fbpx

المشاهد نت

على أنقاض الحركة الوطنية اليمنية

نبيل البكيري

نبيل البكيري

كاتب صحافي يمني

راكمت الحركة الوطنية اليمنية، على مدى عقود طويلة من النضال الوطني، الكثير من التجارب السياسية النضالية في مختلف محطات العمل الوطني اليمني، واستطاعت هذه الحركة بمختلف أطرها وتياراتها وتوجهاتها السياسية، أن تبني مفاهيم نضالية واضحة في ما يتعلق بثوابت الحركة الوطنية اليمنية، وهي ثوابت النضال المشترك من أجل آمال اليمنيين وأحلامهم وطموحاتهم، وفي مقدمتها الجمهورية والوحدة والديمقراطية.
اليوم، بعد أكثر من نصف قرن من تلك الثورات العظيمة التي كانت نتاجًا لنضالات الحركة الوطنية اليمنية، التي توجتها بثورتي 26 سبتمبر 1962 شمالًا ضد حكم الإمامة الكهنوتي، وثورة 14 أكتوبر 1963 جنوبًا ضد الاستعمار البريطاني، فإذا بنا نرجع اليوم، لنقطة الصفر والبداية، متجاوزين ليس فقط فكرة ثوابت الحركة الوطنية اليمنية كالجمهورية والوحدة والديمقراطية، وإنما تجاوز حتى فكرة الدولة اليمنية ذاتها.
فمن إخفاقات النخبة اليمينة الراهنة، بل إجرامها وتنكرها لتراث الحركة الوطنية اليمنية، وبكل تياراتها وفئاتها وتخصصاتها، نلاحظ بجلاء هذا السقوط والفشل الكبير على كل المستويات، التي وصلت إلى مرحلة تجاوز، ليس فقط تلك المفاهيم والثوابت الوطنية التي طورتها وناضلت من أجلها الحركة الوطنية اليمنية، وإنما وصل الأمر إلى درجة سقوط الدولة فكرة ووجودًا في هذه المرحلة اليمنية الأكثر سوادًا في تاريخ اليمن المعاصر.

أمام مرحلة بالغة الانحطاط والسوء على حد سواء، وكل هذا هو نتاج ومحصلة طبيعية لأداء نخبة منحطة تشكلت على مدى عقود ما بعد الوحدة اليمنية، التي كان تحققها ربما هو آخر أهداف ما تبقى من نخب الحركة الوطنية اليمنية التي تمت إزاحتها لاحقًا، والدفع بنخب زائفة ومصنوعة على عجل وبلا أي تاريخ أو تجارب أو تأهيل نضالي أو علمي أو حتى تأهيل ذاتي.

فأن يصل اليمنيون إلى هذه المرحلة، من السقوط والتردي، وتلاشي فكرة الدولة أصلًا، وانسحاق تام لمفاهيم الوطنية والسيادة والاستقلال والحرية والكرامة. كل هذا يجعلنا أمام مرحلة بالغة الانحطاط والسوء على حد سواء، وكل هذا هو نتاج ومحصلة طبيعية لأداء نخبة منحطة تشكلت على مدى عقود ما بعد الوحدة اليمنية، التي كان تحققها ربما هو آخر أهداف ما تبقى من نخب الحركة الوطنية اليمنية التي تمت إزاحتها لاحقًا، والدفع بنخب زائفة ومصنوعة على عجل وبلا أي تاريخ أو تجارب أو تأهيل نضالي أو علمي أو حتى تأهيل ذاتي.
هذا الفراغ الذي شهدته الساحة اليمنية، والذي شكلته فترة صالح، التي غلب فيها أنماط من السلوك و الزبائنية السياسية، لتتناسب وتلك المرحلة، مما دفع بكثير من كوادر الحركة الوطنية المتبقين إلى الانزواء بعيدًا عن المشهد، وهو ما أنتج كل هذا الفراغ المخيف والكارثي في كل شيء.
والأشد والأنكى اليوم هو أن يتصدر هذا المشهد الزائف والغثائي، ويكون في صدارة هذا السقوط، تلك الأحزاب السياسية التي باتت اليوم بمثابة مدارس للارتزاق السياسي، وهي التي كان يُعول عليها كتيارات سياسية تستمد وجودها وحضورها باعتبارها امتدادات طبيعية للحركة الوطنية اليمنية بمختلف تياراتها وتوجهاتها.

