fbpx

الفن قصة السلام الخفية

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

للفنون تصورات مختلفة عن العالم الواقعي، وإن كانت متصلة به بصورة أو بأخرى، لكنها تأتي من عالم الرؤى المنبثق من الخيال. عدا أن الفن لا يبني وقائع، ولا يؤثر بصورة ميكانيكية، وإن كان في انجذابه للواقع أشبه بقانون التربيع العكسي، لكن بصورة أكثر حرية. مع هذا، لا يمكن افتراض شكل هندسي لتلك العلاقة، إنما بغموض انفعالاته. لكن كيف يمكن للفن أن يسهم في إحياء مسار السلام في اليمن؟ هل لتلك الرؤى، المفترض تجردها عن أية مباشرة، إحالة رماد الحرب مصنعاً للتعايش؟
يستعير الفن من الواقع مضامينه، حتى تطور الموسيقى كانت تخفيه أشكال ميكانيكية وفيزيائية، الآلات والأصوات. يردم الفن صورة الحياة الناقصة، إنه توق لكمالها. بينما الفصائل المتحاربة تُعمق الإساءة للحياة، وتُبيح قبحاً على الفضاء العام. هذا التشويه بالشعارات والدعاية المتطرفة، يضفي أفقاً ضيقاً تملأه الشقاقات.

تفتقر اليمن إلى وجود حاضن يرعى الفن، وتلك أزمة عميقة ربما أكبر من حدوث الحرب، لذا تتشكل الأهواء التي تطعم الحرب وقوداً. ومع أن السلام محتجز عند أطراف الصراع، وهي المستفيدة من إطالته.


تفتقر اليمن إلى وجود حاضن يرعى الفن، وتلك أزمة عميقة ربما أكبر من حدوث الحرب، لذا تتشكل الأهواء التي تطعم الحرب وقوداً. ومع أن السلام محتجز عند أطراف الصراع، وهي المستفيدة من إطالته.

كما أنه بعيداً عن المثاليات، أثناء المعارك يكون السيف أقوى من سيمفونية عظيمة كتاسعة بيتهوفن التي تنتهي بغناء كورالي لنشيد السعادة، وهو من شعر الألماني شيلر. عدا أن قوة العمل الفني في ديمومته، فالحرب لا تستمر حتى النهاية، بينما الفن الرائع هو المطرقة التي تعيد دائماً تشكيل الإنساني فينا. ولأن مادة الفن مخيفة للفاشيات، حاولت دائماً الاستيلاء عليها، أو تحريمها في حدود تصورها.
بعيداً عن هذه التعارضات، لدى الفن قوة عظيمة لكسر حدود اللغة والقومية والعرق، ويشكل لغة شاعرية يمكنها التأثير بين طرفين متنازعين. فالفن بدرجة أساسية يحمل مضامينه الخاصة والجامعة لثقافة حتى في وجود أشكال متعددة ومتنوعة تنخرط فيه.
ففي الوقت الذي حددت فيه الحرب حدوداً تفصل بين متنازعين، وترسم لهم هامشاً من الاستقلال المحلي، يمتلك فن الغناء -على سبيل المثل- نفوذاً يمكنه اختراق الحدود الطائفية والمناطقية. وهذا مرتبط بالفضاء التعبيري المشترك، لكنه أيضاً ليس بمعزل عن محاولات تمارس فيه تعسفاً لتقسيمه أو مركزته، بمعنى أنه يصبح مشكلة لتحيز مناطقي، وذلك لم يمنع بسطاء الناس من التعامل معه كفن يمني يعبر عنهم.
لكن الصورة المثيرة للسخرية، ظهور فيديو لقائدين مسلحين في المجلس الانتقالي؛ أحدهما شلال شائع، يحتفلان بنصرهما في طرد الحكومة من عدن، على إيقاع زامل حوثي.

أحيا الحوثيون فناً شعبياً كاد ان ينقرض، وجعلوه نشيدهم الحربي أو الحماسي. لكن المقاتلين في الطرف الآخر يستمعون له أيضاً. فهل من الممكن إيجاد أغنية تؤدي نفس وظيفة الزامل، لكن من أجل صنع السلام؟

ويعكس ذلك مدى تعلق تلك القيادات بالزوامل القادمة من الشمال، بصورة معاكسة لنزوعهما الانفصالي. على أنه تأكيد بتوافق ضمني حول السياق العام للحرب. ففي لحظات كهذه تطمح للاستقلال، لا ينبغي حضور تلك الرمزية التي مازال يمثلها طرف مُهيمن. بينما الزامل الحوثي شكل إحياء وظيفياً لفن شعبي، بغرض شحن معنويات المقاتلين الحوثيين.
أحيا الحوثيون فناً شعبياً كاد ان ينقرض، وجعلوه نشيدهم الحربي أو الحماسي. لكن المقاتلين في الطرف الآخر يستمعون له أيضاً. فهل من الممكن إيجاد أغنية تؤدي نفس وظيفة الزامل، لكن من أجل صنع السلام؟ وربما لا يقتصر الأمر على الموسيقى، بل يتعداه إلى كافة الأنشطة الفنية. وذلك يتطلب رعاية، أو احتضاناً يزدهر حوله شكل معين من التعبير الفني، والذي من الممكن أن يؤدي رسالة فنية بدرجة أولى، لكنها تتعاطى في قضايا جوهرية، مثل أن تكون أغنيات سلام، ولا بأس أن يكون هناك مساحة مُتاحة للتعبير الذاتي، فالفن يكون أفضل خارج الأغراض المباشرة.
تعامل الحوثي مع الزامل كلغة تعبيرية تستهدف النسيج القبلي، إذ جاءت من ثقافة قبلية. لكن بمفرداتها السهلة اللحنية والشعرية، قادرة على الوصول للفئات البسيطة، وبصورتها الحماسية تخلق ذلك التوتر الحماسي للقتال، والحافز العصبي للقتال. وهي لا تتطلب قدرات عالية في أدائها، إنما حدوداً معينة.

