fbpx
عبدالعالم بجاش

عبدالعالم بجاش

كاتب صحافي يمني

جماعة الحرب لا تحب كرة القدم

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

أعادت كرة القدم لليمن ما أضاعته السياسة اليمنية من مهابة.
الحرب صنعت من اليمن بلدًا فاشلًا ومنزوع السيادة، وجاء منتخب الناشئين ليصنع بطولة كروية، ويعيد اليمن إلى الخارطة، ولو مؤقتًا.
الفوز ببطولة غرب آسيا للناشئين أعاد تسليط الأضواء على قضية تجنيد الأطفال، وجاء بتوقيت تقوم فيه جماعة الحوثي، أحد أطراف النزاع، بتجنيد المزيد من الأطفال، والدفع بهم إلى جبهات القتال في مأرب، حيث يقتل العشرات يوميًا.
قد تكون لكل أطراف الحرب أخطاؤهم، وما ترتكبه جماعة الحوثي باستخدامها للأطفال كأنساق قتالية أولى في جبهات القتال بمأرب، هو فظائع مستوحاة من أساليب إيران خلال الحرب العراقية- الإيرانية.
وقد حاولت جماعة الحوثي مجاراة الشعب اليمني في فرحته العارمة بفوز منتخب ناشئيه ببطولة غرب آسيا، غير أن نموذج الطفل الرياضي الذي يعشق كرةالقدم، ليس النموذج المثالي لدى الجماعة، كما تشير أدبياتها وممارساتها طيلة سنوات الحرب السبع، ومنذ عقود طويلة.
دأبت الجماعة على صناعة الطفل المحارب، الطفل المجند ضمن أفواج ما تسميه مسيرتها القرآنية. وقبل سنوات طويلة منذ وقت مبكر، كانت مدارس في صعدة تفرض على الطلبة الصغار الحضور للمدرسة وتلقي الدروس بأسلحة الكلاشنكوف، وكذلك فعل معلموهم بهدف تنمية الحس الحربي لدى الصغار. والحق أن كرة القدم لم تكن محاربة في صعدة، مثلها مثل بقية المحافظات، وفيها يلعب الأطفال، لكن الرياضة هناك ليست شيئًا قياسًا بالنشاط والمجهود الحربي الذي يركز على الصغار، ويحاول جذبهم بكل السبل.

حاولت جماعة الحوثي مجاراة الشعب اليمني في فرحته العارمة بفوز منتخب ناشئيه ببطولة غرب آسيا، غير أن نموذج الطفل الرياضي الذي يعشق كرةالقدم، ليس النموذج المثالي


هذه الصورة النمطية كرستها جماعة الحوثي عن نفسها ونهجها، إنها تفاخر بصناعة جيل محارب، جيل الصرخة والهوية الإيمانية كما تقول، والتسمية الأخيرة يتم غرسها في الأذهان بطريقة ممنهجة، لتحل محل الهوية اليمانية.
غير أن شعبًا بأكمله في ساعة من الزمن، هتف من كل قلبه: “حيو اليماني”، ابتهاجًا ببطولة كروية صنعها منتخب الصغار، وأعادت ترسيم اسم اليمن في وجدان الشعب المنقسم والممزق بفعل الحرب.
ليس ذلك وحسب، عاشت اليمن أيامًا سعيدة مع بطولة كروية أشبه ما تكون باستراحة وحيدة للمشاعر الشعبية في بلد أنهكته الحرب، شعب بأكمله اعتراه الغضب حيال ما تعرض له أحد اللاعبين الصغار من قبل مساعد مدرب الفريق السوري، وكادت أزمة تتأجج بين بلدين، كما ابتهج الشعب بأكمله لساعات عندما كان منتخب اليمن للناشئين يصنعون الانتصارات، ويقدمون أداءً رياضيًا غير معهود.
وليست هذه الصورة ملائمة لتجار الحرب، بخاصة الطرف المسؤول عن أكبر عمليات تجنيد للأطفال، وتعبئة ذهنية حربية، وهم جماعة الحوثي، وفق ما تشير إليه جميع التقارير الدولية حول تجنيد الأطفال في اليمن.
الأثر الذي صنعه فوز اليمن ببطولة غرب آسيا للناشئين، أعمق من مجرد فوز ببطولة كروية، إنه إعادة تصويب للمسار الطبيعي، وما يجب أن تكون عليه حياة الأطفال نحو المدرسة وكرة القدم، وليس البندقية وجبهات القتال.
في عديد مدارس بصنعاء ومحافظات أخرى، هناك صائدو أطفال يعملون لحساب جماعة الحوثي، مهمتهم استقطاب أطفال المدارس لتجنيدهم.
وهناك تصريحات علنية لقيادات في الجماعة، بمن فيهم مسؤولون في وزارة الشباب والرياضة، حرضت علنًا على ضرورة تجنيد أطفال المدارس.

