوكلاء في اليمن إلى إطلاق نار بين الدول، بتعبير غريفيث، يهدد بتفجير الإقليم، نظراً للترابط الوثيق بين الحالة اليمنية وحالات أخرى من حروب الوكلاء مشتعلة منذ أمد بعيد، وهو ما يهدد الاقتصاد العالمي، ويستدعي بالضرورة حلاً سياسياً للأزمة اليمنية.
وهكذا تتحرك عجلة الحل السياسي بتأثير عوامل من خارج الأوضاع المأساوية التي خلفتها وتعمل على اتساع وزيادة حدتها الحروب اليمنية. وبعبارة أخرى، تقتضي مصالح الرعاة مواجهة تداعيات الحرب اليمنية، والحيلولة دون تحولها إلى حرب بين الدول، وهو ما يعني بوضوح العودة إلى حروب الوكلاء.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.