fbpx

اليمن والإمارات.. علاقة معقدة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

من باب التجاوز القول بأن علاقة الإمارات العربية المتحدة بالجمهورية اليمنية كانت على الدوام علاقة معقدة، فقد كانت العلاقة بين الدولتين والشعبين صافية وحميمة إلى أبعد الحدود، ولما شاركت الإمارات ضمن دول التحالف العربي في الحرب اليمنية من اجل إعادة الحكومة الشرعية بعد انقلاب جماعة الحوثي، ظهرت غيوم وتبدت فقاعات في الهواء، وبرزت تعقيدات بعضها ليس له تفسير، وأكثرها تفسيره الوحيد وجود طرف ثالث. بالوضوح قوة سياسية أممية معروفة بفكرها التدميري وبفساد ضمائر المنتمين لها. لكن مردها كلها وفي سائر الأحوال أن القيادة العليا في كلتا الدولتين لم تبنِ جسرًا مفتوحًا للتواصل المباشر بعيدًا عن الوسطاء وعن الأجهزة التنفيذية العليا والدنيا. أو أن القيادة في اليمن وقعت في معتقل القوة السياسية ذات الفكر التدميري والضمير الفاسد. وكان الجسر المفتوح سبيلًا مأمونًا وناجحًا لمنع أي استغلاق في الفهم وأي استغلال من طرف ثالث.
سأحاول الإيضاح في ما يلي من حديث، لكني قبل ذلك أريد أن أقوم بإطلالة على العلاقة الطبيعية الصافية والحميمية بين الدولتين. وكان اليمنيون من أكثر الشعوب العربية ابتهاجًا بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 1971 كتجربة وحدوية عربية مبشرة بعد 10 سنوات من مرارة انفصال سوريا عن مصر وفشل أول تجربة وحدوية في العالم العربي في العصر الحديث. وكان أن الدولة الجديدة شقت مسارًا واسعًا للتقدم والنهوض الاقتصادي والعمراني، ثم، وبفضل البناء على أحدث نظم الإدارة والعلم، راحت تنهب طريق الحضارة بأقصى ما تستطيع. وكانت بعد ذلك، وفي وقت قصير، أول دولة نفطية -بل الدولة النفطية الوحيدة في الخليج- لم تنم على مخدر ريع النفط إلى أن تستيقظ بعد حين على الحقيقة المرة يوم ينضب هذا المصدر المريح، فتجد نفسها أمام المآل المتشائم الذي توقعه الروائي العربي الأشهر خبير اقتصاديات النفط عبدالرحمن منيف، في روايته الملحمية “مدن الملح”.
لم تنتظر الإمارات، واستعجلت تنويع مصادر الدخل، حتى بات مدخولها من النفط ثانويًا في هيكل الإنتاج القومي، واحتلت المصادر المتجددة كالصناعة والتجارة والخدمات المقامات الرئيسية والعالية. ولم تكن الصناعة والتجارة والخدمات من النوع التقليدي، فقد تمكنت النهضة التعليمية الضخمة من أن تقدم للمنصات العليا عقولًا فائقة القدرة. وفي هذا المدى لم تنشر دولة الإمارات الرخاء على شعبها وحده، وإنما مدت أياديها السخية إلى آفاق أوسع، وإلى أرجاء أرحب، وأصبحت حكومة الإمارات والصندوق العربي من أهم المانحين للدول الآسيوية والإفريقية، وللعالم العربي على وجه خاص. ومن هذا المجرى تدفقت إلى اليمن معونات ضخت في شرايين الاقتصاد الوطني وأسهمت في إنمائه.

لم تزل في ذاكرة عقول وعيون اليمنيين حشودهم المتحمسة التي كادت ترفع إلى الهواء السيارة المقلة له مع الرئيس إبراهيم الحمدي


