fbpx

أكاديميو اليمن وحلم الرحيل بكرامة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

ترددتُ كثيرًا في الكتابة عن رحيل أكاديميي الجامعات اليمنية، ظنًا مني أن وفاة الكثير منهم هي وفاة طبيعية لكبر السن أو المرض المزمن أو مرض كورونا وما شابه ذلك، ولكن وفاة أ.د. حسين ضيف الله الورد، أستاذ البستنة في كلية الزراعة بجامعة صنعاء، وهو جاري في العمارة نفسها، جعلتني أفيق من غفلتي، وذلك لعدة أسباب، منها أن زميلي وجاري د. حسين كان رياضيًا ومهتمًا بصحته العامة، ومنظمًا لوقته، لكنه قبل وفاته بأسبوعين شكا لي ضيق الحال وتعبه النفسي من الوضع، فجأة أُسعف للمستشفى، وتوفي بعدها بأسبوعين، ولم أتمكن من زيارته ظنًا مني أنها وعكة صحية،
فمنذ العام 2015 وأكاديميو الجامعات اليمنية، وبخاصة أكاديميي جامعة صنعاء، يخطفهم الموت، ويحصد أرواحهم التواقة للحياة دون رحمة. وما نكاد نحزن من رحيل أحدهم حتى يلحقه ثانٍ وثالث ورابع… وتستمر قوافل الموت في الرحيل إلى العالم الآخر دون سابق إنذار.
وقد يقول البعض إن الموت لا يستثني أحدًا، والشعب كله يعاني، والكل يرحلون دون سابق إنذار، ولكن رحيل أكاديميي الجامعات أكبر خسارة للبلد، فأغلب من رحلوا حتى الآن يتجاوز المائة أكاديمي وأكاديمية، والكثير منهم بروفيسورات وذوو خبرة طويلة وإنتاج علمي غزير.
وبحسب إحصائية أعدتها نقابة أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم في جامعة صنعاء، فقد بلغ عدد الوفيات عام 2015 اثنين، و12 عام 2016، و6 عام 2017، و11 عام 2018، و11 عام 2019، و20 عام 2020، و3 عام 2021. وكانت الإحصائية حتى شهر مارس الماضي.
وحسب الإحصائية، فإن عدد الوفيات حسب كليات جامعة صنعاء، على النحو التالي: كلية الآداب 14، وكلية العلوم 11، والشريعة 11، والطب 9، والتجارة 8، واللغات 4، والتربية صنعاء 7، والتربية أرحب 3، والإعلام 2، والزراعة 2، والصيدلة 1، والتربية مأرب 1.
وهكذا فإن إجمالي عدد المتوفين من أكاديميي جامعة صنعاء والكليات التابعة لها، بلغ حسب إحصائية نقابة أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم بجامعة صنعاء، 75 أكاديميًا من مختلف المراتب العلمية والكليات.
ومن خلال متابعتي، توفي حوالي 5 من أكاديميي جامعة صنعاء خلال شهر أبريل الماضي وحتى أوائل شهر مايو الجاري. ناهيك عن الجامعات الحكومية والأهلية الأخرى في مختلف المحافظات اليمنية، والذين رحلوا بصمت، وحملوا معهم كل أوجاعهم ومعاناتهم إلى أرحم الراحمين.
وبالرغم من أن الإحصائيات التابعة لجهات العمل أو للنقابة، لم توضح بصورة جلية أسباب الوفاة للأكاديميين اليمنيين في جامعاتنا الحكومية، إلا أنه من الملاحظات العامة والمعايشة للوضع المادي والنفسي والاجتماعي للأكاديميين، وبالذات في جامعة صنعاء، التي أنتمي إليها، فإن كثيرًا ممن توفوا كان السبب الأساسي هو ضيق الوضع المعيشي بسبب انقطاع الرواتب والغلاء الفاحش، وتعففهم عن السؤال، فعانى الكثير منهم من القهر والكآبة، واعتزل الناس.
ويأتي المرض المزمن في قائمة الأسباب لوفاة كبار السن من أساتذة الجامعات، إذ لم يعد هناك تأمين صحي ولا رواتب، وإن وجدت للبعض فهي لا تسد الرمق، مما يجعلهم غير قادرين على العلاج ومتابعة الأطباء وإجراء الفحوصات الدورية وشراء الأدوية المرتفعة السعر.
