fbpx

السؤال اليمني حول حقبة الاستعمار البريطاني؟

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

إن المتابعين اليوم للوضع السياسي اليمني، سوف يطعنون بالتدخلات البريطانية في شأن اليمن، بخاصة في ما يتعلق باهتمامها في الموانئ اليمنية (الحديدة – عدن)؛ التي استعمرتها منذ عام 1839م حتى يوم استقلالها في 30 نوفمبر 1967م، وأكثر الظن أن هذه الناستالوجيا؛ أو ما يمكن أن أسميه حالة الحنين، تذكرنا في حقيقة الأمر؛ أو تعيد إلى أذهاننا الزمن الكولونيالي؛ لهذه المستعمرة التي تم استغلال موقعها الجغرافي لمدة 128 عاماً؛ دون أن تحصل على فرصة حقيقية لإلحاقها بالعصر.

كان يمكن لعدن، بسبب موقعها، أن تصبح، خلال هذه السنوات الطويلة، مدينة عملاقة تتناسب مع عمقها الحضاري، مثلها مثل بقية بلدان العالم التي خضعت للاستعمار

كان يمكن لعدن، بسبب موقعها، أن تصبح، خلال هذه السنوات الطويلة، مدينة عملاقة تتناسب مع عمقها الحضاري، مثلها مثل بقية بلدان العالم التي خضعت للاستعمار، إلا أنها كانت الأسوأ حظاً؛ فالاستعمار امتص خيراتها، ولم يصن حقوقها، لأن أبناء اليمن الذين استقبلتهم عدن الكولونيالية، زجّت بهم في أشغال شاقة على السفن المهاجرة؛ فتشابكت خطواتهم في كل موانئ العالم، وازدادت المعادلة تعقيداً حين لم يعد معظم المهاجرين إلى الوطن الأم، فقد ذهبوا إما وقوداً للفحم الحجري الذي تشتعل به مولدات البواخر؛ أو فرائس رطبة لأسماك القرش.

 الكثيرون من عرب اليوم يدركون أن التقسيم الامبريالي لبلدانهم مازال مستمراً بشكل؛ أو بآخر، خصوصاً وأننا مانزال نسمع ادعاءات الاستعماريين الذين يصموننا بالإرهابيين والمتوحشين والبدائيين، وهو ما نستمع إليه كثيراً؛ آخره ما جاء على لسان دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، الذي صرح بأن النفط الذي تختزنه الأرض العربية، لا تستحقة، ولا يحق لها أن تتصرف فيه؛ لأنها بلدان جاهلة؛ لا تقدر ثروتها، وأن هذه الثروة الثمينة  يجب أن يذهب ريعها لأمريكا فقط، حسب ترامب، كما أسلفت.

الجميع يعرف كيف توسعت الأطماع الاستعمارية الأوروبية والبريطانية، مدعية أن الكتاب المقدس هو الذي ألهمها مساعدة العالم عبر التبشير بالدين المسيحي المخلص.

السؤال اليمني هو في حقيقة الأمر سؤال طرحه رحالة أوروبيون -أيضاً- جاؤوا إلى اليمن تحت ذرائع وأهداف عديدة؛ فهذا الفرنسي “بول نيزان” (1905-1940) يزور عدن، في 1926م، هروباً من النظام التعليمي في فرنسا، بل هروباً من النظام الاجتماعي برمته، والوضع الذي أعقب جحيم الحرب العالمية الأولى.

عاش نيزان في عدن بضعة أشهر، اشتغل فيها مدرساً خصوصياً في منزل عائلة إنجليزية، لكنه بعد عودته إلى فرنسا ألّف كتاباً عن تلك المرحلة التي قضاها في عدن، بعنوان “عربية عدن”، أُصدر عام 1931م، وتساءل فيه: هل كان عليّ أن أتوجه إلى عدن لأكتشف أسرار باريس؟ ويضيف أن آخرين وصلوا إلى هذه المعرفة، وهم يتطلعون إلى نهر السين.

“… لا يمكن أبداً أن تتصوروا هذا المكان. لا شجرة واحدة هنا، ولا حتى يابسة، ولا قشة واحدة من العشب، لا قطعة أرض واحدة، ولا نقطة ماء عذب. عدن فوهة بركان مطفأ ومطمور بالرمل في جوف البحر. لا يمكننا أن نشاهد فيها، ولا أن نلمس غير الحمم والرمل،”

بول نيزان الذي فر من الدمار النفسي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى، للبحث عن الشرق، لم يجد في مستعمرة عدن سوى البيض المحتلين، والهندوس الذين جُلبوا من الهند من أجل القيام بالأعمال الإدارية وحدهم، ووحدهم يستأثرون بالدفء، ويختبئون في أوكار صحية تحت المراوح في مكاتبهم المغلقة، بينما أهل البلد حفاة يمرقون بين الطاولات، وهم لا يضهرون إلا لماماً، وإن بدوا فإنهم “أشبه بأموات فوق أسرَّة من الحبال، بجوار قطعان من الأغنام، أو عمال الميناء من الحمالين الذين يفترشون العراء في الدكة”.

