fbpx
حسن العديني

حسن العديني

كاتب صحافي يمني

13 يونيو.. حركة إعلاء القيم

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

لديَّ حيرة في ترتيب أفكاري تجاه حركة 13 يونيو وقائدها، بعد السنوات الطوال التي مرت، والتغيرات الكبيرة التي حدثت.
بالنسبة لمشاعري فهي ذاتها لم تتغير؛ حب جارف وإعجاب شديد بإبراهيم الحمدي.
وهل هذا وقته؟
ثمة من يتساءل، ويزيد:
هل يجوز الاستغراق في الماضي بالكتابة وحتى بالمشاعر، والانصراف بالتالي عن تطورات الحوادث الجارية، وهي مأساوية بأقسى المعاني، حيث نزيف الدم ونزيف الثروات على آخرهما؟
وأضيف أنا نزيف القيم. نزيف إلى حد  التصحر. وهذه مسألة على صلة بموضوع حركة 13 يونيو وإبراهيم الحمدي، لأن الحركة رسخت قيمًا لم تبرح الذاكرة الوطنية، ولأن الانقلاب عليها جرى بطريقة عبرت عن قيم نقيضة، وحشية، ومنافية لكل ما هو أخلاقي وإنساني. وكان الانقلاب في ذاته بداية النزيف الكبير الذي زادت دفقاته على نحو فاجع في سنوات الحرب البائسة.
من ناحية ثانية، فإن الحوادث مازالت تتلاحق، وتمضي في مجرى متسع يصعب فيه تمييز الأشياء على الضفاف، وتقدير المنتهى الذي ستتوقف عنده الحوادث. ذلك مع الوعي أنه في حركة التاريخ لا شيء يستقر عند نهاية. ثم إن بعض الملل والزهق يصيب المرء وهو يتابع ويتقصى ما يجري على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، حيث الإمكانيات تهدر، والفرص تضيع. عندئذ لا يجد غير تحاشي الانخراط في عملية بناء حائط مبكى داخل وسائل النشر وعلى ناصيتها.
يبقى بعد هذا أن إهمال الحوادث الكبيرة في التاريخ، هو تخلٍّ عن واجب فهم الحاضر، وعن مسؤوليات التصدي للمستقبل. كما أن الإهمال نفسه، حتى بغير دوافع من سوء النية، يعتبر مشاركة في جريمة الاعتداء على ذاكرة الأجيال بالتشويه وبالتحريف.

إبراهيم الحمدي تعرض إلى ثلاث محاولات للقتل، نجحت الأولى ساعة قُتل بالفعل رميًا بالرصاص وطعنًا بالخناجر (الجنابي)، وفشلت المحاولة الثانية عندما لم يصدق اليمنيون وغيرهم حملة التشويه الرخيصة لسمعته ولشرفه، بمذبحة ثانية لغانيتين فرنسيتين بائستين


وأظن أن أحدًا لم يفزع وهو يرى على شاشة التلفزة برامج تعبئة تستدعي زمن الفتنة الكبرى بأهوالها، بقصد إصباغ الطهارة على عهود بعيدة وقريبة في تاريخ اليمن. ولم تكن تلك العهود التي يراد تطهيرها، سوى النقيض المطلق لإبراهيم الحمدي وتوجهاته، إذ هو أكثر من غيره سعى بإخلاص لتخليص الشعب من آثام العهود البغيضة، ومن ذيولها ومواريثها.
وإبراهيم الحمدي تعرض إلى ثلاث محاولات للقتل، نجحت الأولى ساعة قُتل بالفعل رميًا بالرصاص وطعنًا بالخناجر (الجنابي)، وفشلت المحاولة الثانية عندما لم يصدق اليمنيون وغيرهم حملة التشويه الرخيصة لسمعته ولشرفه، بمذبحة ثانية لغانيتين فرنسيتين بائستين، لم يكن نجاح الانقلاب معلقًا على موتهما، لكنها السفاهة أضيفت إلى الغرب، ومحاولة القتل الثالثة تمثلت بالعمل الحثيث على طمس منجزاته وتدمير آثار أعماله.
في روايات عن “رمسيس الثاني” أنه أمر بأن تشطب من المعابد الفرعونية بعض أسماء من سبقه من حكام مصر، وأن يعاد كتابتها منسوبة إليه. غير أن التاريخ كشف التزوير، وأعاد البطولة إلى أصحابها.
شيء من هذا حصل مع إبراهيم الحمدي، إذ كُشط اسمه من كل الصروح في حجرات الأساس التي قامت فوقها، في مسعى تأسيس الدولة المركزية الحديثة ذات النظام والقانون، ذلك الشعار الأثير الذي رفعه وبذل جهد عمره من أجل إنجازه.
بالطبع، ليس هنا مقام استحضار أسماء المؤسسات والهيئات والشركات العامة التي استحدثت في ذلك العهد، لأن ذلك سوف يخرج المقال عن سياقه، ويحوله إلى كشف طويل عريض، ممل ومرهق. وهذه على أية حال موثقة في سجلات الدولة، ثم إنها قائمة على الأرض حتى لو أزيلت الشواهد. فضلًا عن ذلك، فإن المهتمين كتبوا ووثقوا بمبادرات شخصية، من أمثال القاضي “علي أبو الرجال”، والأستاذ “محمد سعيد ظافر”.

