fbpx

اغتيال العقل

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

عبرت التهاني الموجهة للناجحين في الثانوية العامة، بتفوق، في النطاق الواقع تحت سلة الحوثي، عن بهجة عارمة لدى الآباء والأقارب.
ليس هناك تحليل من وزارة التعليم لنتيجة الشهادة العامة، تبين نسبة الحائزين على أعلى الدرجات، ونسبة الذين حصلوا على درجات متوسطة أو دنيا. وفي الأنظمة التعليمة التي يحدد فيها مستوى الطالب بناءً على امتحان نهاية السنة، لا يكون التقييم أميناً في قياس مستوى الذكاء والتحصيل العلمي والاستعداد لدراسة تخصص معين في المراحل العليا. على خلاف ذلك، يقترب التقييم من الواقع في الأنظمة التعليمية التي تعتمد حساب الدرجات في ضوء معايير متعددة تشمل مدى تفاعل الطالب وأدائه في الفصل، ثم الامتحانات الشهرية والفصلية، وغيرها من المعايير المستخدمة في البلدان المتقدمة.

إن التقييم على أساس الامتحان الوحيد ليس منصفاً، فإن بعض الطلاب قد يجرون الامتحانات في ظروف قاهرة، كالمرض أو المشاكل الطارئة، فيما يساعد الحظ الأقل ذكاءً وتحصيلاً إذا ما صادفت أسئلة الامتحان من دروس استوعبوها دون غيرها.


إن التقييم على أساس الامتحان الوحيد ليس منصفاً، فإن بعض الطلاب قد يجرون الامتحانات في ظروف قاهرة، كالمرض أو المشاكل الطارئة، فيما يساعد الحظ الأقل ذكاءً وتحصيلاً إذا ما صادفت أسئلة الامتحان من دروس استوعبوها دون غيرها.
كذلك لا تصدق النتيجة في وجود ظاهرة الغش التي انتشرت، خصوصاً في السنوات الأخيرة، بتواطؤ من مراقبي الامتحانات، وبمباركة من الإدارة التعليمية.
إن هذه التحفظات لا تعني بأية حال أن جميع من أحرزوا التفوق، ليسوا أهلاً له، إذ لا شك أن كثيراً منهم استحقه بجدارة.
وأياً ما كان، فإن المعدلات المرتفعة تفتح الأبواب أمام أصحابها للالتحاق بالكليات التي يفضلونها. وأما الذين لم يكن الحظ من نصيبهم، فسوف تتحكم باختياراتهم سياسة القبول، فيذهب البعض إلى دراسة تخصصات لا يميلون إليها كل الميل، ويُكره آخرون على دراسة علوم ينفرون منها.
لا بأس. ما الذي ينتظر هؤلاء كلهم؟

لما كان التعليم هو مفتاح ملاحقة العصر، فإننا أمام كارثة حقيقية. وقلت ملاحقة العصر، وليس الوصول إليه، لأن هذا لم يزل في طي الغيب، حتى يأتي نظام حكم يملك من الجسارة والإرادة ووضوح الرؤية، ما ملكته دول مثل الصين والهند، استطاعت أن تقلص الفجوة بينها وبين الدول الواقفة على القمة.


في أي الجامعات سوف يتلقون تعليمهم، بعد أن أخرجت اليمن من التقييم العالمي لجودة التعليم؟
سوف يتلقون تعليماً رديئاً في اليمن. وفي الخارج لن تقبلهم الجامعات والمعاهد العليا، إلا في البلدان المصنفة مثلنا خارج التقييم العالمي لجودة التعليم. ثم بعد أن ينالوا البكالوريوس، لن يجد أي راغب في دراسة المراحل العليا، فرصة إلا في هذا الإطار المنبوذ.
ولما كان التعليم هو مفتاح ملاحقة العصر، فإننا أمام كارثة حقيقية. وقلت ملاحقة العصر، وليس الوصول إليه، لأن هذا لم يزل في طي الغيب، حتى يأتي نظام حكم يملك من الجسارة والإرادة ووضوح الرؤية، ما ملكته دول مثل الصين والهند، استطاعت أن تقلص الفجوة بينها وبين الدول الواقفة على القمة.
وفي بلادنا كنا معذورين إلى وقت قريب، فقد انفتحنا على العالم، وحاولنا الخروج من إسار التخلف بعد ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، واستطعنا أن ننجز كثيراً رغم الانكسارات والانحرافات والكبوات. وبعد عهود طويلة من الظلام، أطلقت حركة التعليم، واتسعت قاعدته، وتخرج عشرات الآلاف من الجامعات من شتى البلدان، وفي مختلف التخصصات، مع ذلك فإن البلاد لم تستفد منهم، بالقدر الكافي والواجب. حدث ذلك لأن القبلية استولت على الدولة، واحتكرت السياسة، واحتقرت الثقافة والعلم، وألحقت بهما أذىً كبيراً، ومن ثم أعاقت الدولة عن تأدية وظيفتها في النهوض بالبلاد، وتسريع الخطى لاجتياز مسافة التخلف.