وهي رؤية تتسق مع رؤية رامبو لعدن، الذي زارها قبل نيزان بعدة عقود قليلة. يقول رامبو في رسالة بعثها من عدن إلى أهله: “… لا يمكن أبداً أن تتصوروا هذا المكان. لا شجرة واحدة هنا، ولا حتى يابسة، ولا قشة واحدة من العشب، لا قطعة أرض واحدة، ولا نقطة ماء عذب. عدن فوهة بركان مطفأ ومطمور بالرمل في جوف البحر. لا يمكننا أن نشاهد فيها، ولا أن نلمس غير الحمم والرمل، التي لا تطلع فيها أية نبتة كانت. الضواحي المحيطة بها صحراء من الرمل مجدبة تماماً. إلا أن جنبات البركان تمنع هنا الهواء من أن يبلغنا؛ فنشوى في عمق هذه الفجوة؛ كما لو أننا في فرن كلسي”.

والحق أن عدن احتضنت رامبو، وفيها عمل تاجراً للبن، ومنها انطلق إلى الحبشة، ليتاجر في السلاح والعبيد.

من جهة أخرى، يرى نيزان -الذي يميل لليسار الفرنسي، واشتهر بأنه صديق جان بول سارتر- أن الوجه الآخر من حياة الأوروبيين في عدن، رتيبة، لأنهم يحيون بدون احتفالات ترفيهية، ولا سينما ولا أفلام ولا صحف ولا مسارح أو مكتبات أو دور نشر. كأنه يريد أن يقول إن هذا الاستعمار الذي استنزف الموقع الجغرافي في هذه الرقعة من الأرض، لم يجلب للسكان سوى الضجر، خصوصاً إذا عرف الباحث أن وجود الإنجليز في عدن تجاوز الـ87 عاماً، حين وصلها بول نيزان.

بعد عقدين من هذه الزيارة، وتحديداً في 1951م، قدمت إلى اليمن، عبر عدن، الطبيبة الشهيرة كلودي فايان، صاحبة الكتاب القيِّم “كنت طبيبة في اليمن”. استخدمت فايان نفس جُمل رامبو في وصف عدن: “إننا نشوى في فرن جيري”. حقاً إن عين الغرب واحدة، ولسانها واحد.

وفي معرض حديثها عن الآثار اليمنية القديمة، وما يلحقها من سرقات الحفريين الأجانب والسكان الأصليين، قالت فايان: “يجب الاعتراف أن الإنسان إذا سافر إلى بلد كهذا أو عاد منه، فإنه يكون موضع استغراب”، تقصد في أوروبا. وهنا يتجلى مربط السؤال اليمني حول حقبة الاستعمار الطويلة التي رافقها نهب الثروات.. ترى أين ذهبت عائدات 139 عاماً، في ثاني أهم ميناء عرفه العالم بعد نيويورك، إبان أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم..؟ ولماذا كل هذه النظرة الاستعلائية -لليمن واليمنيين- المشفوعة باحتكار الأرض والإنسان؟

نستنتج من ذلك، ومن رأي التاجر الفرنسي الشهير “إنتوني بس” -الذي كوَّن ثروة طائلة في عدن، منذ بداية القرن العشرين- وهو ينصح كلودي فايان، كما نصح البعثة الطبية قبل لقائها معه بـ3 سنوات: “ستندمين إذا ذهبتِ إلى اليمن… إن اليمنيين ليسوا في نظره إلا مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق”.

ترى، لماذا كل هذه النظرة الاستعلائية الممهورة باستنزاف الأرض والانسان؟

وفي هذا السياق، يقول إدوار سعيد: “بيد أن الحقيقة التي تكاد تنطبق على كل مكان في العالم غير الأوروبي، هي أن وصول الرجل الأبيض قد استثار المقاومة إلى درجة أو أخرى”. وهو ما يعني أن هناك ملحمة جنائزية دارت بين ما يسمى الشرق وما يسمى الغرب، وأن هذه المعركة سعت إلى مواجهه مكتملة، لكنها ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية ونفسية مترابطة، مايزال رنين سياطها يزعج المفاهيم الحضارية وتكويناتها النمطية.

وفي هذا السياق، رأينا اليوم كيف خرجت المظاهرات الساحقة في أمريكا والعالم، إثر استشهاد “جورج فلويد”، وهي مظاهرات تنفيسية تراكمية لم تراعِ أية قواعد للنظام، وكان من نتائجها تحطيم كل التماثيل الأوروبية والأمريكية التي يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من 200 عام، وذلك لأن هذه التماثيل تجسد شخصيات رأى نحاتوها أنها تجسد الوطنية والقومية، فيما رأى محطموها أنها تجسد الاستعمار والعبودية، ولا يستطيعون أن يتخيلوها بدون سوط.

ومن المفيد هنا أن نشير إلى أن ثمة لغة لم تُكتشف بعد بين القاهر والمقهور، يقول محمد عناني، متحدثاً عن الاستشراق الذي دفع بالاستعمار إلى احتلال بلدان العالم الثالث: “إننا إذا لم نفحص الاستشراق في صورته اللغوية، فلن نفهم أبداً ذلك المبحث الذي يتسم باتساق بالغ، والذي مكَّن الثقافة الأوروبية من إدارة الشرق -بل ومن إنتاجه- سياسياً واجتماعياً وعسكرياً وأيديولوجياً وعلمياً وخيالياً، في فترة ما بعد التنوير”.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.