fbpx
عبدالعالم بجاش

عبدالعالم بجاش

الانعكاسات الاجتماعية للحرب في اليمن

ينتظر الملايين من اليمنيين استئناف حياتهم من حيث توقفت قبل الحرب، ويمكن لفتح الطرقات حتى في ظل الحرب، أن يشكل انفراجة هامة، تخفف من الانعكاسات الاجتماعية للحرب، وخطوة نحو مرحلة لم تزل بعيدة، مثلما يمكن لإنهاء الانقسام النقدي أن يخفف من الانعكاسات الاقتصادية للحرب في بلد ممزق ومنقسم بشدة.
تعز هي أكثر المحافظات معاناة جراء قطع الطرقات، وهي تواجه معاناة للعام الثامن بسبب الحصار الحوثي للمدينة من ثلاثة اتجاهات ومشقة في الحركة والتنقل يعانيها آلاف الناس نتيجة قطع الطرقات من قبل الانقلابيين الحوثيين.
التفاصيل الصغيرة في حياة عشرات الآلاف من الناس، وما يعترضهم في حياتهم أو تنقلاتهم، تتراكم يوميًا، لتشكل فاتورة اجتماعية باهظة للحرب.
الحرب أفرزت مجتمعًا ممزقًا ومشوشًا في اليمن، وآثار الحرب الاجتماعية أخطر من الحرب نفسها، لأنها مشكلة كبرى للمجتمع تمتد لزمن طويل.
من الصعب تصور يمن ما بعد الحرب، فالحرب رغم وعود راهنة بإمكانية توقفها عبر تحويل الهدنة التي ترعاها الأمم المتحدة الى وقف دائم لإطلاق النار، بناء على ما يقال بشأن جهود خليجية مسنودة دوليًا لإنهائها، تبدو تتجدد كلما قيل إنها ستتوقف وتنتهي.. والهدنة هشة وتزداد هشاشة مع زيادة العدائية العلنية من جانب الحوثيين لتعز ( تصريحات رئيس وفد جماعة الحوثي لمفاوضات عمان بشأن فتح الطرقات والتي هدد فيها بفتح مقابر لأبناء المحافظة مثال للعدائية المقوضة لجهود السلام.)
إن تبعات الحرب وانعكاساتها على المجتمع هي خطر كامن، وأكبر من قدرة اليمن على تجاوزها لعقود قادمة.
فرص استعادة الاستقرار والسلم الاجتماعي تتبدد كل يوم في ظل تباعد جغرافي ونفسي أصاب المجتمعات المحلية، وذلك بعض ما أنتجته الحرب وفرضته بقوة السلاح والعداء.
القيود التي فرضتها الحرب على حركة تنقل المواطنين ليست فقط على الجغرافيا، فالأخطر أنها تتكرس في النفوس، وكذلك التباعد.

وفي كل مشاورات برعاية دولية، يتم تهميش قضية الحصار على تعز، ووضعها على الرف مع بعض الوعود الزائفة.
ومنذ اتفاق ستوكهولم نهاية 2018، ترسخت لدى أبناء تعز قناعة بعداء غريب من أطراف الداخل والإقليم والمجتمع الدولي.. دون مبرر في الواقع


