نوفمبر المراوغ

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

هل يجوز النشر عن نوفمبر في ديسمبر؟
لقد وصلت متأخراً. لا بأس، فإن نوفمبر مضى، وأخبرنا أنه كان مراوغاً معنا، يعطينا أحياناً، ويسلبنا غالباً. وعندما يسلب فإنه ينتزع شيئاً ثميناً، وأما حين يعطي فقد يمد يده بسخاء، وقد يتقشف.
إن فلسطين هي أعظم وأغلى ما أخذ منا. قدمها، بوعد لئيم، الاستعمار البريطاني، هدية منه لليهود، وإليها سهّل لهم الهجرة من الشتات، وفيها مكّنهم من إقامة المستوطنات وبناء وتسليح التنظيمات الإرهابية التي شكلت ما سمي في ما بعد جيش الدفاع الإسرائيلي.
صدر ذلك الوعد في الثاني من نوفمبر 1917، وفي الأول منه 1954، اندلعت حمم النار في الجزائر، لتعلن انبثاق واحدة من أعظم حركات التحر التي شهدها القرن العشرون. هنا أعطى نوفمبر بكرم لا حدود له، وإن قبض ثمناً باهظاً.

إن مليوناً ونصف المليون من الشهداء تستحقهم الحرية والانعتاق من استعمار أراد أن يطوي البحر، ويبتلع الجزائر، حين اعتبرها جزءاً من فرنسا. لم يقف الاستعمار الفرنسي عند حدود الاحتلال العسكري واستغلال خيرات البلد، وإنما راح يلغي شخصيتها، ويطمس هوية شعبها، ويوطن فيها أكثر من مليون من الفرنسيين ومن ابناء جنسيات أوروبية أخرى.
تفصل 37 سنة بين الوعد بالمأساة في القلب منا، وبين انطلاق شرارة التحرير عند ذراعنا اليسرى، هناك في الجزائر، لكن المسافة تضيق إلى 25 يوماً بين جريمة طعن الثورة في صنعاء، 5 نوفمبر، وبين خروج المحتل البريطاني من عدن، في الـ30 منه.
في حدثي نوفمبر اليمنيين، كان الغدر في ثورة 26 سبتمبر أقل فداحة بالطبع من ضياع فلسطين، كما أن استقلال الجنوب لم يكن بالحدث المبهر قياساً بالجزائر. أكان هذا بالنظر إلى طبيعة الاستعمار هناك وهنا، أو بقياس ما أعقب رحيلهما من البلدين.
والمتأمل في مشروعي الاستعمار والثورة في كل من اليمن والجزائر، يلاحظ مشتركات واختلافات تستلفت الانتباه. وكانت المنافسة محمومة بين بريطانيا وفرنسا للاستيلاء على طرق التجارة، والاستحواذ على الأسواق والموارد الطبيعية، إلى درجة أن احتلال نابليون لمصر استدعى أن يلحق به ويلسون، ويدمر أسطوله في “أبي قير” غرب الاسكندرية.
في 1930، عبر الأسطول الفرنسي البحر الأبيض، واحتل الجزائر، وبعد أقل من 9 سنوات، حط الكابتن هنس في عدن، قادماً من الهند. وكان حاكم الهند البريطاني نائباً للملك، يمسك بيده كل السلطات، بحكم المسافة البعيدة بين لندن ودلهي. وهكذا ظلت مستعمرة عدن تتبع نائب الملك في الهند، إلى أن استقلت الأخيرة في 1947، وأصبح المندوب السامي في عدن يخضع لسلطات لندن مباشرةً.
استمر الاستعمار الفرنسي هناك في الجزائر، والبريطاني هنا في اليمن، الفترة الزمنية نفسها تقريباً.