منذ أواخر الستينيات، مورست أقصى أشكال العنف ضد المثقفين، وسيق إلى الموت والسجن أكثر رجال اليمن قدرة على العطاء والإنتاج. والذين لم تبتلعهم القبور والسجون، التهمهم الإهمال والنسيان، وحُرمت البلاد من مهاراتهم وإخلاصهم، حيث سلمت المسؤولية إلى الذين ينقصهم العلم والكفاءة


وفي المشوار الطويل منذ أواخر الستينيات، مورست أقصى أشكال العنف ضد المثقفين، وسيق إلى الموت والسجن أكثر رجال اليمن قدرة على العطاء والإنتاج. والذين لم تبتلعهم القبور والسجون، التهمهم الإهمال والنسيان، وحُرمت البلاد من مهاراتهم وإخلاصهم، حيث سلمت المسؤولية إلى الذين ينقصهم العلم والكفاءة، ويرتفع في ذواتهم الاستعداد لأن يفرطوا بمصلحة المجتمع من أجل مصالحهم الخاصة.
كان أسوأ تعبير عن الإهانة للعقل، أن فرص التأهيل في المراحل العليا (الماجستير والدكتوراه)، استأثر بها من لا يسكنهم الشغف بالعلم، وإنما يرجون الشهادة التي توصلهم إلى الوظائف. وفي مراحل التأسيس الأولى وما بعدها، كانت الإدارات الجامعية تراعي المعايير العلمية والقانونية في الابتعاث للدراسات العليا، حتى حشرت الأجهزة أنفها، وراحت تبعث إلى الجامعات في الخارج من يعوضون عن الاستعداد للتعلم بالاستعداد لتقديم التقارير، فجاءت المخرجات رديئة النوع، ضعيفة المستوى.
هناك استثناءات بالطبع. فبين حمَلة الشهادات العليا أفذاذ في العلم وفي الوطنية، غير أن هذا النادر أُجبر على أن يشتغل تحت وطأة التضييق من قبل الأكثرية الرديئة التي استولت على الإدارة الجامعية، واستولت من بعدها على وزارة التعليم، ثم على وزارات ومصالح مختلفة، عندما حلت عقدت “الدال” في مزاج الرئيس السابق علي عبدالله صالح، رحمه الله. وكذلك اتجه التعليم إلى الانحدار في الجامعات وفي المدارس.
والحق أن الفساد هو الكلمة التي تلخص كل أسباب انهيار وتردي التعليم في اليمن، إذ هو الذي يقف وراء اختيار القادة التربويين من عناصر لا تتوفر فيها النزاهة والخبرة والمعرفة. والفساد هو الذي جعل موازنة مصلحة شؤون القبائل تفوق بعشرات المرات المبالغ المخصصة للبحث العلمي، وهو الذي جعل نصيب التعليم من الموازنة العامة شديد الانخفاض من المعدلات التي تقرها الحكومات المهتمة بالتنمية البشرية في العالم كله. ومع هذا الانخفاض، فإن الجزء الأكبر من موازنة التعليم تلتهمه الإدارات الفاسدة، ويترتب عليه نقص في المنشآت والوسائل التعليمية، وافتقارها للمواصفات المتعارف عليها، وكذلك عجز في المدرسين، وانخفاض مستوى أدائهم بسبب حرمانهم من التأهيل والتدريب.
ويذهب الفساد ليعتدي على المنهج، فلا يكلف بإعداده ذوو العلم، بل يتولاه من ترى الإدارة التعليمية أنهم أحق بالمكافأة.
لن أخوض في تفاصيل كثيرة، لكني سأروي حكاية مما شاهدت، تجلب الفزع. وقد كنت أذاكر لابني في إحدى السنوات، دروساً في النحو، ولاحظت أن المقرر المدرسي يقدم درس الفاعل حين يأتي ضميراً متصلاً عليه حين يكون اسماً ظاهراً. فهو يحاول إفهام التلميذ أن تاء المتكلم فاعل في “فهمت الدرس”، قبل أن يعرف الفاعل في “فهم محمد الدرس”. وأسوأ منه، فإن الكتاب المقرر المطبوع، يقدم الضمير المتصل في محل نصب مفعول، باعتباره محل رفع فاعل، كأن يقول يطربني الغناء، ويضع خطاً مستقيماً تحت يطربني، لاعتبار الضمير محل رفع فاعل.
هكذا في مؤلف يمكن لخريج مدرسة ابتدائية أن ينتقده ويسخر منه.
وفي مقرر التاريخ، هالتني المعلومات المغلوطة. ولا أتذكر الآن اسم الجامع الذي نقله المنهج الدراسي من قرطبة إلى غرناطة في الأندلس، لكن لا أنسى أن الكتاب المدرسي يقول بأن ابن خلدون بكى على غرناطة يوم سقطت في أيدي القشتاليين، ولم يعرف مؤلف التاريخ هذا أن ابن خلدون توفي في 1406، قبل 86 سنة من سقوط الأندلس، في 1492.
ماذا في العلوم الأخرى؟
ماذا في الفيزياء والكيمياء والرياضيات؟ ماذا في الفلسفة والاجتماع؟
لست أعرف.
ولكن لماذا؟
المهم أن المكافأة تُمنح للمؤلفين، وهم قائمة طويلة، يتقدمهم الوزير وكبار الموظفين، كما دونت في عتبة كل الكتب المقررة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.