ولئن كان اليمنيون ينظرون إلى سد مأرب الذي أعيد بناؤه بتمويل من الإمارات، بأنه الرمز الكبير للتعاون الأخوي بين البلدين، فإنما وراء تلك النظرة إلى القيمة التاريخية للسد، لكنه في المعيار الاقتصادي يشكل نسبة محدودة من إجماليات الدعوم المقدمة لليمن من الإمارات في المجالات المختلفة.
ولقد كانت هناك كيمياء تجمع الشعبين والقيادتين في جميع الأوقات، حتى ساد عند اليمنيين ما يشبه اليقين أن مشاعر الود لدى مؤسس الدولة الحديثة الشيخ زائد بن سلطان، تجاه اليمن، لها أساس متين، وهو أن جذوره تمتد إلى مأرب عاصمة سبأ اليمنية القديمة. وليس عندي علم بما إذا كان لعلماء الأنساب رأي مكتوب في هذا التقدير، لكن المؤكد أنه مستقر في الضمير الشعبي اليمني. غير أني لا أنسى الاستقبال الحافل الذي حظي به الشيخ زائد أثناء زيارته اليمن، في 1976.
ولم تزل في ذاكرة عقول وعيون اليمنيين حشودهم المتحمسة التي كادت ترفع إلى الهواء السيارة المقلة له مع الرئيس إبراهيم الحمدي. في ذلك الوقت، نظمت الحكومة الإماراتية زيارة لوفد من طلاب المدارس الثانوية في اليمن إلى الإمارات، ضم أشخاصًا صار بعضهم في ما بعد من القادة السياسيين المهمين في البلاد.
ويعرف اليمنيون والإماراتيون عمق العلاقة التي جمعت الشيخ زائد والرئيس إبراهيم الحمدي، ثم استمرت مع الرئيس علي عبدالله صالح، وأثمرت التعاون البناء في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وانعكست في تطابق الرؤى وتنسيق الموافق إزاء القضايا الإقليمية والدولية.
الأمر لم يختلف في علاقة الإمارات مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فقد تغلبت وحدة المشاعر على اختلاف العقائد السياسية. ولقد سمعت مرات الرئيس علي ناصر محمد يثني على الشيخ زائد ويشيد بحكمته، وكثيرًا ما كرر أنه يحمل له مودة خاصة. وحتى في ظروف الصراع والتناحر بين اليمنيين، فردت الإمارات مظلة الرعاية فوق رؤوس من وقعت عليهم الغلبة أو من أحاق بهم الظلم، وقامت بهذا من منطلق إنساني، ومن غير أن تقطع الصلات والروابط مع السلطات الرسمية.
هكذا استضافت الشاردين من قيادات الحزب الاشتراكي بعد هزيمتهم في حرب 1994، واحتفظت بالعلاقة مع صنعاء عند أعلى مراتبها.
وهكذا قدمت الأمان والدعم لقادة الحراك الجنوبي الذي انبثق في 2007 من مرارة تسريح آلاف الضباط والجنود من الخدمة.

اندفعنا في اليمن من غير أن نخطط أو ننتبه إلى الهوة السحيقة الفاجعة


وإذن، ما الذي جرى؟
واقع الأمر أن تضاريس اليمن قاسية. ذلك مشهود في الطبيعة؛ حيث وحشة الجبال والضاحات المخيفة.
وهذه الطبيعة تنعكس على السياسة، اعترف الناس أو أغمضوا عيونهم. فهناك في اليمن شرور ووحوش في تضاريس السياسة لم تترك الناس على حال.
وفي مجرى الصراع القريب اندفعنا في اليمن من غير أن نخطط أو ننتبه إلى الهوة السحيقة الفاجعة، حيث رجع الماضي بأيدٍ غليظة وأنياب حادة. وكان الشعب اليمني قد تخلص من قهر الأئمة ورزاياهم في شمال البلاد بانقلاب عسكري آزرته هبة شعبية هادرة تحول معها إلى ثورة غلابة فتحت البلاد على إشراقات العصر. ترافق هذا مع ثورة في الجنوب أنجزت الاستقلال. ثم بالصراع والتفاعل والحوار ولد كيان موحد في مايو 1990، لم يلبث أن تعرض لانتكاسة خطيرة في 1994، أنشأت صراعات جديدة استمرت وامتدت وأفرزت ما سمي الحراك في الجنوب وحركة أنصار الله في الشمال. ومع ما أطلق عليه الربيع العربي جرت مياه كثيرة تحت الجسور، انسحب الرئيس السابق وحل رئيس جديد تبعه هجوم من حركة أنصار الله الحوثية انقضت على الحكم مما أملى عليه أن يطلب من دول الخليج التدخل لإنقاذ سلطته. والأساس الموضوعي والسياسي أنها صاحبة مبادرات تسوية أوضاع ما بعد الربيع الحارق، وكذلك لأن الحركة الحوثية وثيقة الصلة بالنظام في طهران الذي يمد حباله لشد العالم العربي والإسلامي إليه، ويسعى إلى تحويل المنطقة إلى ساحة صراعات مذهبية قاتلة.
وظهر أن المملكة العربية السعودية مطلوب دورها بصورة خاصة باعتبار الحرب الباردة بينها وبين إيران، وما يمثله خطر وجود سلطة موالية لعدوها عند حدودها الجنوبية. وعندما تصدت المملكة لبناء تحالف يدعم نشاطها السياسي والعسكري، وتوجب أن تكون الإمارات شريكًا رئيسيًا لأسباب تتعلق بكونها عضوًا أساسيًا في مجلس التعاون، ولامتلاكها جيشًا حديثًا وموارد ماليه وافرة.
ويرجع للقوات الإماراتية الفضل في دحر جماعة الحوثي من أوسع مساحة على الأرض، فقد حررت كامل أراضي الجنوب والساحل الغربي حتى حواف مدينة الحديدة. وفي المناطق التي تحررت بواسطة قوات يمينية أو قوات دول أخرى في التحالف، فإن إسناد الأباتشي الإماراتية شكل العامل الحاسم في إحراز الانتصارات.
أشهر من ذلك وأهمه وأخطره أنها قادت القوات إلى مشارف صنعاء، ووضعتها في جبهة فرضة نهم. هناك ألحقت أقسى هزيمة للحوثيين، ووضعت صنعاء في مرمى الجمهورية، وفي محرقة الهزيمة ذلك الانتصار الذي فرط فيه الإخوان المسلمون وباعوه بأبخس ثمن.
لكن الإمارات وجدت نفسها في مواجهة ما اعتبرتها حملة تشويه لدورها في اليمن، شنها بجدارة حزب الإصلاح (الفرع اليمني لحركة الإخوان المسلمين).