ولقد أعقب استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، قيام ثورة 26 سبتمبر التي قوضت حكم الأئمة في صنعاء، وهيأت للتحضير للكفاح المسلح في عدن، وإنجاز الاستقلال في الخاتم من نوفمبر. وفي البلدين كليهما تلقت الثورة دعماً مباشراً من مصر.
تلك هي المشتركات. وأما الاختلافات، فقد نرى أن فرنسا نشرت جيوشها في أرجاء الجزائر، ما استدعى أن تشمل الثورة الجبال والقرى والبلدات والمدن في البلاد كلها. وأما في اليمن، فقد استولى الإنجليز على عدن، وألحقوا السلطنات والمشيخات بروابط سياسية مع استقلال إداري، بل إن بعضها نظمت الحياة العامة وفق دساتير في غاية الحداثة، كما في سلطنات العبدلي في لحج، والفضلي في أبين، والقعيطي في حضرموت. ولهذا اقتصر الكفاح المسلح على عمليات فدائية في عدن تقريباً.
وفي الجزائر، عبرت حركة التحرير الوطني عن نفسها في فصيل واحد ووحيد، يحمل توجهاً وطنياً بآفاق عربية وأفريقية، خرجت منه شظايا صغيرة لم تسفر عن انقسام عمودي، ولم يتبلور منها فصيل موازٍ ومنافس. وبقيت وحدة وصلابة جبهة التحرير الوطني، وظلت فوهة البندقية على مدى 8 سنوات مصوبة إلى صدر المحتل وحده. ربما يرجع الفضل في هذا إلى أن الجبهة لم تختر من أحزاب وحركات قومية أو أممية، كما إلى الكاريزما والملكات التي تمتع بها هواري بومدين، قائد جيش التحرير.
في جنوب اليمن، انقسمت حركة التحرير إلى فصيلين، ونشب الصراع، وانحرفت البندقية، وشبت الحرب بين الجبهة القومية بقيادة الفرع اليمني لحركة القوميين العرب، وبين التنظيم الشعبي للقوى الثورية، ذي الميول والالتزام الناصري، وكان يشتغل تحت راية جبهة التحرير.
وراء هذا، العلاقة الشائكة بين حركة القوميين العرب والنظام الناصري في مصر. والحركة نشأت في الجامعة الأمريكية في بيروت، بزعامة جورج حبش وهاني الهندي، تحت راية الدعوة إلى العودة لفلسطين، وبشعار النار والثأر، ثم اتخذت الشعار الناصري المعروف “حرية – اشتراكية – وحدة”، بعد أن أصدر جمال عبدالناصر “الميثاق”، في 1962، إلى أن اهتدى محسن إبراهيم إلى الماركسية سبيلاً وحيداً للثورة، ودخلت الحركة في خصام مع النظام الناصري الذي كان باذلاً وكريماً معها، وانسحب هذا بالطبع على فرع الحركة في اليمن.
كانت مصر هي التي تدرب الثوار في الجنوب، وتزودهم بالمال والعتاد والسلاح. ولا أظن الجبهة القومية على مصدر آخر للتسليح، بعد أن اتخذت موقفاً غير ودي من النظام في مصر، الذي حاول توحيدها مع جبهة التحرير في يناير 1966. وقد قيل إن المنتصر يكتب التاريخ، ولأن التنظيم الشعبي للقوى الثورية هو الذي وجه أعنف الضربات لجنود الاحتلال، فقد قررت بريطانيا أن تسلم الاستقلال للجبهة القومية. ليس لهذا وحده، بل نكاية بجمال عبدالناصر.
وقد سمعت مرة من الراحل محمد علي هيثم، أول وزير داخلية بعد الاستقلال، ورئيس الوزراء عقب إطاحة قحطان الشعبي، في 22 يونيو 1969، أن الإنجليز عرضوا على جبهة التحرير أن يسلموهم الاستقلال على أن يتولوا 60% من الحكومة، و30% للجبهة القومية و10% لبقية الفصائل؛ الرابطة وما دونها.
قال هيثم إن عبدالله الأصنج نصح بالموافقة، واعتذر الآخرون، لأنهم يريدونها كاملة. حدث هذا في اجتماع مع مسؤول بريطاني، لعله وزير الدولة للشؤون الخارجية، في فندق الإخوة بتعز. وفي المساء اتصل قادة جبهة التحرير بالسلطات المصرية، فشجعتهم على الموافقة، ولما طلبوا من الأصنج إبلاغ المسؤول البريطاني، اعتذر الأصنج.
وطبقاً لهيثم، فإن وزير الخارجية البريطاني سئل عندما كان في رحلة إلى الشرق الأوسط، في مطار الكويت، ما الذي ستفعله بريطانيا بعد أن تخرج من عدن، أجاب بكلمة واحدة “تاجر”.
وبالفعل قام نظام خلق قلقاً لدى الأنظمة المحيطة به، فراحت تشتري السلاح إلى حد البطر، لكنه في كل الأحوال بقي نظاماً وطنياً انحاز للفقراء، وإن كان قد أكل خصومه قبل أن يلتفت إلى نفسه، ويأكل أعضاءه، في دوامة عنف انتهت إلى وحدة غير مأمونة، ثم إلى حرب شردت رموزه الباقين، وإلى تداعيات أسفرت عن هذا الخراب المقيم في اليمن الآن.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.