fbpx
لطف الصراري

لطف الصراري

كاتب وصحافي يمني

تعبيرات ثقافية عن أزمة الهوية اليمنية

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

الجدل الدائر بشأن الصورة المتداولة لعريس تعز وعروسه بالزيّ الشعبي، وقبله تصريحات الفنان محمد عبده، والعمل الفني “أنا اليماني”، هي مجرد تعبيرات عن أزمة وجدانية متجذّرة في بنية الثقافة اليمنية الراهنة.
الوصف الشائع لدى النخب المثقفة يعتبرها “أزمة هوية”، وهو مستوى أعمق للأزمة الثقافية ونتيجة لها. تعبّر أزمة الهوية عن نفسها في مظاهر كثيرة، منها الجدل الحاد حول أنواع الملابس وطريقة ارتدائها، وفي أصناف الطعام وعادات طبخه وتناوله، وفي تنوّع الفنون والموسيقى والآداب، وفي تعدّد اللهجات وطريقة التخاطب والتعامل. كل هذه مظاهر لأزمة ثقافية موغلة في الزمن، ومتأثرة بعوامل داخلية وخارجية، لكن إزمانها أدى إلى تسرّب العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية الأصيلة. هذا التسرب المزمن أوصلنا إلى فقدان الشعور الصحّي بالانتماء لذات جامعة تنتظم فيها خصائص التنوّع المذهل للثقافة الشعبية التي شكّلت عادات الزواج والولادة والوفاة… وما إلى ذلك من جوانب الحياة العامة والخاصة. الثقافة الشعبية لليمن تتّسم بتنوّع أكبر ممّا نعتقد أننا ندركه، وطالما تعرّضت لجنايات التعصّب لها وضدّها عبر مئات السنين، كما أثرت وتأثرت بغيرها من ثقافات الشعوب منذ بدء الوجود البشري على الأرض.
ابتكر اليمنيون لغتهم وملابسهم ونظُم علاقاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثل أي شعب في العالم، ومثلما احتفظوا لأنفسهم بخصوصية حياة فريدة، تلاقحت ثقافتهم مع الثقافات الأخرى. وخلال موجات الانحسار الحضاري، كان الانقسام الداخلي وازدهار العداوات في ما بينهم في طليعة أسباب الانهزام الجمعي، سواء أمام القوى الغازية أو أمام

الزيّ الذي ظهر به عريس تعز عُقبة الشميري، بعض ملامح زيّ تقليدي لحفل الزواج، لكن فستان عروسه بدا عاديًا جدًا، وبإمكان أي شخص نشأ في مدينة تعز أو محيطها الريفي، رجلًا أو امرأة، أن يدرك أنه ليس الزيّ التقليدي للعروس في محافظة تعز. هو لباس يشبه “الزّنّة” التي كانت ترتديها المرأة في الريف في يوم عادي، لكن المشهد الذي ظهر فيه الزوجان، والجدل الذي دار بشأنه، ينطوي على تعبير حقيقي عن جوع مزمن في العاطفة الجمعية لشعور بالانتماء

