fbpx

رائحة أغسطس

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

بعض الشهور والأيام تحمل ذكرى سعيدة للأمم والشعوب، وبعضها تحمل ذكريات تعيسة.
مازال الفرنسيون يحتفلون بالـ14 من يوليو، ذكرى ثورتهم العظيمة التي مضى عليها هذا العام 232 سنة. العراقيون أيضًا أسقطوا الملكية في التاريخ نفسه 14 يوليو 1958.
وفي تاريخ الثورة الأمريكية محطات كثيرة منذ رفض الأمريكيون سداد الضرائب مادام أنهم غير ممثلين في البرلمان البريطاني، إلى معاهدة باريس في 3 سبتمبر، حتى إعلان أن الولايات الشرقية الـ13 مستقلة في الثاني من يوليو.
وليوليو مكانة مرموقة في تاريخ مصر الحديث، حيث تولى الضباط الأحرار السلطة، واستخدموها لإسقاط النظام القديم، وبناء مجتمع جديد يقوم على الكفاية والعدل. وبفعل دور ثورة 23 يوليو في دعم حركات التحرير الوطني، والتأثير الملهم لجمال عبدالناصر على شعوب العالم في النضال، فإن ذكرى ذلك اليوم ماثلة في أذهان الشعوب قاطبة. لكن لمصر ولعرب كافة ذكرى حزينة ومؤلمة؛ 5 يونيو. وهي مأساة مضافة إلى مآسي الشعب الفلسطيني من 2 نوفمبر 1917، إلى 15 مايو 1948، وإلى ما بعدها من الذكريات القاسية.
ولمناسبة نوفمبر، فإن الأول منه يمثل ذكرى غالية لشعب الجزائر الذي فجر ثورة المليون شهيد سنة 1954، وخاض كفاحًا مريرًا انتزع به الاستقلال من أشرس قوة احتلال.
غير أن فواتح الشهور تفتح الذهن على ثورة الفاتح من سبتمبر، التي حررت ليبيا من التبعية، ووضعتها في طلائع الدول المكافحة ضد الاستعمار والامبريالية، والمناهضة للصهيونية ولإسرائيل الغاصبة.
ولسبتمبر أعز ذكرى في قلوب اليمنيين، ففيه قامت ثورة 26 سبتمبر التي فتحت عيون اليمنيين على العصر. غير أن تاريخ اليمن الحديث يضم أيامًا كثيرة سوداء وحزينة؛ 5 نوفمبر، 13 يناير، وآخريات. وإنما يشغل أغسطس مساحة عريضة معتمة في الذاكرة اليمنية، ففي الأيام 23-25 منه 1968، دارت الحرب الطائفية بين فصائل الجيش في صنعاء، وفي الـ19 منه 1993، غادر نائب رئيس مجلس الرئاسة علي سالم البيض، صنعاء، لآخر مرة، واعتصم في حضرموت إلى أن اندلعت حرب 1994 التي انتهت بفرض الوحدة بالسلاح والدم، بعد أن كانت قد تحققت قبل 4 سنوات بالرغبة والحماس.

يلخص أغسطس مختصر كل الوجوه السوداء في النكبات السابقة عليه واللاحقة له، الطائفية والانفصالية. ولكي أكون دقيقًا، وقد كتبت هذا من قبل، فإن ظاهرة الصراعات الداخلية في اليمن مناطقية في حقيقتها، وليس لها بأية حال وجه مذهبي ديني.


هكذا يلخص أغسطس مختصر كل الوجوه السوداء في النكبات السابقة عليه واللاحقة له، الطائفية والانفصالية. ولكي أكون دقيقًا، وقد كتبت هذا من قبل، فإن ظاهرة الصراعات الداخلية في اليمن مناطقية في حقيقتها، وليس لها بأية حال وجه مذهبي ديني. الشاهد أن الأفراد والأسر التي انتقلت واستقرت في مناطق تتبع مذهبًا غير مذهبها الذي كان، تبنت المذهب الجديد، وتركت ما كان عليه أسلافها. وقد فعلت ذلك بالتأثر، وليس بالدراسة والفحص.
وحدها الإسماعيلية هي المذهب المغلق والمنغلق، إذ إن المنتمين إليها لا يرتحلون إلى غيرها، ولا يفتحون أبوابهم لمن يطرقها. وليس انتقاصًا من الطائفة القول بأنها أشبه باليهودية التي تبشر ولا تنتشر، وأن المنتسبين لها على نفس الغرار كتلة واحدة عابرة للحدود.
والإسماعيليون لم يعد لديهم الطموح ولا القدرة ولا الظروف التي هيأت لأسلافهم تأسيس دولة بحجم وقوة الدولة الفاطمية. وفي اليمن على وجه التحديد نالهم من بطش الأئمة ما بدد عندهم كل أمل بمشروع سياسي يخصهم.
وكما لا توجد مذاهب متناحرة، فليس في اليمن أعراق متنافرة.
كانت هناك أقلية يهودية من نفس الأرومة اليمنية، فضلت أهل الملة على أبناء العمومة، وذهبت تلاقي الأولين في فلسطين المغتصبة. أما المتخلفون من الغزاة، فإن اليمنيين قسوا على الأحباش، وعزلوهم، وحطوهم في أحط الوظائف، بينما استوعبوا الأتراك والفرس في نسيجهم. وهكذا فليس هناك بعد ديني أو مذهبي أو عرقي وراء الصراعات في اليمن.
إن الضرام الذي صنع محرقة يناير 1986، أوقدته نزعات مناطقية صارخة الألوان، لم تفلح في حجبها الأردية العقائدية والشعارات المستجلبة من الإرث الماركسي ومن التجارب الشيوعية في بلدان ما كانت تسمى الكتلة الشرقية، حيث تبادلت القبائل المتناحرة وصف اليمين الانتهازي واليسار المغامر أو اليسار الطفولي.


