عن لعبتي الحرب والسلام المملتين

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

6 سنوات مضت من الحرب، وهي بكل المقاييس من الحروب الطويلة وغير المعتادة يمنيًا، وفي الوقت ذاته، 6 سنوات، وقبلها 4 سنوات من الحضور الأممي لصناعة السلام المزعوم الذي لم يرَ اليمنيون له طريقًا، سوى ضياع دولتهم، وإسقاطها بتلك الطريقة التراجيدية المضحكة، وبرعاية وحضور أممي واضح.
فماذا تأخر السلام في اليمن، وأنشبت الحرب أظفارها في كل بقعة يمنية؟ ولماذا تحول المجتمع الدولي ومنظمته الأممية تحديدًا من ضابط للنزاع وموقف له إلى أشبه بميسر حرب للأسف، بخاصة ونحن في مرحلة المبعوث الأممي الثالث بعد جمال بن عمر وإسماعيل ولد الشيخ، والآن البريطاني مارتن جرييفث الذي حوّل الحرب اليمنية إلى أشبه بصراع مفتوح، عدا عن تحويله إلى أشبه بصراع نخبوي على التمثيل في قوائم السفريات والمؤتمرات وورش العمل الكثيرة، والتي لم تستطع حتى جائحة كورونا إيقافها، بل سعى جاهدًا لاختزال الصراع كله في اليمن، إلى معركة للحركة النسوية في اليمن.
صحيح أن جزءًا كبيرًا من أسباب طول أمد هذه الحرب، يكمن في حالة التشظي اليمني الكبير، الذي أصاب نخبه وأحزابه، وشبابه وناشطيه، وإسهام المجتمع الإقليمي والدولي في صناعة هذه المتاهة الكبيرة التي التهمت خيرة أبناء اليمن في كل الأطراف، هذه الحرب التي ضاعت بوصلتها وأهدافها لدى شريحة كبيرة من اليمنيين، الذين وجدوا أنفسهم في لحظة ما، غير قادرين ولا مستوعبين ما الذي يجري، رغم وضوح الأهداف الكبيرة لهذه المعركة لاستعادة الدولة والكرامة اليمنية المسلوبة.

أن جزءًا كبيرًا من أسباب طول أمد هذه الحرب، يكمن في حالة التشظي اليمني الكبير، الذي أصاب نخبه وأحزابه، وشبابه وناشطيه، وإسهام المجتمع الإقليمي والدولي في صناعة هذه المتاهة الكبيرة التي التهمت خيرة أبناء اليمن في كل الأطراف، هذه الحرب التي ضاعت بوصلتها وأهدافها


