fbpx

تجار الحرب.. والسلام المستحيل

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

الخامس من سبتمبر 2021، هو التاريخ المحدد لبدء مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن، والمعين حديثًا، السويدي هانز جرندبيرغ، مهام عمله رسميًا.
جرندبيرغ هو رابع مبعوث أممي إلى اليمن، ويعمل في ظروف ازدادت تعقيدًا أضعاف ما كانت عليه في عهد أسلافه.
أحد أكبر التحديات التي يواجهها وتسهم في عرقلة أي جهود للسلام، هم تجار الحرب.
وحده الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ، ثاني مبعوث أممي إلى اليمن خلال الفترة من 2015 إلى 2018، وأكثرهم فهمًا للحالة اليمنية، من قدم تشخيصًا أفضل لجانب يمثل أحد أبرز عوامل تغذية الصراع وإطالته وإعاقة الجهود الرامية لإنهاء الحرب.
“من يريد السلام يخلق الحلول ولا يفتّش عن المبررات، ولا أُخفي عليكم أن هناك العديد مِن تجار الحروب في اليمن لا يريدون السلام”.
هذا ما قاله إسماعيل ولد الشيخ، خلال جلسة استثنائية لمجلس الأمن الدولي، في 18 أغسطس 2017.
لا أحد من المبعوثين الثلاثة السابقين، وضع واحدة من أبرز حقائق الصراع وأسباب إطالته، أفضل من ولد الشيخ، إذ يمكن للمبعوث الجديد عدم تضييع الكثير من الوقت والبناء انطلاقًا من تجارب أسلافه، وبخاصة إسماعيل ولد الشيخ، الذي قال إن “تجار الحروب في اليمن لا يريدون السلام”، وإن “أطراف النزاع يضيعون فرصة تلو أخرى للتوصل إلى حل سياسي”.
العديد من أطروحاته خصوصًا، وأطروحات المبعوثين الآخرين، تقود إلى نتيجة محددة، وهي أن إيران وتجار الحروب في اليمن هم سد منيع أمام جهود السلام في اليمن.
دون ذلك، فإن “طريق اليمن نحو السلام واضح، والمقترحات العملية للسير فيه جاهزة”، كما قال ولد الشيخ، وبالتالي فإن “إلقاء اللوم على الأمم المتحدة ومبعوثها أو على المُجتمع الدولي، لن يصنع السلام.. والتأجيل والتبرير والتهويل الإعلامي لا يُنهي الحروب، وإنّما يزيد من عمق الشرخ الحاصل”.
بينما يباشر المبعوث الجديد عمله رسميًا، دخلت الحرب في اليمن طورًا هو الأكثر تعقيدًا.. فالبلاد ممزقة ومنقسمة تحت هيمنة مجموعة متنافرة من قادة الحرب تحول معظمهم إلى تجار حروب وأمراء حرب.
القاسم المشترك بين جميع أطراف الصراع من حكومة شرعية

عندما بدأت الحرب، كان عشرات القادة من مختلف الأطراف لا يمتلكون أية ثروات تذكر، غير أن الوضع تغير حاليًا.. معظمهم صاروا أصحاب ثروات، وكثير منهم انخرطوا في عمليات استيلاء على أراضي الدولة