تحدّيات المواكبة لتطور الأمم الأخرى. الهزائم إرث ثقيل، ومثلها السعي لإحراز انتصارات داخلية تأتي على التنوع الوطني وتُجبر المجتمعات المحلية على التجانس بالقوة، أو حتى بالقوة الناعمة. هذا القسر الطويل على التجانس، ولّد خللًا في الشعور بالانتماء الجمعي لدى اليمنيين، وفي كل مرحلة يصل فيها هذا الخلل إلى درجة الجوع الوجداني، تبزغ أصوات التفاخر من رماد مجد مندثر. هكذا حصلنا على حصتنا من الشعراء والنخب المثقفة الميّالة للبكاء على الأطلال أو للتفاخر المرتبك باستدعاء صورٍ من ثقافة غاربة لا نعرف من تفاصيلها سوى أنها كانت ملونة.
قد يكون في الزيّ الذي ظهر به عريس تعز عُقبة الشميري، بعض ملامح زيّ تقليدي لحفل الزواج، لكن فستان عروسه بدا عاديًا جدًا، وبإمكان أي شخص نشأ في مدينة تعز أو محيطها الريفي، رجلًا أو امرأة، أن يدرك أنه ليس الزيّ التقليدي للعروس في محافظة تعز. هو لباس يشبه “الزّنّة” التي كانت ترتديها المرأة في الريف في يوم عادي، لكن المشهد الذي ظهر فيه الزوجان، والجدل الذي دار بشأنه، ينطوي على تعبير حقيقي عن جوع مزمن في العاطفة الجمعية لشعور بالانتماء؛ ليس للمكان فحسب، بل لثقافة شعبية كانت إلى ما قبل نصف قرن تحتفظ ببعض ملامحها في عموم اليمن، ثم طغى عليها خليط من ثقافات مختلفة المصادر، وبالتناغم مع الإيقاع المتسارع للعولمة الثقافية والاقتصادية.
يصعب الجزم إذا ما كان هذا النزوع المرتبك للثقافة الشعبية سيعبّر عن نفسه لو لم تكن البلاد تشهد حربًا، لكن التفاعل المبالغ فيه مع أحداث من هذا النوع، إيجابًا أو سلبًا، سيؤدي بالضرورة لمزيد من تلاشي الثقافة الشعبية واستعادة نسخة مشوهة منها. كما أن قمع هذه التعبيرات بالاتكاء على الفتاوى الدينية أو “العيب”، سيؤدي إلى نفس النتيجة، مضافًا إليها تشكُّل ثقافة شعبية لن تكون سوى مسخ من ثقافة مستوردة ورغبة متصاعدة في التعرّي نكاية بصرامة النزعة الأبوية. ولأن التطور الاجتماعي حتميّ بطبيعته، يحتاج الأمر لدراسات مخصصة للأزياء التقليدية في كل محافظة ومنطقة، على الأقل تلك الخاصة بالمناسبات.
في هذا السياق، لا تخلو المكتبة اليمنية من شذرات عن الأزياء الشعبية، ومنها فصل كامل خصصه الشاعر الراحل عبدالله البردوني في كتابه “الثقافة الشعبية” لـ”عادة الملابس” في اليمن، وفيه يتحدث ببعض التفصيل عن ارتباطها بالطبقية الاجتماعية. في ما يخصّ لبس النساء عند الزفاف، كان هناك زيّ يسمّى “الكِساوي”، وهو أحد ثلاثة أنواع من الملابس كانت تُجلب إلى الأسواق من مصابغ زبيد، صعدة، الجنَد ولحج. أما العرسان فكان لباسهم يسمّى “السبائغ”؛ جمع “سبيغة”، وهي مفردة لاتزال حيّة في المرويات الشعبية لبعض المعمّرين. وتأثرت الأزياء اليمنية بانفتاح السوق اليمنية على الأقمشة المستوردة في ثلاثينيات القرن العشرين الماضي، عبر مدينة عدن، وأدى انخفاض أسعارها إلى تقليص التفاوت الطبقي في المظهر، الأمر الذي دفع طبقة الحكام والأثرياء لشراء الأغلى ثمنًا والأكثر بياضًا، مثل “الممتاز” و”المصري” و”قلم الوزير”. كما تأثرت بتأرجح الأسعار بين الارتفاع والانخفاض أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، فتحولت نساء الطبقات الحاكمة والأثرياء إلى لبس النايلون بدلًا من “الدّمَس” الذي صار في متناول نساء الطبقات الفلاحية والعمّالية، وهكذا استمرت التحولات الاجتماعية تنعكس في الملابس كما في غيرها من مظاهر الحياة.
