عن الحزن العام والحزن الخاص

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

قال لصاحبه، وهو يحاوره: كيف لك أن تحزن لموت قريبك، فيما البلد يفقد أبناءه شهداءَ بالمئات، في الجبهات؟!
ذات يومٍ، سمعتُ هذه العبارة من أحدهم، وهو يُنكر على صاحبه حزنه لموت أحد أقربائه، بحجة أن البلد يفقد الكثير من أبنائه شهداءَ، هم أولى بالحزن عليهم من شخصٍ مات على فراشه أو في حادث سيرٍ أو خلاف ذلك.
منطقٌ لا يخلو من المزايدة المفضوحة، والاستعراض المكشوف، والتعبير المجافي للمشاعر الإنسانية، التي تتضمن مشاعرَ فرديةً، وأخرى جمعيةً، وانفعالاتٍ خاصةً، ومثلها عامة. ومن ذلك أن المرء يحزن أو يفرح لمناسباتٍ أو أحداثٍ شخصيةٍ، مثلما يفعل تجاه وقائعَ وقضايا تخصّ المجتمع والوطن عموماً.
لقد وضعتُ نفسي مكان ذاك الحزين الذي تلقى اللوم والتبكيت من صاحبه، لمجرد أنه عبّر عن حزنه لوفاة أحد أقاربه حديثاً، وأحسستُ بمدى الجرح الذي أصاب قلبه ومشاعره، بفعل كلماتٍ من صديقٍ لم يقرَّ له بحقه في مجرد الحزن على قريبه الذي خطفه الموت، باكراً، وهو في مكانٍ بعيدٍ، لحدّ أن أياً منهما لم يكن ليقدر على الوصول إلى الآخر، في ظل الوضع السياسي والأمني والعسكري الذي يسيطر على اليمن، ويحكم راهن اليمنيين، ويتحكم بحياتهم البائسة، منذ أكثر من 5 سنوتٍ عجافٍ قاسياتٍ.

شهدت أسعار القبور معدل ارتفاعٍ غير مسبوقٍ، إذ بلغت الزيادة في سعر القبر الواحد، في العاصمة صنعاء، خمسة أضعاف ما كان عليه في يناير الماضي. وأكد عاملون في واحدةٍ من عشرات المقابر بصنعاء، أنهم يستقبلون بالمتوسط 15 جنازةً في اليوم.


ومنذ قرابة الشهرين، ازدادت أعداد الوفيات في مناطقَ مختلفةٍ من اليمن، وبالذات في مدينتي صنعاء وعدن، بسبب عددٍ من الحُمّيات والأوبئة التي تجتاح البلاد، وتحصد أرواح العشرات يومياً.
وفي ظل ذلك، شهدت أسعار القبور معدل ارتفاعٍ غير مسبوقٍ، إذ بلغت الزيادة في سعر القبر الواحد، في العاصمة صنعاء، خمسة أضعاف ما كان عليه في يناير الماضي. وأكد عاملون في واحدةٍ من عشرات المقابر بصنعاء، أنهم يستقبلون بالمتوسط 15 جنازةً في اليوم، وتدوول مقطع فيديو، يظهر فيه عددٌ من الجنائز داخل مقبرةٍ، في الوقت ذاته. في حين أعلنت بعض المقابر إغلاق أبوابها، بمبرر أنها “ممتلئةٌ”، وغير قادرةٍ على استيعاب جثامينَ جديدةٍ.
الحروب والأعمال القتالية التي تدور رحاها في غير منطقةٍ من البلاد، والجوائح الفيروسية التي يتصدرها كورونا وحمى الضنك والمكرفس، جعلت أخبار الموت هي السائدة، مؤخراً، الأمر الذي سيطر على أحاديث الناس، ونقاشات مجالسهم ومقايلهم، وصارت معه صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حوائط عزاءٍ لا نهايةَ لها، وملتقياتٍ لتأبين الراحلين، وجداولَ دموعٍ يذرفها اليمنيون مدراراً، على كثيرٍ من أبناء بلدهم، يتخطّفهم الموت في جبهات المواجهات العسكرية، وفي بيوتهم، وفي المستشفيات، وعلى قارعة الطريق.
إن الحزن لاستشهاد يمنيين في مختلف الجبهات، لا يغني عن الحزن لموت شخصٍ من الأقرباء أو الأصدقاء، فلكلٍّ حقه من الحزن لفقدانه، أكان شهيداً أم قتيلاً أم فقيداً. فنحن في زمن الأوجاع المتلاحقة، والأتراح المتواصلة، زمن المصائب التي لا تأتي فرادى، والجنائز التي تتقاطر إلى المقابر أفواجاً، والمآتم التي لا تنفضّ مجالسها.
إنه زمنٌ لا ينفك يلازمنا فيه الفقدان، وتستبد بنا مشاعر الفقد المرّة والقاهرة، وتكاد تقتلنا تلك المشاعر العميقة التي نعجز عن البوح بها، أو نتردد في الإفصاح عنها، لكونها تُحدث فينا، كما في غيرنا، شروخاً غائرةً. وأكثر من ذلك، فإن حالة الترقب العصيبة لما تأخذه الأيام من أحبةٍ لنا أعزاءَ، تكاد تجعلنا من الهالكين.
زمنٌ كثر فيه الراحلون من الأحبة والأصحاب… وأرهقتنا المراثي والتعازي، وأكاد أقول: مللنا من ترديد عبارات النعي، وسئمنا من تكرار كلمات المواساة.