يشعر آلاف الناس في تعز أن تحالفًا طائفيًا شكله الانقلاب الحوثي باستخدام مجاميع كبيرة من المغرر بهم خاصة من صعدة وذمار وصنعاء ومناطق اقليم آزال يقف وراء حصارها. يتم معاقبة تعز من جانب الشمال وتغذية اشكالات طفيفة بين تعز والجنوب تسبب من وقت لآخر حوادث فردية، بالإضافة إلى موقف يوصف بأنه سلبي من قبل تحالف دعم الشرعية الذي لم يبالِ لسنوات لقضية حصار تعز.
وفي كل مشاورات برعاية دولية، يتم تهميش قضية الحصار على تعز، ووضعها على الرف مع بعض الوعود الزائفة.
ومنذ اتفاق ستوكهولم نهاية 2018، ترسخت لدى أبناء تعز قناعة بعداء غريب من أطراف الداخل والإقليم والمجتمع الدولي.. دون مبرر في الواقع.
تجنيب قضية كهذه، يترك آثارًا اجتماعية لا يستشعرها الإقليم والخارج، ولكنها تصبح تاليًا عاملًا لإخفاق أية تسويات سياسية، وتراكم الفاتورة الاجتماعية الباهظة للحرب، خصوصًا بشأن المحافظة الأكثر كثافة سكانية، في حين أن إعطاء حيز وأولوية لإنهاء الحصار على تعز، وفتح الطرقات قد يفتح الباب فعليًا لتحقيق السلام وإنهاء الحرب من خلال خطوات تستعيد السلم الاجتماعي والاستقرار، وتخفف المعاناة، بخاصة التنقل.
ما يحدث على الواقع استغلال الحوثيين مكاسب الهدنة الأممية وزيادة في التصعيد العسكري الحوثي ضد تعز والتهديد باجتياحها وهو ما يجعل تعز في جاهزية نفسية وتعبئة ضد هذا الصلف والغطرسة والعدائية ويعري موقف الأمم المتحدة كما يقلل من فعالية الجهود لاقليمية والدولية ومحاولة تثبيت وقف إطلاق النار بهدف الوصول الى السلام وإعادة الاستقرار لاستعادة السلم الاجتماعي في عموم البلاد.
غير أن استعادة السلم الاجتماعي تبدو مهمة معقدة وشاقة، ومحكومة بالفشل مع هذه العدوانية الحوثية ضد تعز خاصة ، وهي عدوانية تغذي دوافع الانقلابين لإطالة حصار تعز غير مدركين ايضا أن عدائهم لأكبر محافظات اليمن من حيث السكان والفاعلية والتأثير الاجتماعيين يبقي مخططهم ومستقبل وجودهم السياسي مهددا ايضا وغير قابل للحياة لتناقضه كليا مع المصالح الوجودية لغالبية أطياف الشعب اليمني ولمحاولة الحوثيين وبالقوة الغاشمة فرض رؤيتهم وإقامة نظام عنصري في طبيعته وهيكليته.
وسيتطلب الأمر سنوات طويلة لمعالجة رواسب الحرب، وما فرضته من تشوهات وتمزقات وممارسات طفيلية. إن مخاطر جمة باتت تعترض حركة المواطنين على الطرقات والمنافذ بحيث صار التفكير بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، هدفًا بعيد المنال.. وهذا جانب واحد للمعاناة يتصل بالسياق اليومي لحياة المجتمعات المحلية، والتي تدفع أثمانًا باهظة للحرب.
وهناك تشظيات أعمق وأخطر، كانقسام المجتمعات المحلية مع طرف وضد آخر ، وإعادة فرز المجتمع على أساس عرقي وفرض ذلك من قبل طرف هم الحوثيون في الشمال وظهور بعض ممارسات ذات بعد ناطقي من جانب أطراف أخرى لا ينطبق وصفها كظاهرة كما في حالة التغييرات الخطيرة التي نفذتها جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها ومثال ذلك التعيينات في المناصب العامة وحكرها على بعض الأسر الهاشميةواقصاء اليمنيين.
إن إعادة فرز وتصنيف المجتمعات إلى سادة وقبائل ومزاينة وعمال، كما كان الحال قبل 1962، هو أبشع تأثير اجتماعي للحرب الطارئة، يعيد البلاد إلى حقبة مظلمة في الشمال، ويعيد الجنوب إلى عقود الصراع والاقتتال المناطقي.