أبعد من ذلك، تأتي دراسة محمد عوض باعليان: “الملابس في اليمن القديم”، لتلقي الضوء على أنواع وعناصر الأزياء النسائية والرجالية، بناءً على ما يظهر منها في التماثيل والنقوش الأثرية، وعلى ما تواتر في المرويات التاريخية خلال العصر الإسلامي وما بعده. تميّزت دراسة باعليان بتفاصيل ثرية عن أنواع الملابس اليمنية القديمة، وفي كل الممالك الخمس: معين، سبأ، قتبان، حضرموت، أوسان، ومن بعدها مملكة حِمْير، تكونت ملابس الرجال من ثلاثة عناصر رئيسية: الإزار، الرداء والقميص، ومكمّلاتها من غطاء الرأس والنعال والحزام الذي عادة ما كان الخنجر/ الجنبية لصيقًا به. أما العناصر الرئيسية لملابس النساء فكانت إما ثوبًا من قطعة واحدة يغطي البدن من الرقبة إلى أعلى القدمين، أو قطعتين تلتقيان عند الخصر، وإلى ذلك مكمّلات الملبس من نعال وحليّ وأغطية رأس متعددة التصاميم.
لا يورد باعليان وصفًا للزي التقليدي للعروس في اليمن القديم، لكن إحدى المنحوتات التي وصفها تُظهر امرأة جالسة على كرسي بمسند خلفي، وترتدي “ثوبًا كاسيًا بأكمام طويلة وفتحة ضيقة عند الرقبة”، ومزينًا “بشريطين عموديين يتموجان مع حركة الجسم”، بينما “تحفّ بالمرأة فتاتان كل منهما تمسك بدفّ”. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن المشهد يوحي بحفلة زفاف، بخاصة أن المؤلف أشار في استنتاجه النهائي إلى أن ما ذُكر في المصادر التاريخية من أسماء الملابس اليمنية، للرجال والنساء معًا، لا يكفي لتصنيف أشكالها وأنواعها وأوجه استخدامها بدقة. ومن ناحية تأثر الأزياء اليمنية بالثقافات الأخرى، ذكر باعليان أنها لم تخلُ من مؤثرات خارجية نتيجة التلاقح الثقافي مع حضارات بلاد الرافدين ووادي النيل، إضافة للمؤثرات اليونانية والرومانية. وفي خصائص هذه الأزياء، يقول إن “ملابس النساء كانت أكثر تنوعًا من ملابس الرجال، بخاصة ملابس السبئيات والقتبانيات، وقد صنفت بناء على أساليب تزيينها إلى ثلاثة أنواع: الأول، ثوب مزخرف فضفاض وقصير يتراوح طوله ما بين منتصف الساق إلى قرب القدمين، وقوام زينته الزخارف الهندسية والأشرطة، فضلًا عن الخطوط الطويلة المنسقة. والنوع الثاني، ثوب ضيق ومفصل على الجسم يصل طوله إلى أسفل الركبة أو منتصف الساق، ومنه نوع ينتهي في الأسفل على هيئة سروال طويل، ويزين بالخطوط الأفقية الزجزاجية أو المستقيمة الرأسية والمتقاطعة”.
في نهاية المطاف، تبقى مسألة الأزياء الشعبية مثل أية خاصية أخرى للثقافة اليمنية، تؤثر وتتأثر بالثقافات الأخرى عبر عدة عوامل، منها الهجرات والتبادل التجاري والنفوذ الاقتصادي والسياسي العابر للحدود. ولأننا في مرحلة تحوّل ممتدة منذ عقد مضى، وقد تمتد لسنوات قادمة، فهي فرصة مناسبة لإعادة تشكيل الثقافة اليمنية وفقًا لأفضل ما توفرت عليه من أزياء وأصناف طعام وآداب وفنون، وبدون ارتباك الغراب الذي فقدَ مشيته ولم يتقن مشية الحمَام.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.