fbpx
د.سامية عبدالمجيد الأغبري

د.سامية عبدالمجيد الأغبري

أستاذ الصحافة المساعد بكلية الإعلام - جامعة صنعاء

التعليم في اليمن… خطوات سريعة إلى الخلف

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تعد الستينيات والسبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، ما يمكن تسميته بالعصر الذهبي للتعليم بشكل عام، والتعليم الجامعي بشكل خاص. ومن المفارقات العجيبة والمؤلمة أن يكون التعليم في الماضي متطورًا أفضل من الحاضر بكل المقاييس.. فبدلًا من أن يحدث تطور في مجال التعليم في اليمن في العصر الحالي، إلا أننا للأسف الشديد صرنا نرتد إلى الخلف بخطوات سريعة.
كان التعليم في الأمس بمختلف مراحله، بدءًا من التعليم الأساسي والثانوي وحتى التعليم الجامعي وفوق الجامعي، يسير وفق خطط مدروسة، وللمدرسة والجامعة هيبة ورهبة، وفيهما يتم مراعاة الأصول والقواعد، وبخاصة الجامعة التي كان يطلق عليها الحرم الجامعي، فلا يدخلها من هب ودب.
وعندما نتحدث عن التعليم الجامعي في الماضي، وبالذات بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، و14 أكتوبر 1963، سيتضح لنا أن التعليم الجامعي كان متطورًا بمقياس عصره من حيث المناهج الدراسية، والأستاذ الجامعي المؤهل والكفء، والإدارة الجامعية والبنية التحتية للجامعة كتوفر المعامل والمختبرات، والقاعات المؤثثة تأثيثًا مناسبًا ومريحًا لطلبة الجامعة وأساتذتها.

كان طالب الثانوية في الأمس يعادل طالب الجامعة اليوم من حيث المستوى التعليمي والثقافي والإبداعي، وربما أكثر، وذلك لأن التعليم كان فيه قدر كبير من الجدية والحزم، والمناهج قوية


ورغم أن الطبشور والسبورة التقليدية كانا هما الوسيلتين التعليميتين الأساسيتين، إلا أن مخرجات الثانوية العامة من الطلاب والطالبات، كانت بمستوى عالٍ من التأهيل، وسعة في الوعي والثقافة، ولم يكن طالب الجامعة يتخبط بين كليات الجامعة المختلفة في تخصصاتها، ويضطر للدراسة في أكثر من كلية كما يحدث اليوم. فقد يلتحق بكلية ما وهو لا يعرف ما يمكن أن يستفيد منها، ويضطر لإيقاف القيد، والتحول لكلية أخرى. وفي كثير من الأحيان يدرس في تخصص، ثم ينتقل إلى غيره، فتضيع سنوات عمره هباء.

هناك حصص مخصصة لتنمية الهوايات المختلفة كالرسم والموسيقى والرياضة والغناء والتمثيل والصحافة الحائطية والإذاعة المدرسية والمكتبة المدرسية كحصة للقراءة والمطالعة والاستعارة والمسابقات المدرسية .


كان طالب الثانوية في الأمس يعادل طالب الجامعة اليوم من حيث المستوى التعليمي والثقافي والإبداعي، وربما أكثر، وذلك لأن التعليم كان فيه قدر كبير من الجدية والحزم، والمناهج قوية، والأساتذة من الكفاءات من دول عربية كمصر والعراق والسودان، وبخاصة في شمال اليمن. أما في جنوبه فكانت هناك كفاءات من أبنائها بحكم إدخال الاستعمار للتعليم النظامي في وقت مبكر، واهتمام حكومات الاستقلال بالتعليم في مختلف مراحله.
كما كانت هناك حصص مخصصة لتنمية الهوايات المختلفة كالرسم والموسيقى والرياضة والغناء والتمثيل والصحافة الحائطية والإذاعة المدرسية والمكتبة المدرسية كحصة للقراءة والمطالعة والاستعارة والمسابقات المدرسية.
كانت المدارس زمان شعلة من النشاط والحيوية، وفيها قدر كبير من الانتماء للمدرسة ولزملاء وزميلات الدراسة، أما حاليًا فلم تعد المدرسة بذلك الزخم، بل العكس هو فقدان الطلاب والطالبات الشغف العلمي، والتسرب من التعليم، وتدهور مستوى المعلمين العلمي وقلة خبرة البعض منهم، وتدهور ظروفهم المادية والمعيشية، مما يضطرهم للدروس الخصوصية.
ولم يعد للمدرسة دور تربوي وعلمي كالأمس، فقد طغت الفوضى، وسادت الملخصات المخلة والمسماة بالملازم، والتي يتم حفظها وتفريغها في ورقة الإجابة في الامتحانات، ومن ثم يتخرج الطلاب والطالبات من الثانوية العامة كأنهم لم يدرسوا شيئًا يذكر.
وانعكس كل ذلك على التعليم الجامعي، إذ إن مخرجات الثانوية العامة غالبيتها العظمى طلاب اتكاليون ومعتمدون على ملخصات وتلقين وحفظ…، لذلك أضحى الطالب الجامعي غير مستوعب أنه التحق بالجامعة التي تتبع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.


