عن اليمني بردونيًا

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

يمثل المبدعون بمختلف مجالاتهم، شعرًا ونثرًا وأدبًا وفلسفة وفنًّا ورسمًا، في حياة شعوبهم، حالات إبداعية استثنائية، وبخاصة حينما ينطلقون كمعبرين عن آلام شعوبهم وآمالهم وأحلامهم وطموحاتهم، في هذه الحياة، وهنا تتجلى إبداعاتهم كأعلى تجليات الذات الجمعية وهويتها الوطنية والثقافية معًا. ووحدهم المبدعون الكبار من يتفردون بنقش هذه اللحظات وتخليدها في الذاكرة الجمعية لشعوبهم، وهذه ربما هي الميزة الفريدة التي حظي بها شاعر اليمن ورائيها الكبير عبدالله البردوني.
فبعد عقدين على رحيله، احتل ولايزال البردوني الشاعر والأديب والمفكر والمؤرخ والفيلسوف اليمني، هذه المكانة الفريدة يمنيًّا، كواحد من أهم رموز وأعلام ليس اليمن فحسب، وإنما العالم العربي كله، كظاهرة استثنائية، تزداد وهجًا واحتفاءً وحضورًا، كلما ابتعدنا زمنيًّا عن ذكرى رحيله الأليم في 30 أغسطس 1999.

الظاهرة البردونية، ظاهرة إعجازية فريدة من نوعها اليوم وغدًا، ليس في مناحي الإبداع المتعددة، وإنما بسلوكه وروحه النضالية والمثقفة التي استعصت على كل صنوف الإغراء والتطويع السلطوي .


21 عامًا مضت على رحيله، ولايزال البردوني حديث الدنى والآكام، كظاهرة ربما لا تتكرر إلا كل بضعة قرون، ليس شعريًّا فحسب، وإنما كظاهرة مكتملة جمع فيها البردوني كل مناحي الإبداع الإنساني وخصائصه، من الشعر للأدب للفلسفة للسياسة والتاريخ، مرورًا بالاجتماع والفقه، وصولًا حتى الظاهرة الثقافية كرمز للمثقف الرسالي الطليعي كما تخيله غرامشي.
فالظاهرة البردونية، ظاهرة إعجازية فريدة من نوعها اليوم وغدًا، ليس في مناحي الإبداع المتعددة، وإنما بسلوكه وروحه النضالية والمثقفة التي استعصت على كل صنوف الإغراء والتطويع السلطوي، التي تلتهم المثقف إغراءً وترهيبًا، وتعيد تدويره ضمن أجهزتها وأجنداتها السياسية التي تحول المثقف إلى مجرد بوق يتغنى بها وبشعاراتها الفارغة.
ومن هنا تحديدًا، يأتي الاستثناء البردوني في هذا السياق، بخاصة وأن الشاعر المثقف هو النموذج الأكثر تطويعًا ومرونة لأدوات السلطة والحاكم، حيث يسخر هذا الصنف من الشعراء المثقفين إبداعاتهم الشعرية في تزويق السلطة وتحسين سيئاتها الكثيرة والمتكاثرة، لكن هذا النموذج الجاهز سقط سقوطًا مدويًا في حالة البردوني، وفشلت محاولة تكراره وتطبيقه بردونيًّا.
فقد ظل البردوني ذلك المثقف العصي على التطويع والإغراء والإغواء والترهيب، ظل قريبًا من الناس، ولم يغادرهم إلى بلاط السلطان وإغواءاته، ظل ممسكًا بقلمه وقصيدته وقافيته، مدافعًا عن أحلام البسطاء من الناس، الذين كان واحدًا منهم ومن طينتهم، والذي لم يزده إبداعه وتفرده إلا قربـا منهم والتحامًا بهم، كمعبر عن معاناتهم وأشواقهم وأفراحهم وأحزانهم الكثيرة.

من بين كل هذه التحديات والظروف، قُدّت شخصية البردوني، وصيغت فلسفته من معاناته ومعاناة مجتمعه وناسه، فلسفة لا تتعالى على الواقع، بقدر ما تشرحه واضعة له الحلول الممكنة، في سياق من الإدهاش الفلسفي والشعري معًا، تلك الصنعة البردونية الخالصة من دون الناس.