كما أن الحرب غيرت في العلاقات الاجتماعية على مستوى الحي والقرية، استنادًا للفصل الاجتماعي على أساس عنصري، والذي كرسته الحرب، وأعادت فرضه انطلاقًا من صنعاء وبرلمانها الذي مرر للحوثيين قانون الخمس لإضفاء شرعية على فكر ونظام تفرقة عنصرية وشرعنة نهب أموال وممتلكات عامة وخاصة خارج القانون والدستور والمنطق.
لقد أحدثت الحرب في سبعة أعوام، تشوهات للنسيج الاجتماعي اليمني، لم يحدث مثلها طيلة قرون، بل إن موروثًا مريرًا للألف سنة الماضية من الصراعات اليمنية، بخاصة في شمال اليمن، قد عاد دفعة واحدة خلال هذه الحرب.
أولئك الناس وآباؤهم الذين تعايشوا خلال الـ70 عامًا الماضية، وجدوا أنفسهم ما بعد 21 سبتمبر 2014، وانقلاب جماعة الحوثي، في وضع مختلف، فقد مهدت الجماعة للحرب بإيقاظ النزعة العرقية، وذهبت طيلة سنوات قبل الحرب للحديث في أنحاء مختلفة إلى آلاف الأسر، بصيغة أنها أسر هاشمية. وهكذا نسج الحوثيون علاقات جديدة خارج الدستور والقانون، واستدعاء العصبية للمذهب وللدم والعرق.
على مستوى الحي الواحد والقرية في معظم مناطق الشمال، كل من تعايشوا في الماضي، استيقظوا ذات يوم وقد تغيرت معاملة بعض جيرانهم وأصدقائهم من وقعوا في شرك العرقية، واستجابوا لداعي التمييز العنصري، فصاروا يرون أنفسهم أرقي من جيرانهم، ويعتقدون أن لهم استحقاقات، وأن هذا زمنهم، وقد أضافت جماعة الحوثي وفرضت العنصرية بقانون اسمه الخمس.
أحدثت الحرب تشوهات بالغة على النسيج الاجتماعي، أكبر من أية قدرة على التعافي على المديين المتوسط والبعيد، تركت مجتمعات محلية مشوشة وفاقدة الأمل وقلقة من الوشاية والحركة ومن الغد.
كما خلفت الحرب مجتمعًا انعدمت فيه الثقة بين الناس وبعضهم البعض.
وبافتراض أن مستقبل ما بعد الحرب يتضمن حكومة أو سلطات متعددة ستضع بالاعتبار خططًا لمعالجة المعضلات التي أفرزتها الحرب.. وأنها ستتعامل بكفاءة أفضل مما رأيناه أثناء الحرب.
إن أكبر المشكلات هي الحديث عن سلطات بلا رؤية ولا إرادة، ومجتمع ينقسم أكثر، ويتمزق، ويتمايز عرقيًا ومناطقيًا، ويصبح السلم الاجتماعي والمساواة من الماضي.
ارتفاع الخطاب العدائي الحوثي لمجتمعات محلية تضم أكبر شريحة سكانية تقدر بـ5 ملايين نسمة في تعز، يترك أثرًا عميقًا لا يمحى مع الزمن، كالخطاب العدائي مؤخرًا لرئيس وفد جماعة الحوثي في مفاوضات عمان، بشأن فتح طرق تعز.
حديثه عن فتح مقابر جماعية بدل المعابر، أثار سخطًا شعبيًا، ولم يقابل بأي موقف من جانب الأمم المتحدة في مرحلة هدنة منذ أبريل 2022، تم تمديدها.
وللفوضى الاجتماعية التي أنتجتها الحرب وجهها الاقتصادي الفوضوي أيضًا.
لقد ساءت مقومات العيش بالنسبة لعامة اليمنيين في كل مكان، وهناك فوضى في مختلف مناطق النزاع، وكل الأطراف، بالإضافة إلى مجاميع وعناصر لا حصر لهم يمارسون جبايات وانتهاكات، وتشكلت منظومات مسلحة تقف وراء السوق السوداء للمشتقات النفطية والسلع والعملة. وهناك سباقات لنهب أراضٍ وممتلكات وتهريب وقود، والمتسابقون أمراء حرب ومجموعات فردية وعصابات منتشرة، وعددها بالمجمل كبير. وثمة فوضى يومية للأسعار تتفاوت بين متجر وآخر، ومحل صرافة وآخر لا يبعد بينهما سوى 5 أمتار، في ظل انقسام نقدي حاد ووجود قيمتين في الشمال والجنوب للعملة الورقية ذاتها، يضيف إلى الفاتورة الاقتصادية الباهظة للحرب، تدفعها المجتمعات المحلية المنهكة، والتي تتشكل من مجتمعات الموظفين، معظمهم بلا رواتب، والنازحين، وطبقة الفقراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.