الفراغ الذي شهدته الساحة اليمنية، والذي شكلته فترة صالح، التي غلب فيها أنماط من السلوك و الزبائنية السياسية، لتتناسب وتلك المرحلة، مما دفع بكثير من كوادر الحركة الوطنية المتبقين إلى الانزواء بعيدًا عن المشهد، وهو ما أنتج كل هذا الفراغ المخيف والكارثي في كل شيء.

فالأحزاب السياسية تبقى هي روافد العمل الوطني، وتبقى بوصلتها السياسية واضحة الاتجاه لا تنحرف عن مسارها الوطني مهما اشتدت الأزمات وتاهت التوجهات أو زاغ البعض عنها كتصرف فردي أو اجتهاد خاطئ، فالأحزاب تظل ممسكة بالخيط الناظم لأي فعل وطني جامع، باعتبارها تفرعات صغيرة عن نهر وتيار العمل والحركة الوطنية الكبير.
 لكن يمنيًا، ما كشفته هذه الأحداث أثبت أن السقوط النخبوي، لم يكن سقوطًا فرديًا مقصورًا على تلك النخب المصنوعة على عجل، والتي بلا أية هوية سياسية وطنية، وبلا  أي خيال سياسي، وإنما وصل السقوط إلى داخل بنية المنظومة الحزبية الوطنية، هذه المنظومة التي تمثل اليوم أحد وأبرز تجليات الحركة الوطنية اليمنية، ولكنها للأسف تمثل اليوم أوضح صورة لحالة السقوط والتردي السياسي لهذه النخب التي تماهت مع حالة السقوط للوحل هذه، وتنظر لها على اعتبارها حالة طبيعية.
فالمتتبع لتاريخ الحركة الوطنية وظروف النشأة الأولى وحجم التحديات التي واجهتها الحركة الوطنية، ليس على مستوى الأفكار، وإنما على مستوى الواقع المعاش حينها، وظروف ذلك الواقع وشروطه، سيلاحظ جيدًا إلى أي مدى كان رواد الوطنية اليمنية كبارًا، تجاوزوا لحظتهم وزمانهم بآلاف المسافات الضوئية.
فالظروف التي نشأوا فيها، كانت ظروفًا قاهرة ومتخلفة فكريًا، لكنهم استطاعوا بصبر وحكمة وحنكة، أن يشكلوا الملامح الأولى للوطنية اليمنية، وينتزعوا مساحة للنقاش الوطني، تجاوز لحظته بأفكاره وتصوراته ونضالاته، فأية فكرة وطنية كان لها أن تتشكل في بلاد تكاد الأمية الألفبائية تشكل 99% من نسبة سكانه، عدا عن الأمية السياسية حينها.
ومع ذلك، تمكن أنبياء الحلم الوطني، من الرواد الأوائل، من أن ينفخوا في روح الوطنية اليمنية، ويبعثوها من مرقدها، ويراكموا فكرة الوطنية اليمنية، ويخلقوها من عدم، في بلاد لا مكان فيها لأحد سوى الخرافات الحاكمة شمالًا وجنوبًا، فالشمال كان محكومًا بخرافة الإمامة الزيدية الهاشمية، والجنوب لم يكن هو الآخر أحسن حالًا من الشمال، فقد كان منقسمًا إلى كنتونات وجيتوهات عدة، كل قرية أو منطقة كانت تمثل دولة مستقلة وعالمًا لحالها.