أتذكر، وكانت مجالس المقيل تجمعنا في تلك الأيام، المهندس عبداللطيف الربيع، يرحمه الله، وهو لا ينفك يجري مقارنة كل يوم وكل وقت بين جمال عبدالناصر الذي فشل في بناء حزب يدافع عن تجربته أمام الجرافة التي سحق بها السادات إنجازاته، وبين العظيم عبدالفتاح إسماعيل باني الحزب الذي قاتل واستبسل لكي تبقى راية الماركسية خفاقة في عدن.
لا شك أن الخراب الذي نتج عن القتال بين قبائل الضالع وردفان وقبائل أبين وشبوة، في يناير 1986، كان أكبر بما لا يقاس من ذلك الذي خلفه في أغسطس 1968، القتال بين الضباط المنحدرين من الحدأ وخولان وما جاورهما، وبين أولئك الذين قدموا إلى صنعاء من الحجرية وشرعب للدفاع عن الجمهورية. لكن النتائج على المستوى السياسي، لم تختلف كثيرًا.
في صنعاء أكمل أغسطس انقلاب 5 نوفمبر، وغدت جمهورية سبتمبر اسمًا بلا محتوى. ولست متأكدًا مما إذا كان زملاء الشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب وقادة فرع حركة القوميين العرب، قد وجهوا لأنفسهم نقدًا على مشاركتهم في جريمة كسر تيار الثورة والانتصار للقوى التقليدية، خصوصًا وأنهم دفعوا ثمنًا باهظًا حين انقلب عليهم حليفهم الرجعي.
إن الحركة صمتت عن الدور، وتغاضت، ولم تفاخر وتباهِ كما فعل البعثيون. هؤلاء ما برحوا مصممين على أن مشاركتهم في كسر تيار الثورة وصنع الانحراف الحاد في مسارها، كان عملًا وطنيًا. محسن العيني، شفاه الله، كتب هذا في ذكرياته “خمسون عامًا فوق الرمال المتحركة”. ويحيى الشامي، على سبيل المثال، لم يشعر بالندم، رغم أنه غادر البعث مع الفصيل المنشق (الطليعة الشعبية)، واعتنق الماركسية، والتحق بالحزب الاشتراكي عضوًا في مكتبه السياسي. يحيى قرأ بيان انقلاب نوفمبر من إذاعة صنعاء، وقد سألته مرة إن كان أسفًا، فأجابني بانتفاخ فخورًا ومعتزًا بما فعل.
الماركسيون الأصليون، والناصريون بالطبع، وقفوا في الصف الوطني بزعامة السلال، في مواجهة التيار الرجعي الذي كان يتشمم رائحة النفط، ويتحسس الطريق إلى الرياض.
تلك الرائحة هي التي أوصلت اليمن، بالتراكم والاستمرار، إلى وضعها الصعي وخلاصها المستحيل.
ليست رائحة النفط، وإنما رائحة أغسطس، رائحة المناطقية الكريهة نفاذة وخانقة. حتى الانفصاليون مناطقيون في أعماقهم وفي ديارهم. غير أن هذا حكم لا يسري على جميع الناس، ماداموا ينتمون لمناطق بذاتها، بل على من يبنون مواقفهم فوق هذا الأساس. وكذلك، لأن الوطنيين اليمنيين موجودون في كل القرى والمدن على امتداد اليمن الطبيعي. وإنما تطغى رائحة كلب ميت على عبق دفقات غزيرة من عطر فواح.
الغريب أن علماء الاجتماع والتاريخ لم يدرسوا هذه الظاهرة بعناية، بل لم يدرسوها على الإطلاق. وكانت في الحقيقة سببًا على مدى التاريخ في تفكيك المجتمع اليمني، ومنع قيام وحدة وطنية صلبة لمجتمع يستحق أن يعيش باستقرار وانسجام وأمان.
إن ما يجري ويشاهد خلال الحرب الآن، إنما هو رائحة أغسطس مكثفة.

أن الخراب الذي نتج عن القتال بين قبائل الضالع وردفان وقبائل أبين وشبوة، في يناير 1986، كان أكبر بما لا يقاس من ذلك الذي خلفه في أغسطس 1968، القتال بين الضباط المنحدرين من الحدأ وخولان وما جاورهما، وبين أولئك الذين قدموا إلى صنعاء من الحجرية وشرعب للدفاع عن الجمهورية

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.