رصيدي من الأحبة والأصحاب، يتناقص يوماً فيوماً، وخسارتي بفقدانهم تربو وتزداد… ولا أكاد أنتهي من كتابة عزاءٍ، حتى تسطر الأحزان في كتاب حياتي، نعياً جديداً، ولا أغادر حزناً، حتى يداهمني حزنٌ آخر.


إنني، هنا، أكتب حروفاً حرّٙى، وأسطر جُملاً مُرةً، فيما قلبي يقطر دماً، ويلهج ألماً، وروحي تتشظى حزناً وأسىً على كل من فقدتهم طوال حياتي المليئة بالفقدانات الأليمة، والخسارات العظيمة. وإنني من فرط ما بي من الأحزان، صرت أخشى أن تبيضَّ عيناي، وتجف العبرات.

إن الأشخاص في حياتي، ليسوا، بالنسبة لي، منفصلين عني، ولا عن بعضهم البعض. إنهم يشكلون، وإياي، كياناً واحداً. لذلك، حين أفقد أحدهم، أفقد جزءاً مني، عزيزاً عليَّ، يُبكيني ويحزنني. وإذ أبكي وأحزن، فإنني لا أبكي فرداً، ولا أنجرف لحزنٍ واحدٍ، بل أتذكر كل الراحلين، فأجهش عليهم جميعاً، وأحزن حزناً عظيماً، بقدر ما يستحقه كل واحدٍ منهم.

وأنا أعيش، كل يومٍ، وسط أخبار الموت، وبين سطور المراثي، يمرُّ الراحلون أمامي، تتبعهم ذكرياتهم… فتتخلَّق في حلقي غصةٌ تلو غصةٍ، وتنبت في وجداني شجرة أحزانٍ عملاقةٌ؛ تنغرس جذورها في أعماقي، وتمتد فروعها في أرجائي.

إن رصيدي من الأحبة والأصحاب، يتناقص يوماً فيوماً، وخسارتي بفقدانهم تربو وتزداد… ولا أكاد أنتهي من كتابة عزاءٍ، حتى تسطر الأحزان في كتاب حياتي، نعياً جديداً، ولا أغادر حزناً، حتى يداهمني حزنٌ آخر.

يا إلهي. إن بي حزناً عارماً، يتغلغل في صميمي، ولا يتسع له قلبي المكلوم. وإنني من كثر ما رثيت الراحلين، بتُّ أخشى أنني، حين أموت، لن أجد من يرثيني.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.