ولكن جزءًا كبيرًا من هذه المتاهة اليوم، يعود بدرجة رئيسية إلى إلى طبيعة التحولات الكبيرة التي طفت على سطح المشهد النخبوي السياسي اليمني، وحالة الاستقطابات الإقليمية التي أسهمت في زيادة حدة الانقسامات بين هذه النخب والمكونات بشكل كبير ومقصود، وزاد من حدتها أيضًا التدخل الأممي بأجندات هي أقرب إلى تسيير الحروب وتنظيم اقتصادياتها المتضخمة والمتزايدة.
لكن يبقى أغرب هذه التناقضات في هذا المشهد اليمني المعقد، هو التناقض ما بين طبيعة ومهمة البعثة والمبعوث الأممي، وما تسمى لجنة الخبراء التي تصدر تقارير شبه دورية حول الوضع اليمني العام، وما تضعه من تصورات وتحقق فيها من قضايا ومشكلات، ومعظم هذه التقارير تكاد تكون دقيقة في ما تقدمه من توصيفات، ولكن على الجانب الآخر تشتغل البعثة الأممية على النقيض من ذلك تمامًا.
كل هذه الحالة العبثية لا تقتصر على هذا التناقض الكبير بين طرفي البعثة الأممية، فهذا التناقض وصل إلى صلب وجسم الشرعية اليمنية ذاتها التي تعمل بطريقة أشبه ما تكون بصراعات عدمية وعقيمة داخل مكونات الشرعية، حيث تعمل أجهزة الشرعية بطريقة تثير الكثير من الرثاء والاستغراب، في ما يتعلق بعجزها الكبير عن تسيير دواليب هذه الشرعية المعطلة.
فعلى سبيل المثال، تقارير لجنة الخبراء كالتقرير الأخير مثلًا، يكاد يكون 90% منه يدفع باتجاه حماية مؤسسات الشرعية والتحذير من تجاوزها وإضعافها، ويحذر من الأدوار المشبوهة للإمارات وكل ما يرتبط بها من مليشيات شمالًا وجنوبًا، عدا عن تحذير هذه التقارير من كل ما يعمل ويهدد أمن وسلامة ووحدة الأراضي اليمنية، ومع ذلك لا تجيد الشرعية نفسها التقاط مثل هذه المسائل، والاشتغال عليها في أروقة المجتمع الدولي.
أما بالعودة إلى أداء المبعوث الدولي جريفيث وفريقه، وكل ما يرتبط به من منظمات ومراكز، فتهولك حالة التخمة والترف الذي تعيشه هذه الأجهزة والمؤسسات التي تبدد كثيرًا من المال، وتبذل قليلًا من الجهد النافع في المضي نحو وضع طريق واضح المعالم للسلام في اليمن، فكل ما يقوم به المبعوث الأممي هو مزيد من ورش العمل الفارغة من أية قيمة أو معنى، لأنها لا تستهدف سوى نخبة معينة ومعزولة تمامًا، عن فواعل حالة الحرب والصراع في الداخل.
ما تشهده اليمن اليوم، من عبث وسراب السلام وفوضى الحرب التي لا نهاية لها في القريب العاجل، تجعل المراقب لهذا المشهد يصاب بحالة من الإحباط والتبلد، في رؤيته الطريقة التي يتم بها تسيير حالتي الحرب والسلام، تشير بوضوع إلى وجود أجندات مافوية أكثر انحطاطًا وسقوطًا، ولا يعنيها ما يقاسيه اليمنيون وما يجري من تجريف لكل مقومات الاستقرار وصورة الدولة اليمنية الواحدة في أذهانهم، ويسهم في تفكيك الهوية الوطنية الوحدة لليمن الحديث والقديم، ويدفع بالمجتمع اليمني ككل لحالة من الإحباط.
بيد أنه، يبقى جزء كبير من مسؤولية ما يتم اليوم في الحالة اليمنية، للنخبة اليمنية بشقيها السياسية والثقافية، وحالة التماهي مع هذه الأجندات والمشاريع المشبوهة التي تستهدف إطالة أمد الحرب وسرابية السلام المستحيل. هذه النخب القادرة على كسر حواجز العزلة التي صنعتها حالة الاستقطابات الإقليمية ورداءة أداء البعثة الأممية، مما يعني أن هذه النخبة عليها مسؤولية وطنية كبيرة في الحفاظ على واحدية القضية الوطنية، والتضحية في سبيل حل هذه المعضلة بعيدًا عن حالة الارتهان الخارجي للمال السياسي المدنس.
فعلى النخبة اليمنية اليوم دور كبير، ينبغي أن تضطلع به، استمرارًا لجهود النخب اليمنية السابقة التي كانت في طليعة الحركة الوطنية اليمنية، التي ناضلت طويلًا في سبيل تخليق القضية الوطنية اليمنية، تلك النخبة التي حافظت طويلًا على نقائها النضالي والثوري، بعيدًا عن أسواق الارتهان السياسي للمال الخارجي الذي لا يهدف سوى لإغراق اليمن في متاهة حروب وسراب سلام منتظر لن يأتي من خلال سفريات ورش العمل المملة.
ختامًا، ينتظر اليمنيون اليوم، استعادة دولتهم ووطنهم الممزق، ليس من خلال دورات السلام السياحية، ولا من خلال شقق النخبة السياسية في عواصم الشتات، وإنما ينتظرون عودة هذا الوطن من خلال تماسكهم الوطني ووضوح رؤيتهم الوطنية لطريق استعادة الوطن، وأولى هذه الخطوات هي عدم التعويل على كل الجهود ذات الضجيج الفارغ، وإنما التعويل على تقديم نماذج أكثر جدية في الطرح والمعالجات، تلك النماذج التي تقام على أرض الواقع، وليس في توصيات ورش التنمية البشرية وسفرياتها المكوكية والمملة ومدفوعة الأجر.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.