فرسالة الجامعة هي التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع، وهو ما لم يستوعبه ويعه الأستاذ الجامعي والطالب الجامعي أيضًا، فحين تنظر إلى طلاب وطالبات الجامعة، وخصوصًا في الكليات النظرية، أي العلوم الاجتماعية، ستجدهم قليلًا ما يرتادون المكتبات، ويبحثون فيها، ولم يعد الطالب الجامعي يهتم بالتحصيل العلمي واكتساب المعارف لتنمية قدراته وتطوير مهاراته، وإنما بغرض الحصول على النجاح والشهادة كجواز مرور للوظيفة.
كما لم تعد المدرسة اليوم بقادرة على اكتشاف وتنمية وصقل مواهب وقدرات الطلاب في مختلف المجالات الإبداعية، حيث لا توجد حصص رسم وموسيقى وغناء وتمثيل ورياضة بدنية وتدبير منزلي وصحافة حائطية وإذاعة مدرسية ومكتبة مخصصة للقراءة… الخ.

غالبية المدارس في بلادنا لم تستفد من التطور العلمي والتقني وثورة المعلومات بحيث يتحول التعليم إلى تعليم تشاركي عبر شبكة الإنترنت واستخدام الحواسيب


لذلك فإن الطالب الجامعي يخرج من الثانوية العامة كأنه خرج من القمقم إلى فضاء أوسع، فترى البعض منهم ممن يمتلك الموهبة الفطرية والاستعداد، يحاول أن يبرز قدراته ومواهبه، ولكن للأسف الشديد فإن أغلب أساتذة الجامعة لا يلقون بالًا للطلاب الموهوبين والمبدعين، ليس هذا فحسب، بل إنهم يمكن أن يحبطوهم، ويحاربوهم، فيحرموهم من النجاح والتفوق، بحجة أن إجاباتهم ليست من المقرر!
ولأن غالبية المدارس في بلادنا لم تستفد من التطور العلمي والتقني وثورة المعلومات بحيث يتحول التعليم إلى تعليم تشاركي عبر شبكة الإنترنت واستخدام الحواسيب، فقد انعكس ذلك بدوره على التعليم الجامعي الذي مازال في معظمه تعليمًا تقليديًا يفتقد التفاعل والمشاركة من قبل الطلاب والطالبات، وإن حاول بعض الطلاب الموهوبين والذين ثقفوا أنفسهم خارج إطار المدرسة، أن يتفاعلوا مع أساتذتهم ويقدموا آراءهم ومقترحاتهم حول موضوع ما من خارج المقرر، يسخر منهم الأساتذة، وقد يُنعتون بصفات سلبية، مما يجعلهم ينفرون من الجامعة كليًا.
ومن أهم عيوب التعليم الجامعي، اعتبار أن ما يقوله الأستاذ الجامعي كأنه كلام مقدس على حسب المثل القائل: “من علمني حرفًا صرت له عبدًا”، وبخاصة بعد أن تم تدجين طلبة الجامعة، وتحويلهم إلى تابعين لأساتذتهم، فبهتت مشاركتهم الفاعلة، وقلت إن لم تكن انعدمت مبادراتهم الذاتية.
فمازال تعليمنا خارجًا عن سياق العصر، ولذلك فإن مخرجات الثانوية العامة في معظمها -إلا في ما ندر- ضعيفة علميًا وثقافيًا، وتفتقر للقيم العلمية.
وينعكس ذلك بدوره سلبًا على التعليم الجامعي اليوم، والذي أضحى تعليمًا قاصرًا وبعيدًا عن التطور العلمي والتقني، فالطلاب والطالبات الذين تخرجوا من الثانوية العامة، اعتادوا على التعليم التقليدي القائم على التلقين والحفظ، والخالي بدرجة كبيرة من البحث العلمي.
فلا تكاد ترى طلابًا وطالبات يرتادون المكتبات الجامعية أو المكتبات العامة، إلا قلة منهم، ولذلك تجدهم يتعاقدون مع مكتبات ومحلات الإنترنت كي يستخرجوا لهم بحوثًا ودراسات جاهزة من الإنترنت، ولا يكلفون أنفسهم قراءتها وتعديلها، وكل ما يعمله الطالب الذي سرق بحثًا متكاملًا من الإنترنت، هو إضافة صفحة الغلاف للبحث، فيها شعار الجامعة، ويضيف اسم الكلية والقسم واسم أستاذ المادة واسمه كمعد للبحث.
ولا يتمكن أغلب الطلاب والطالبات من مناقشة بحوثهم، لأنهم ببساطة لم يعدوها بجهدهم، وليس لديهم روح البحث والمثابرة والجد، فقد تعودوا من المدرسة على أخذ كل شيء جاهز كالملزمة، أو عمل نشاط ما قام به أحد أفراد أسرته، أو دفع مقابل إنجازه.
كما لم تعد هناك رحلات علمية وثقافية وترفيهية، ولا أنشطة جامعية تسهم في تنمية مواهب وقدرات وإبداعات الشباب الجامعي، إلا بشكل محدود، وغير ذي جدوى.
وما زاد الطين بلة، هو محاولة فصل الطلاب عن الطالبات في مجال البحوث والتكاليف، وفي إعداد مشاريع التخرج، وحفلات التخرج، مما يحرم الجنسين من الاستفادة من بعضهم البعض، والقدرة على إنجاز أعمال مشتركة تحقق الفائدة العلمية والمجتمعية.
لذلك نحن بحاجة ماسة لإجراء الدراسات والبحوث العلمية لتقييم تجربة التعليم الجامعي في بلادنا، والخروج بمقترحات وتوصيات عملية وواقعية تسهم في معالجة مكامن الخلل في العملية التعليمية.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.