الثالث عشر من يونيو، أعلن بيان الحركة، ثم توالت القرارات من اليوم الأول، بصورة لاح معها أن البلاد تدخل عهد همة وحيوية. وصباح الثلاثاء كان الرئيس الشاب والنشيط ذو الشخصية الجذابة، يودع في مطار تعز سلفه العجوز بائس الطلعة، وكانت المدفعية تحيي الراحل بواحدة وعشرين طلقة


وخلاف المنشآت التي ضمت مؤسسات مستحدثة، تم في العهد القصير إنشاء المباني التي تلبي وظائف الأجهزة الحكومية على حسب طبيعة كل واحدة منها، بعد أن كانت تشغل بيوتًا صغيرة مستأجرة أو مصادرة على الأسر التي حكمت قبل سبتمبر. ذلك غير التطور والتوسع في مرافق البنية الأساسية التي شهدت ازدهارًا لا سابق يشبهه ولا لاحق يضاهيه.
لا شك أن صناعة النمو من تحت الواحد الصحيح، مثلت عملًا مدهشًا في بلد ينقصه الكادر، وفي بيئة سياسية محلية وإقليمية معادية. لكن هذا لم يكن الوجه الوحيد المبهر، ففي التاريخ أنظمة دكتاتورية وفاشية أقامت فوق الجماجم والأشلاء صروحًا  ضخمة، وأكثرها اختصر الزمان وأحرق المراحل، حسب تعبير لينين.. هتلر وستالين، حتى فرانكو جنرال إسبانيا.
إبراهيم الحمدي كان يطوي الزمان طي السحاب من غير دماء ومقابر، وبدون معتقلات وقيود.
مساء الخميس  الثالث عشر من يونيو، أعلن بيان الحركة، ثم توالت القرارات من اليوم الأول، بصورة لاح معها أن البلاد تدخل عهد همة وحيوية. وصباح الثلاثاء كان الرئيس الشاب والنشيط ذو الشخصية الجذابة، يودع في مطار تعز سلفه العجوز بائس الطلعة، وكانت المدفعية تحيي الراحل بواحدة وعشرين طلقة. وإذن، فلم تكن حركة بيضاء من غير سوء فقط، وإنما حركة محترمة، فيها تقليد حضاري، وفيها رجولة وفروسية، وكل المعاني المعاكسة لما اتسم به الانقلاب الآخر في 11 أكتوبر 1977. وهو ليس غيره إبراهيم الحمدي الذي فرض أسلوب إدارة الانقلاب بهذا الشكل، لأن بعض الذين كانوا معه اقترح إجراءً قاسيًا  ضد القاضي عبدالرحمن الإرياني، رئيس المجلس الجمهوري. وهؤلاء الذين جاؤوا معه يمثلون في الواقع الوجه القبيح للنظام السابق، وقد ظنوا وهم شيوخ قبائل وقادة جيش، أن هذا الوجه المشرق سيكون واجهة مقبولة تغطي فظائعهم، إذ يكفيه إغراء منصب الرئيس. لكنه أزاحهم بمهارات فائقة، وبتكتيكات غاية في الدهاء. ولم يحتج الحمدي لأن يقول للناس ارفع رأسك يا أخي، وإنما اكتفى بأن يطلب منهم أن يشمروا عن سواعدهم. ورفع الناس رؤوسهم، وفكوا عنهم أغلال الإقطاع وقيود الذل. واليمن بالفعل كان يخضع لإقطاع معنوي كرسته الأئمة بمنح نفوذ لشيوخ القبائل، لا يستند إلى ملكية زراعية كبيرة. وقد عاش هؤلاء يحتقرون العمل، ويتعيشون من عذاب الناس وعرقهم، حيث اعتادوا على المأموريات التي يكلفهم بها الأئمة ونوابهم بمقابل مادي ينتزعونه من أفواه الفلاحين.
وبعد الثورة، خصوصًا بعد 5 نوفمبر، قامت الدولة العائلة، وليس الدولة الراعية، أي أنها تولت إعالة هذه الفئة الصغيرة في المجتمع. وعندما تخلص منهم إبراهيم الحمدي، فقد ذهب يرسخ قيمة العمل، ويفجر بالحركة التعاونية وبغيرها طاقات الشعب، فخرج الناس يبنون ويعمرون في شتى المجالات. غير أن أثمن ما جاء به ذلك العهد، هو ارتفاع قيمة النزاهة إلى أعلى عليين. فبالتصحيح وبإرادة وهيبة قائد التصحيح، اختفت ظواهر الرشوة والاختلاس والمحسوبية وغيرها من السلوكيات السيئة.
…….
وأعود إلى تزوير التاريخ، وأقول إن من انقلبوا على الحمدي وحركته، لم يكتفوا بشطب اسميهما من المعالم والصروح العالية. لقد انقضوا على الإنجازات ذاتها، فألغوا الحركة التعاونية، وقلعوا الأشجار، وصفوا أو انحرفوا بوظائف البنوك التخصصية التي أنشئت بتمويل التنمية في مجالات الإسكان والصناعة والزراعة والتعاونيات. والأخطر منه أحيوا مبدأ احتقار العمل، وأعادوا الاعتبار للفساد وللطبقة الطفيلية التي كبر حجمها وتوسع نطاق أعمالها.
ذلك التدمير للقيم، ذلك النزيف الأخلاقي، أدى بين أشياء كثيرة إلى نزيف الدم ونزيف الموارد.
غير أنه لا يجب أن ننغمس في التشاؤم إلى درجة البكاء على الأطلال، خصوصًا وأن ثمة إشارات مشجعة، أهمها أن الرئيس الجديد “رشاد العليمي” لا يبدو غافيًا ولا غافلًا، وأنه في يقظته أخذ القلم، وراح يكتب شيئًا ما في صفحة السياسة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.