ليس هذا فحسب، فقد مثل البردوني بشخصيته البسيطة والمتواضعة وأفكاره العظيمة وأشعاره الباذخة، لوحة يمانية فريدة، تعبر عن اليمني، وترسم في ثناياها ملامحه المعجونة بآلامها وآمالها، ذلك اليمني الذي فردس الصخور والحصى والرمال، ذلك اليمني المسكون بحب بلاده المنفي فيها وفي كل بقاع الأرض، يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن، كما قال ذات قصيدة.
ليس الحديث هنا أدبيًّا وبلاغيًّا، لاستجلاء الصورة الشعرية الإبداعية والإعجازية للبردوني، بل حديثي هنا سياسي واجتماعي، عن البردوني الإنسان والموقف الذي فلسفته مقالاته وأشعاره، البردوني ذلك الإنسان اليمني الذي استعصى على كل صنوف القهر والحرمان، صانعًا من ذاته تلك الصورة الأسطورية باذخة الجمال والكمال، وصانعًا من الحرمان فلسفة وموقفًا يقهر به غزاة الداخل والخارج معًا.
فلم تتجسد شخصية اليمني تاريخيًّا كما جسدتها شخصية البردوني، الذي توحد بها وحلت به، الشخصية اليمنية البسيطة والمبدعة والقاهرة لكل العقبات والتحديات التي تعتريها، اليمني الصلب الذي لا يموت دون مراده ومناه في هذه الحياة القاسية، ولهذا كان شعر البردوني دقيقًا في تصوير ذلك اليمني، ورسم معاناته وتحدياته، وكيف يمكن التغلب عليها وتجاوزها رغم كل تحدياتها ومعوقاتها.
ومن بين كل هذه التحديات والظروف، قُدّت شخصية البردوني، وصيغت فلسفته من معاناته ومعاناة مجتمعه وناسه، فلسفة لا تتعالى على الواقع، بقدر ما تشرحه واضعة له الحلول الممكنة، في سياق من الإدهاش الفلسفي والشعري معًا، تلك الصنعة البردونية الخالصة من دون الناس.

يتجلى أكثر هذا الحضور اليوم في وجه الغياب والتغييب، أن البردوني مثّل، بالنسبة لليمنيين، صورتهم المثالية التي يجب أن يكونوا عليها، في عمقها وبساطتها وصلابتها وحضورها، مما جعله يعود اليوم في ذكرى رحيله الـ21، بكل هذا الزخم غير المسبوق، للاحتفاء به


فرادة الظاهرة البردونية اليوم، هي هذا الحضور رغم الغياب الكبير، الحضور الذي لايزال يشكل نقطة إلهام نضالي وفكري وثقافي لكل اليمنيين، باعتبار البردوني ليس مجرد شاعر ذوى وذهب بعيدًا، وإنما شكل غيابه محطة جديدة ينطلق منها اليمنيون نحو ذاتهم الوطنية، مستلهمين حكم البردوني وفلسفته وتنبؤاته المبثوثة في جل قصائده وأشعاره، تلك الحكم التي يتخذ منها اليمنيون سلاحًا في وجه كل هذا الواقع العبثي الملبد بالحرب والدمار والاقتتال والفوضى.
تحول البردوني اليوم إلى رمز وعلم ومعلم ملهم بالنسبة لليمنيين، لا يقل حضورًا عن شكسبير لدى الإنجليز، وطاغور لدى الهنود، ذلك الحضور الفكري والثقافي والرسالي والنضالي، الذي تتجلى فيه شخصية البردوني بحكمتها وفلسفتها وموقفها الأخلاقي والرسالي في وجه كل التحديات، التي واجهت اليمنيين عبر مسيرتهم التاريخية.
ويتجلى أكثر هذا الحضور اليوم في وجه الغياب والتغييب، أن البردوني مثّل، بالنسبة لليمنيين، صورتهم المثالية التي يجب أن يكونوا عليها، في عمقها وبساطتها وصلابتها وحضورها، مما جعله يعود اليوم في ذكرى رحيله الـ21، بكل هذا الزخم غير المسبوق، للاحتفاء به، وتسليط الضوء على حياته ومكابداته وحكمته وفلسفته للحياة والأحياء معًا.
البردوني الفقير الأعمى في الزمن الأعمى والأكثر فقرًا وجهلًا، يصير ذلك المبصر الرائي، وإحدى نوافذ التنوير والإبداع في حياة اليمنيين، يستحق كل هذا الحضور، كأبرز معالم الهوية الثقافية والفكرية والنضالية لليمنيين، التي تستحق كل هذا الاحتفاء والتقدير من قبلهم في محنتهم هذه التي حتمًا ستمثل حكم البردوني ونبوءاته عزاءات لهم، يستلهمون منها كل معاني الصبر والنضال والكفاح والتحدي الذي تجسدت في شخصية البردوني، وصار بها رمزًا وطنيًّا بحجم اليمن وتحدياتها وآلامها وآمالها.
ولهذا يقف اليمنيون اليوم، مرددين قصائد البردوني وأشعاره، يبلسمون بها جراحاتهم، ويقرؤون فيها مستقبلهم، كأنها نبوءات رسمت مصيرهم وأزماتهم ومعاناتهم وأفراحهم وأتراحهم، والتي تجلت فيها خلاصة تجربة الرائي البردوني لليمن؛ الأرض والإنسان، اليمن؛ التاريخ والحاضر والمستقبل، والتي مهما تكالبت عليها الظروف والأعداء، لكنها “رغم بخل الغيث ما برحت… حبلى وفي بطنها قحطان أو كربُ”.
هذا هو البردوني، وهذه هي اليمن، وهذا هو اليمني باختصار، من خلال عين الرائي الحكيم الذي ظل يرقب بعين الحكمة واليقين معًا، أن اليمن مهما احترب أهلها وخانتهم تقديراتهم، لا بد ما يعودون مجددًا إلى صواب حكمتهم، مهما طالت حروبهم وأزماتهم، لن يجدوا سوى الذات اليمنية الجمعية ملهمة للجميع بالعودة إليها منقذًا ومخرجًا من كل هذا الواقع السيئ والمزري.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.