كما أن الكثير من الأكاديميين -خاصة كبار السن- تفاقمت مشاكلهم أكثر في ظل انقطاع الرواتب وتدني قيمتها الشرائية إلى الحضيض، وعدم تمكن نقابات أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم من القيام بدورها تجاه منتسبيها بسبب ما تتعرض له من مضايقات من قبل أطراف الصراع في اليمن.
واقتصر دور نقابات أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم، في ظل الحرب والصراع الدائر في اليمن، وتفشي الفساد وانعدام الأمن، وتدهور كل مقومات الحياة، على نشر حالات الوفاة، ونعيهم، والتعريف بعطائهم العلمي الغزير ودماثة خلقهم، وإدانة الجهات المعنية لتقصيرها في معالجة أوضاعهم المعيشية والصحية والعلمية.
ولعل من الأسباب التي أدت إلى تفاقم مشاكل أعضاء هيئة التدريس في الجامعات اليمنية، أزمة السكن، وطرد الكثير منهم من السكن الجامعي، وعدم تمكن كثيرين من الحصول على سكن جامعي، وضياع حقوقهم الأساسية في السكن الآمن، والعلاج، وعدم قدرة الكثير منهم على القيام بمهام البحث العلمي سواء من أجل الترقية أو لخدمة المعرفة العلمية التي تصب في صالح المجتمع، وذلك لأنه لم يعد هناك أي دعم يذكر للأكاديميين بهذا الخصوص.
ونظرًا لضيق حال الأكاديميين المادية، هاجر الكثير ممن حالفهم الحظ، وبقي الآخرون قابضين على الجمر، قليلي الحيلة، يتخبطون في البحث عن عمل يسد حاجه أسرهم وحاجتهم، من جامعة خاصة لأخرى تستغل ظروفهم أقسى استغلال.
علاوة على تعرض البعض منهم لمضايقات سياسية وأمنية، وكيل الاتهامات ضدهم، وتعرض البعض للاختطاف والسجن، فتزداد حالته الصحية والنفسية في التدهور، فما إن يخرج من السجن الذي دخله بتهمة كيدية حتى يتلقفه الموت قهرًا، ومنهم على سبيل المثال ا.د. عدنان الشرحبي، أستاذ علم النفس بجامعة صنعاء.
فكم من أستاذ جامعي متقاعد ولا يجد من يلتفت إليه، وهو مقعد على فراش المرض، وينتظر رحمة رب العالمين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر أول عميد ومؤسس لكلية الإعلام بجامعة صنعاء الأستاذ الدكتور محمد عبدالجبار سلام، الذي تعرض لجلطة دماغية ونُقل للعناية المركزة للمستشفى اليمني الألماني، ثم نقل لمنزله داخل أسوار الجامعة، ولم يجد أي دعم، سوى من ابنه المهاجر في أمريكا.
ولعل تسييس التعليم، وبخاصة الجامعي، جعل الكثير من أساتذة الجامعات اليمنية، وبالذات في الكليات الخاصة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، يتعرضون للمساءلة، وتتم مراقبة أدائهم التدريسي، وما يطرحونه من معلومات أو رؤى قد لا تتماشى مع رؤية الفئة الحاكمة.
كما لم يعد هناك تجمع يشمل الأكاديميين في الجامعات اليمنية، ومنها جامعة صنعاء، يناقشون فيه أحوالهم العلمية والمعيشية، وأضحى كل أكاديمي يعيش في جزيرة منقطعة عن زملائه الآخرين، يكتوي بهمومه بعيدًا عن الأنظار، إلا من قلة من أصدقائه أو جيرانه أو أهله المقربين.
لذلك، فإنني أدق جرس الإنذار لإنقاذ من تبقى من أساتذة الجامعات اليمنية، وتوفير أبسط حقوقهم المعيشية، مثلهم مثل أعضاء مجلس النواب والقضاة، بل إن أساتذة الجامعات هم مفكرو وعلماء الأمة، وبحاجة ماسة لتجنيبهم تبعات الحرب والصراع السياسي المقيت.
أكتب هذه المقالة لأول مرة بحبر دمي، وربما أكون الراحلة رقم (…) أترك لكم ولنقابتنا المبجلة تحديد الرقم، فنحن كأساتذة جامعة لم يعد لنا من منقذ سوى الرحيل ببعض كرامتنا المستباحة.
اللهم بلغت. اللهم فاشهد.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.