أن ما تجيده جماعة الحوثي هو تعليمهم كيف يحملون عبوة ناسفة، وكيف يزرعونها في باطن الأرض والطرقات العامة وحول آبار المياه،


وقد استحضرت الجماعة صورة الطفل المحارب الأسطورة “طومر”، وغيرت اسم مدرسة باسم طفل مجند لقي حتفه في إحدى جبهات القتال، وصنعت منه أسطورة حربية ودعائية لجذب مزيد من الأطفال، واستعمالهم وقود حرب.
النموذج الذي دأبت جماعة الحوثي على صناعته وترويجه، هو نموذج هاني طومر، وهو مثال لطفل مجند مع الجماعة، قتل في إحدى المعارك، وحولته وسائل إعلامها إلى أسطورة حربية، ورفعت لافتات تحمل صورته مرتديًا بدلة عسكرية برتبة مقدم، وعبارة الشهيد المجاهد المقدم هاني محسن صلاح عروي طومر “أبو فضل”، ما يعني أن نموذج حارس المرمى وضاح أنور الذي كان السبب الرئيسي في النصر الكروي والثمين لبلاده وشعبه، هو نموذج غير مرعوب في واقع الأمر لدى الحوثيين، ويعيد تصويب أذهان الأطفال وتركيزهم نحو الرياضة وكرة القدم والدراسة والأندية الرياضية، في وقت لا ترى الجماعة في المدرسة والنادي الرياضي سوى مراكز استقطاب وتجمعات لتجنيد الأطفال.
من يستعرض نشاط جماعة الحوثي منذ نشأتها، وطوال سنوات الحرب، يجد جماعة تركز على تنشئة الصغار تنشئة حربية، جماعة تسعى لخلق نموذج الطفل طومر، وتحويله إلى رمز تاريخي، جعلها تعيد تسمية مدرسة نشوان الحميري في صنعاء القديمة، وتطلق عليها مدرسة هاني طومر. إن الرغبة في محو اسم رمز تاريخي قومي بالنسبة لليمن، وإحلال اسم طفل مجند، تنطلق من الرغبة نفسها في تحوير الهوية اليمانية إلى الهوية الإيمانية، استغلالًا للدين لطمس الشخصية الاعتبارية لليمن كأمة وشعب ودولة وتاريخ.
إن طبيعة تكوين جماعة كالحوثيين، ليست على وفاق مع المدرسة، ولا تحب كرة القدم كرياضة يعشقها الصغار. التدريب على القنص وحمل السلاح والقيام بمهمات قتالية، هو ثقافة لدى الحوثيين يحرصون على تنميتها لدى الصغار.
بالنسبة لجماعة دربت مئات الأطفال على زراعة الألغام، وفق تقارير محلية ودولية، بالتأكيد لن يسرها أو يبهجها فكرة تعليم الأطفال كيف يسددون كرة القدم.
ذلك أن ما تجيده هو تعليمهم كيف يحملون عبوة ناسفة، وكيف يزرعونها في باطن الأرض والطرقات العامة وحول آبار المياه، وليس في خطوط التماس فقط، دون خرائط لقتل أطفال مثلهم ومدنيين آخرين، ولربما عادوا أو غيرهم من المجندين الأطفال، وداسوها وانفجرت بهم.
إن الوجه القاتم للحرب، هو وجود آلاف الآباء والأمهات ممن قُتل أطفالهم في الجبهات، بعد أن انتزعوا منهم دون إرادتهم، وحين عادت جماعة الحوثي بجثث أولئك الأطفال أو ما تبقى منها، رفضت العديد من الأسر، استلامها تعبيرًا عن القهر تجاه التجنيد القسري للأطفال في الغالب.
السياق الطبيعي لحياة طفل ك”هاني طومر”، كان أن يكمل تعليمه، أن يحمل دفاتره وأقلامه إلى المدرسة، ويلعب الكرة مع أقرانه الأطفال، وربما كان ليكون حارس مرمى جيدًا أفضل من طفل مجند قتيل، وأن يعيش حياته كطفل، وأن يكبر ليذهب إلى الجامعة، ويتخرج فيها طبيبًا أو مهندسًا أو أي شيء آخر، ربما كان ليكون حارس مرمى بدل جثة تم تحويله إلى حارس مقبرة الصراع ذي الطبيعة العنصرية الساعية لفرض نظام الحكم العنصري السلالي على الشعب اليمني بالعنف والإرهاب وقوة السلاح المنهوب من الدولة. الدولة التي لم تفقد حسها بالحياة إلى ما قبل 21 سبتمبر 2014، عندما انقلب الحوثيون على الدولة والحكومة والمجتمع، وأشعلوا حربًا شعواء صنعت أكبر مأساة في العالم، وجندت لها آلاف الأطفال، قُتل منهم الكثيرون.
مأساة لم تخف وطأتها إلا قليلًا بفعل الملحمة الكروية التي صنعها منتخب اليمن للناشئين. ملحمة رياضية لن توقف دوامة الحرب، ولن تمنع جماعة الحوثي عن التربص لمئات الأطفال أمام أسوار مدارسهم، وفي الطرقات، بهدف جذبهم نحو الجبهات، وضمان حصولهم على الشهادة ونتائج عالية دون حاجة للدراسة.
أطراف الحرب الأخرى تجند الأطفال بنسبة محدودة، إذ تشير تقارير أممية إلى أن جماعة الحوثي هم الطرف الأكثر تجنيدًا للأطفال بنسبة 77%.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.