fbpx
عبدالعالم بجاش

عبدالعالم بجاش

كاتب صحافي يمني

ثلاثة أطراف يقوضون الشرعية أخطرهم قيادتها

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

عام 1970، كانت صعدة مسرحًا للقتال بين الحكومة الجمهورية والإماميين، وقد سقطت صعدة في ذلك العام بقبضة الإماميين.
في كتابه ” 50 عامًا في الرمال المتحركة”، يقول محسن العيني، رئيس وزراء اليمن الشمالي في تلك المرحلة: “لم يكن سقوط صعدة نتيجة غلبة الملكيين على الجمهوريين، كما لم يكن هزيمة عسكرية، بل كان “قرفًا” ومللًا وسأمًا وهزيمة نفسية، كان شعورًا من المحاربين بأنهم يتعذبون ويتعبون ويجوعون، فيما الذين “فوق” يتفرجون ويستمتعون بالعيد ويقضون إجازات، لم تكن هناك تعبئة نفسية ولا توجيه معنوي، ولا خط سياسي واضح حتى يعرف الجنود أن للحرب نهاية. أقول هذا لأنه كانت لنا في صعدة قوات كبيرة لا يمكن عسكريًا أن تنهزم أمام تجمعات القبائل”.
يكرر التاريخ نفسه، مستغلًا غيبوبة قيادات الشرعية وكثير من القوى السياسية التي لا تقرأ التاريخ أو لا تتذكره ولا تتدبره أو تعيه وتتحرك كي لا يقع الشعب من جديد تحت طائلة الاستبداد القائم على أساس عرقي، أو يدخل في متاهة حقبة إمامية ظلامية جديدة، ويعاني مرارات تحت لوائح التفرقة العنصرية والتجهيل والإفقار المتعمدين.
هناك ثلاثة أطراف يمثلون تهديدًا ينذر بتقويض الشرعية وسقوط اليمن في المجهول، أولهم الحوثيون ومن خلفهم إيران، وثانيهم السعودية وحليفتها اللدود الإمارات، أما ثالثهم وأخطرهم فهم قيادة الشرعية نفسها.
من الطبيعي أن تسعى جماعة الحوثي لحرق صورة خصمها “الشرعية” في أذهان العامة، لكن من غير الطبيعي أن تقدم الشرعية بنفسها للانقلابيين الوقود والقداحة أيضًا.
من الطبيعي كذلك أن تنشد السعودية القضاء على النفوذ الإيراني في اليمن كي ينتهي التهديد للمملكة، لكنه غير طبيعي ولا مبرر أن ترعى السعودية كل ما من شأنه تعزيز هيمنة إيران وتسهيل انتصارات جماعة الحوثي الموالية لطهران من خلال سياسات سعودية تغلب عليها العادة التاريخية، عادة فرضت حكومة صورية لليمن غير مقيمة، ومولت أسوأ عادة لدى فريق الحكومة بأن حولتهم إلى فريق سياحي العيش في اليمن لا تطاق بالنسبة لمعظم المسؤولين، فضلًا عن إشكالات جذرية تمنع استقرار حكومة في الداخل وتطبيع المؤسسات الإيرادية بدل تحويلها إلى ثكنات إماراتية وتعطيلها قسريًا.
يترنح الريال اليمني أمام العملات الأجنبية في المناطق المحررة، وترتفع الأسعار بشكل جنوني، فتحترق سمعة وصورة الحكومة الشرعية الشكلية، في المقابل يظهر خصومها في وضع أفضل.
أما ثمار المشهد وتناقضاته فتجنيها طهران أولًا بأول، إذ تفاوض الرياض وتريد ابتلاع مأرب وإيهام العالم والإقليم أن السلام ممكن بمجرد حصولها على مأرب النفطية كجائزة وترضية.
يمكن لأبسط الناس إدراكًا تقدير الموقف، سقوط مأرب يعني أن مدن السعودية ودول الخليج ستصبح في مرمى أو تحت النفوذ الإيراني بشكل أو بآخر.
وبدلًا من معالجة الاختلالات الفظيعة في بنية الشرعية، ورأب الصدع الاقتصادي والنقدي، ومواجهة المخاطر العسكرية باستعادة زمام المبادرة في ظل التصعيد الحوثي المقوض لفرص السلام، توغل كل من السعودية والإمارات، دون رشد، لإبقاء المشهد مضطربًا باليمن، بخاصة في المحافظات والمناطق المحررة، وإبقاء الحكومة الشرعية ضعيفة، شبه ميتة، ومغيبة، ومستقطبة، تعيش خارج البلاد في رفاهية، فيما مئات من الكوادر المتواجدة في المحافظات الأكثر جدارة لتولي مهام إنقاذ الوضع، وممن يفترض أن توكل إليهم الأمور، في الهامش.
اعتادت السعودية انتقاء عينات بمواصفات محددة تلائم اللجنة السعودية الخاصة، وهي اللجنة التي شكلتها الرياض منذ عقود زمنية، ومهمتها فرض ما يشبه وصاية، والحرص على أن تكون حكومة اليمن معينة من الموالين للسعودية.
في ذروة الصراع الراهن، تريد المملكة أن تتحد الأطراف اليمنية في مواجهة الحوثي، لكنها لا تتخذ أي إجراءات من شأنها تقوية اليمن وحكومته فعلًا، باعتبار ذلك يصب في تحقيق مصالحها أولًا قبل اليمن، لأن وجود حكومة شبيهة بالدمية في يد السفير السعودي، لا يخدم السعودية، بل إيران وجماعة الحوثي الانقلابية.
وعندما تقول طهران إن لديها 6 جيوش تابعة لها في المنطقة، من بينهم الحوثيون في اليمن، فهي تفعل ذلك بثقة كبيرة، لأن خصمها الرئيسي السعودية تخلى عن مسؤولياته المفترضة في مواجهة مخطط إيران للهيمنة على المنطقة، ولأن الرياض لم تغير سياستها، وماتزال مصرة على التحكم بقيادة الشرعية وحكومتها، وترك اليمن مسرح عمليات عسكرية وسياسية واقتصادية لعبث إيران ودورها السلبي.