ومتمردين، هو السباق المحموم هنا وهناك من جانب كثير من القيادات لنهب الأراضي الخاصة والعامة والعقارات، أو الاستئثار بأموال عامة من ضرائب وعائدات أو إتاوات خارج القانون، والاستحواذ على ممتلكات الدولة وتسخيرها للإثراء الشخصي غالبًا.
عندما بدأت الحرب، كان عشرات القادة من مختلف الأطراف لا يمتلكون أية ثروات تذكر، غير أن الوضع تغير حاليًا.. معظمهم صاروا أصحاب ثروات، وكثير منهم انخرطوا في عمليات استيلاء على أراضي الدولة والمواطنين، مستغلين مراكزهم العسكرية أو نفوذهم ومركزهم الوظيفي والسلاح لحصد مزيد من المكاسب والإثراء بوسائل غير مشروعة.. بعض تجار الحروب هيمنوا على عدد واسع من الشركات، بخاصة في صنعاء، أو استحدثوا شركات هيمنت على أكبر حصة في أسواق هامة كالنفط والأدوية وغيرها.
السوق السوداء التي فرضتها الحرب بقوة هي صنيعة تجار الحروب أنفسهم.
بينما تستمر الحرب في تقويض الاقتصاد والمعيشة للغالبية العظمى من الشعب، تتزايد أرصدة زمرة من القيادات والأثرياء الجدد مواليد الحرب، وتظهر المزيد من العقارات والفلل والمباني مملوكة لشبكة من النافذين الجدد، بينما يرقب اليمنيون ذلك بأسى وسخط وكبت، بالذات في مناطق سيطرة جماعة الحوثي التي تفرض حالة من القمع والترهيب.
تجار الحرب ينكشفون أكثر، المجتمعات المحلية باتت تتذمر وتتململ بشكل أكبر من قبل، من صنعاء إلى عدن إلى تعز إلى حضرموت.
يمكن للناس التنفيس قليلًا عن سخطهم في مناطق سبطرة الحكومة الشرعية، ونسبيًا في مناطق سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، كالخروج في تظاهرات أو وقفات احتجاجية أو التعبير عن آراء غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يستطيع المواطنون في مناطق سيطرة جماعة الحوثي التعبير أو الخروج في تظاهرات، بسبب القمع الشديد واستعمال القوة المميتة.
وقد صارت الحرب وما تسميه الجماعة العدوان، ذريعة لها لقمع كل رأي مخالف لتوجهاتها.
كما صارت الحرب نعمة لشريحة من الأثرياء الجدد من تجار الحروب في مختلف مناطق الصراع، تشمل قادة عسكريين أو قادة مجاميع مسلحة وسياسيين.. وبات استمرار الحرب مصلحة لهذه الطبقة المستجدة.
وليس هناك توقيت معين لنهاية المشكلة، ولا عمر افتراضي للمأزق الراهن المحدد بطبقة تجار الحروب.
المتغير أن مزيدًا من أصوات الاحتجاج تتعالى اليوم،
د وبصراحة أكبر في وجه من تحولوا إلى تجار حروب، وهيمنوا بشكل أو آخر على قطاعات الدولة، أو فرضوا أنفسهم كمزودي خدمات بدلاء للدولة التي يترقب ملايين اليمنيين عودة مؤسساتها يومًا ما، بعد انتهاء الحرب.
لكن الحرب لا تنتهي، بل تتحول مجرياتها إلى عادة وروتين، ومزيد من الفساد من قبل جماعات متعددة وأمراء حرب على خارطة تتوزع فيها مراكز النفوذ الجديدة التي نشأت مع الحرب، وخرجت من بين أنقاضها، وتكاثرت.
بمرور الوقت، يواجه المجتمع خطر الرضوخ لقوة العادة، بينما يترسخ نفوذ تجار الحرب مع الوقت، وتتقوى شبكات المصالح الجديدة وليدة الحرب، لتكبل المجتمعات، وليصبح استمرار الحرب هدفًا وغاية تدر مزيدًا من الأرباح للمنتفعين من الحرب دون رقابة ولا محاسبة في ظروف الحرب وغياب الدولة.
تضرب الحرب في العمق، وتمزق نسيج المجتمع، وتخلق معها قوالب جديدة للنفوذ المستقوي بالسلاح والعنف، وذريعة الحرب نفسها كمبرر لممارسة القمع والفساد والإثراء غير المشروع عبر استنزاف المجتمع.
قمع جاهز للانفلات، في خدمة تجار الحروب، دون ضوابط، لأنه لا دولة، والقانون معطل بفعل الحرب، ولأن سطوة الجماعات المسلحة تصبح متجاوزة للدولة في كثير من الحالات، متعدية اختصاصات الحكومة، وتعوق عملها، ناهيك عن أن تكون الحكومة الشرعية المعترف بها والحكومة الأخرى بصنعاء غير المعترف بها، متهمتين بالفساد.
وبذلك لا طرف في شمال اليمن أو جنوبه أو شرقه أو غربه، نجح في تقديم أبسط نموذج ممكن للدولة، باستثناء شبوة ومأرب نوعًا ما، والاستقرار الملحوظ في محافظتين شرق اليمن، هما حضرموت والمهرة.
خطورة الحرب أنها حولت كثيرًا من قيادات أطراف الصراع إلى تجار حرب، لسهولة عملية التحول تحت إغراء السيطرة المسلحة والنفوذ السياسي، وسهولة بسط النفوذ بقوة السلاح ومنطق الحرب.
المنطق الذي جعل بعض القادة يفكرون أن دورهم في الحرب يمنحهم سلطة عليا فوق القانون، وفي غياب الدولة لسرقة المال العام أو البسط على أراضي الدولة والمواطنين بقوة السلاح.
حدث هذا في عديد حروب ونزاعات أهلية في بلدان كالصين مثلًا خلال الربع الأول من القرن العشرين، إذ عانت البلاد خلال عهد أمراء الحرب بوجود حكومة هشة “الكومنتانغ”، وتمزقت الصين إلى مناطق نفوذ، وانقسمت، وكان مصيرها على المحك، ومهددة بالانشطار إلى مجموعة أقاليم منفصلة.
تدين الصين الشعبية “الشيوعية” ووجودها اليوم بالفضل للقوميين الصينيين “الكومنتانغ”، الذين ركزوا جهودهم على القضاء على أمراء الحرب.
ولسبب مماثل، مستقبل اليمن حاليًا على المحك، بوجود شبكة من تجار الحرب أفرزتهم الحرب.
حين تطول الحرب، وتتحول إلى تجارة مربحة للبعض تترسخ مرحلة أمراء وأثرياء الحرب خارج القانون، الذين لا يتصورون أنفسهم في ظل دولة مجددًا، فحجم السلطة والأموال التي آلت إليهم جعلتهم يرون أنهم هم الدولة وهم القانون.
هذه الشبكة التي تزداد ثراءً، تصبح أكبر عقبة أمام السلام.. حتى لو لم يكن هناك إيران على خط الأزمة كمصدر رئيسي لإعاقة أي سلام في اليمن.
تحديد من يعرقلون السلام في اليمن على وجه الدقة، يشير إلى طرفين اثنين لا ثالث لهما؛ إيران، وتجار الحرب المحليين من مختلف الأطراف.
مع ذلك، سيكون لهذه الحرب نهاية حتمية، إذ إن لكل حرب بداية ونهاية، وسيخوض اليمنيون مرغمين تحدي التخلص من شبكة تجار الحرب.
ذلك أنه لا يمكن لأي بلد أن ينعم بالاستقرار في ظل حكومة هشة تتنازع سلطاتها مع أمراء وتجار حرب، كما أنه لا يمكن لأي بلد أن يحافظ على وحدته أو يتجاوز حالة التشظي ومخاطر الانهيار الاقتصادي والتمزق الاجتماعي في ظل هيمنة أمراء وتجار حروب هنا وهناك.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.