اليوم، ما تمارسه النخبة السياسية اليمنية الراهنة، لم يعد من باب الممارسة السياسية وأخطاء السياسة واجتهاداتها، وإنما وصل لمرحلة السقوط في وحل العمالة والارتزاق على حساب الوطن وقضاياه الكبيرة، وإلا لا شيء يفسر كل هذا الفشل والإخفاق والصمت تجاه مجمل القضايا الوطنية الراهنة، وطول أمد الأزمة والحرب، سوى هذه النفوس الصغيرة والمريضة بالأنانيات والحظوظ الشخصية، التي غدت سمة لمناضلي هذه اللحظة اليمنية السيئة والتعيسة

ومع ذلك، فقد ناضل الآباء الأوائل، بكل صدق ووعي وإخلاص وحكمة وتجرد، واستطاعوا أن يخلقوا فكرة متماسكة للوطنية اليمنية، ومن ثم للهوية الوطنية، ويبنوا عليها شيئا ذا قيمة، ذلك الشيء الذي تُوج بأهم ثورتين في تاريخ اليمن المعاصر، وهما ثورة 26 سبتمبر 1962 شمالًا، وثورة 14 أكتوبر 1963 جنوبًا، واللتان تجلتا بأنصع صور النضال، ممثلًا بوحدة 22 مايو 1990 ونظامها الديمقراطي التعددي، فهاتان  الفكرتان، سبتمبر الجمهورية وأكتوبر الاستقلال، مثلتا ذروة سنام الوطنية اليمنية التي شكلت بعد ذلك هوية اليمن السياسية على مدى أكثر نصف قرن مضى.
فقد راكمت تضحيات الحركة الوطينة اليمنية وعيًا وطنيًا ونضاليًا كبيرًا، لا شك في هذا، هذا النضال الذي تجسد بفكرة الدولة اليمنية الحديثة بكل سلبياتها وإيجابياتها، والتي عرفناها على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن، تلك الدولة التي أوجدت هويتنا السياسية التي يتم اليوم التنكر لها ومحاولة تجاوزها والعودة للوراء عقودًا من خلال واقع الإمامة الزيدية الجاثمة شمالًا، وواقع الانفصالات المتجسدة في كامل الجغرافية اليمنية، بتلك الكنتونات المتنافرة.
أما اليوم، فما تمارسه النخبة السياسية اليمنية الراهنة، لم يعد من باب الممارسة السياسية وأخطاء السياسة واجتهاداتها، وإنما وصل لمرحلة السقوط في وحل العمالة والارتزاق على حساب الوطن وقضاياه الكبيرة، وإلا لا شيء يفسر كل هذا الفشل والإخفاق والصمت تجاه مجمل القضايا الوطنية الراهنة، وطول أمد الأزمة والحرب، سوى هذه النفوس الصغيرة والمريضة بالأنانيات والحظوظ الشخصية، التي غدت سمة لمناضلي هذه اللحظة اليمنية السيئة والتعيسة، وعلى حساب كل المنجزات والثوابت الوطنية العظيمة التي ضحى من أجلها اليمنيون عقودًا، وقدموا قوافل الشهداء والّأبطال.
إن أشد ما يؤلمنا اليوم كيمنيين، هو مصير نضالات اليمنيين، ذلك التاريخ الناصع البياض للوطنية  اليمنية وروادها الأوائل الذين واجهوا ظروفًا وأوضاعًا أقسى مما نحن فيه اليوم، ولكنهم بتمسكهم بمبادئهم تلك نجوا من كل الفخاخ والمصائد والعقبات التي كانت في طريقهم، ولم يكونوا يمتلكون شيئًا سوى إيمانهم بقضيتهم وعدالتها، وإيمانهم بالشرف الوطني كعنوان ثابت لنضالهم وتضحياتهم الكبيرة.
أما اليوم، فقد تحولت كل هذه النخب الكرتونية إلى مجرد دمى  رخيصة، يتم من خلالها تمرير مشاريع الزيف والعبث والإنهاك لليمن، وإبقائها رهينة للحظة، ومسلوبة القرار والسيادة، وكل ذلك يتم تحت عنوان واضح يتخذ من الحكمة والذكاء السياسي لافتة له، ولكنه في حقيقة الأمر، لا عنوان لهذا السقوط والابتذال سوى نخبة منحطة تخلت عن كل قيم النضال والوطنية، وقبل ذلك كله، تخليها عن شرفها وكرامتها الإنسانية.