قد يكون للدور الإماراتي سطوته أيضًا، وتأثيره السلبي في تقويض الشرعية وإضعاف الحكومة إلى الحد الذي يدفع المبعوث الأمريكي لزيارة أبوظبي، وبحث موضوع عودة الحكومة الشرعية اليمنية إلى عدن.
ربما لا تملك السعودية الكثير في مواجهة الصلف والتصلب الإماراتي، أو شطط المجلس الانتقالي الجنوبي ذراع أبوظبي، وقد تكون قدرتها في الضغط على الإمارات محدودة بشأن مطالب استعادة منشأة بلحاف الغازية، وتشغيلها في أشد مرحلة عصيبة يواجهها اليمن المهدد بالانهيار اقتصاديًا.. كل الاحتمالات والمبررات واردة، غير أنه لا أحد أرغم الرياض على انتهاج سياستها القديمة بإعادة تشكيل مجموعة كبيرة من الأتباع ضمن قوائم مخصصات اللجنة السعودية الخاصة، وجلبهم من اليمن منذ سنوات، لتحويلهم إلى لوبي سياحي، واعتبارهم واجهة الشرعية والحكومة.

غياب القيادة في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام خطر وجودي يتمثل في تمدد النفوذ الإيراني والهيمنة الإيرانية، هو ما يجعل قيادة الشرعية الحالية في موقف من يؤدي أخطر دور لتقويض الشرعية


وفي وقت تقضم جماعة الحوثي المزيد من الأراضي والمناطق عبر عمليات عسكرية ودعم إيراني من أعلى مستوى وعلني بتصريحات أطلقها الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، ومن أول يوم له في الرئاسة وأصدائها إلى يومنا من خلال خطاب زعيم الجماعة بالسعي للسيطرة على كامل أراضي اليمن، لم تغير السعودية أي شيء في سياستها، بل صارت أكثر جمودًا وبروح انهزامية أمام إيران، وليس هذا موقف الشعب اليمني في الداخل.
وإن أسوأ نكبة لليمن ومستقبله أن يواجه أخطر المآزق عسكريًا واقتصاديًا، وليس لديه قيادة حقيقية.. وليس لديه حكومة فعلية، وليس لدى قيادته الصورية مجرد حس بالمسؤولية، لدرجة أن المديريات تتساقط، والعملة تنهار، ولا يظهر رئيس البلاد أو حكومتها لإعلان حالات الطوارئ أو الانعقاد الدائم، كما تفعل الحكومات الأخرى عند مواجهة خطر أقل مما يواجهه اليمن اليوم، وإعادة بناء الموقف عسكريًا واقتصاديًا.