يلعب الفن دوراً جمالياً في تعميق قيم تنبذ الحرب، وتنشد التقارب مع مفاهيم الحياة الخلاقة.


ربما لست مع أن يكون للفن دور وظيفي، لكن الموسيقى تطورت في نسق وظيفي من أجل طقوس العبادة. وبما أن السلام ذو طابع روحاني، فإن الموسيقى قادرة على التعبير عنه، لكنها تتطلب جهوداً مضاعفة، وليس بنفس التبسيط والبناء على عنصر الزامل التقليدي.
من ناحية، يلعب الفن دوراً جمالياً في تعميق قيم تنبذ الحرب، وتنشد التقارب مع مفاهيم الحياة الخلاقة. وحتى يكون هناك دور مباشر في صياغة شكل للسلام، ينبغي أيضاً إيجاد عناصر محلية قادرة على النفاذ السريع إلى ذائقة الناس. لكن قوتها ستحدث من خلال إيجاد مضامين ابتكارية حولها. إضافة إلى إتاحة مساحة لتدريب واستكشاف فنانين في كافة الأنشطة. والرعاية ستفجر الطاقات، ثم ستنبثق مجالات متعددة في الفن، وهذا يشبه حركة مُضادة للنزاعات والحروب.
خلال 3 عقود من حكم صالح وتحالفه مع تيارات متطرفة، حُكم على الفنون التي كان بعضها في طور النشوء، أن تحتضر. ثم ماذا حدث؟ كان من السهل إفراغ الواقع من أي صوت، امتلأت الساحة بأصوات ساسة متبطلين وعديمي الخيال، حركتهم العواطف والتطلعات الضيقة. بينما لم يكن للفن منصة قادرة على إدانة بشاعة العالم، أو إعادة تشكيل جماليات مفقودة. هناك ما يشبه الصواب في الفن، حتى في أخطائه، وهذا ما يمنحه نفوذاً لا يشبه سلطة السياسة، إنما في التأثير العميق وغير المباشر.
وبدلاً عن الفنون، تحولت المنصات فضاءً للضجيج، وتنفسنا الهواء السام، وتشوشت عقولنا حداً جعلنا غير قادرين على التمييز. فقدنا كيمنيين القدرة على تمييز مصالحنا، وانسلخ عالمنا في أوهام ضاعفتها الحرب.

وكان للتطرف الديني دور حرض فيه على الفنون، وجعل علاقته ملتبسة مع المجتمع. وتواطأت السياسات المسدودة مع تلك الأشكال التي هيأت لنا أفقاً ضيقاً، حد من الخيارات. يا له من عالم شحيح وعقيم، لا فن فيه أو إبداع، وكان للحرب أن تسوق المجهول، إلى ظُلمات شديدة الكآبة.

هناك تبسيط عام يمنح الرديء أو نصف الموهبة، سطوة للتعبير بصوت عالٍ. وكم كان مضحكاً حين احتفى اليمنيون بشاب يضرب إيقاع البرع بصخب وضجيج، لكنه فقط يهز رأسه بحركات تزعم حداثة في صُلب التقليدي


وبدا أن الفضاء العام كفيل بصنع فنانيين حرفيين غير جيدين في العادة، وكل ما فعلوه الحفاظ على التقاليد دون أن يبتكروا أو يدفع فيهم محيطهم حس الابتكار. وكان في ذلك تجسيد لعدم وجود حركة في الزمن. لكن الفضاء العام زاد بشاعة بألوان وشعارات وأيديولوجيات، وكانت أشكالاً تلتهم كل الحواس.
ثم هناك تبسيط عام يمنح الرديء أو نصف الموهبة، سطوة للتعبير بصوت عالٍ. وكم كان مضحكاً حين احتفى اليمنيون بشاب يضرب إيقاع البرع بصخب وضجيج، لكنه فقط يهز رأسه بحركات تزعم حداثة في صُلب التقليدي. وكانت صورة الشواش تلتهم الوعي العام، وكثيراً ما تتوجه الحماسة في المكان الخطأ في الفن والسياسة، وكما يثير المتحذلقون إعجاب كثيروين.
صحيح أن اليمن لديها تقاليد فنية بسيطة، لكن تنوعها يشكل ثراء ثقافياً متفرداً يمكن البناء عليه. بينما السلام علينا أن نبحث عنه في أصل الشقاق، وهي قصة طويلة سيكون للفن دور فيه بصورة أو بأخرى. وكما قلنا لا يؤثر الفن على الأفعال في الواقع، لكنه يعزز الخيال الذي ينتج تصورات خلاقة. فعندما تنافست الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية على الدين والسياسة، حدثت أبشع الحروب الدينية، فيما تنافسهما على الموسيقى أنتج فناً عظيماً تعايش فيه الإنسان بصرف النظر عن دينه.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.