لا أتحدث عن السيادة التي تغير مفهومها في هذا العصر بحكم حقائق السياسة الدولية


حيال هذا قررت الإمارات وقف حملتها العسكرية ضد الحوثي، فتغير مسار الحرب تغيرًا حاسمًا.
توقف انهيار دفاعات الحوثي، ثم انتقل إلى الهجوم، وراح يلاحق قوات حكومات الرئيس هادي ويطردها من مناطق عديدة.
إن الإمارات تستحق من غير شك العتاب على هذا القرار الاستراتيجي الذي غير موازين الحرب والسياسة في اليمن مهما كان من وجاهة أسبابه. لكن الحكومة اليمنية تتحمل المسؤولية كلها عن دفع العلاقة بين البلدين إلى هذه الدرجة من التعقيد. فهي سلمت شؤون الحرب والسياسة والإدارة والمال للإخوان المسلمين، وهم حين هاجموا الإمارات لم ينهضوا بواجب القتال، وعوضًا عن أنهم أنشأوا جيشًا وهميًا في جزئه الأكبر وغير محترف في الجزء الحقيقي منه، فإن قتالهم استهدف الوحدات العسكرية القليلة التي لا تخضع لسلطانهم.
إن تصحيح العلاقة مع الإمارات أمر مهم لاسترداد دورها إذا كان هدف متابعة الحرب مازال قائمًا حتى استعادة الدولة أو إنجاز تسوية مشرفة مع الحوثي، وإلا فقد وجب إيقاف الحرب والاعتراف بالهزيمة.
والإمارات لن تبتلع اليمن، ولن تأخذ جزرها وموانيها، وتضعها هناك عند الشاطئ الغربي للخليج. ولقد كتبت من قبل ومازلت مقتنعًا أنه إذا كان تأجير بعض الموانئ مطلبًا إماراتيًا، فإن ذلك يفيد اليمن ولا يضرها. إن خبرة ميناء جبل علي تتيح له أن يدير أي ميناء بكفاءة عالية، وفضلًا عن المردود من الإيجار، فإنه سيخلق فرص عمل ويولد أنشطة اقتصادية متعددة.
وأما عن الوحدة أو الانفصال، فهي قضية يمنية لا يحسمها السلاح. ومادامت الوحدة قد قامت بتوافق الشطرين وبدستور استفتي عليه في سائر البلاد، فإن استمرارها أو إعدامها يقرره استفتاء آخر يجري في سائر البلاد أيضًا.
ولقد كتبت هذا المقال من وحي ما أثير مؤخرًا عن أن الإمارات تقيم قاعدة عسكرية في جزيرة ميون، ومع أن التحالف نفى الخبر ونفته كذلك الحكومة اليمنية بلسان وزير خارجيتها، فإن الأمر ليس من الخطورة في شيء.
ولا أتحدث عن السيادة التي تغير مفهومها في هذا العصر بحكم حقائق السياسة الدولية، فإن المنطقة كلها بل العالم بأجمعه معبأ بالقواعد العسكرية الأجنبية، كما أن البوارج تطوف البحار ولا تتوقف. وفي جوارنا بجيبوتي ذات الـ23 ألف كيلومتر توجد 5 قواعد أجنبية. وأن تقيم دولة عربية قاعدة عسكرية عند مدخل باب المندب، خير من أن تقيمها إيران.
لهذا يتعين بذل الجهود وتقديم التنازلات المتبادلة من أجل أن تعود العلاقات اليمنية الإماراتية إلى طبيعتها، أخوية، صافية وحميمية.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.