أمام هذا الخطر الذي يتجلى أكثر في اليمن، يعيش معظم اليمنيين على أمل أن تستيقظ قيادة الشرعية، وتتحرك بشكل مختلف، عدا أن قيادة الشرعية التي نفت نفسها خارج البلاد، وأخذت معها القرار، تزداد غيابًا كلما اشتد الخطر في الداخل اليمني،


غياب القيادة في مثل هذه الأوقات العصيبة، وأمام خطر وجودي يتمثل في تمدد النفوذ الإيراني والهيمنة الإيرانية، هو ما يجعل قيادة الشرعية الحالية في موقف من يؤدي أخطر دور لتقويض الشرعية.
وإذا قوضت الشرعية، يكون اليمن انزلق في حقبة مظلمة قد تمتد لزمن طويل، وتكون إيران حققت أكبر أهدافها، وتكون الرياض وعواصم خليجية أخرى هي التالية على لائحة الأهداف الإيرانية.. أهداف ومخطط توسعي يعلن عن نفسه كل يوم، وكل يوم تذكرنا إيران أن لديها 6 جيوش عربية تابعة لها في المنطقة، وأن من يحاول استهداف إيران أو الإضرار بها، عليه أولًا مواجهة تلك الجيوش.
أمام هذا الخطر الذي يتجلى أكثر في اليمن، يعيش معظم اليمنيين على أمل أن تستيقظ قيادة الشرعية، وتتحرك بشكل مختلف، عدا أن قيادة الشرعية التي نفت نفسها خارج البلاد، وأخذت معها القرار، تزداد غيابًا كلما اشتد الخطر في الداخل اليمني، وتواصل احتكار السلطة والقرار.. فلا هي تحركت ولا قدمت استقالتها ودعت اليمنيين في الداخل لاختيار سلطاتهم المحلية أو القيام بأي تدابير إنقاذ أخرى.
كل ما هو مهم استمرار عشرات أو مئات الملايين من الدولارات لجيش من مسؤولي الحكومة يقضون حياتهم خارج البلاد، ويحكمون عبر الواتس آب.
وإن جزءًا من حملات جماعة الحوثي الممنهجة قد تعمدت بالفعل إبراز تلك الصورة عن قيادة الشرعية، وإظهارها قيادة مترهلة لا همّ لها سوى العيش برفاهية في فنادق بدول الخارج. وتلك خطة مفهومة لإحراق صورة الخصم.
لقد نجحت الجماعة الانقلابية كليًا في ذلك، لكن نجاحها في إحراق صورة قيادة الشرعية في أذهان الجماهير، وحتى لدى الموالين للشرعية، وهم الشريحة الأكبر، لم يكن بسبب حملات الانقلابيين فقط، بل إن أحد الأسباب هو سوء أداء قيادة الشرعية والحكومة وإدارة البنك المركزي والعادات السعودية السيئة وسياستها القديمة التي تنظر دومًا لضرورة أن تكون حكومة اليمن دمية تابعة للجنة الخاصة السعودية، وتوجب أن يكون السفير السعودي هو الحاكم الفعلي.
تبقى الشرعية فكرة وجوهرًا قائمًا، والأساس المعترف به في القوانين الدولية في وجه التمردات والتمزق ونزعة الجماعات المسلحة لتقويض البلدان بقوة السلاح، والاستيلاء على السلطة بطريقة غير مشروعة.
هذه الشرعية وأساسها النظري تحتاج قيادة جديدة قوية وغير فاسدة لتصنع فرقًا كي يشرق السلام على اليمن مجددًا من خلال خيار الدبلوماسية أو الحسم العسكري.
كما تحتاج تحركًا في الأطر العربية والدولية للتعامل مع جنون العظمة الإماراتية، في ظل خطر طموح إيراني يريد ابتلاع الجميع.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.