مخاطر محو الذاكرة الحضارية الوطنية

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تعاني بلادنا من إهمال، سواء متعمد أو غير متعمد، أدى لفقدان الكثير من إثرها الثقافي والحضاري الثري والمتنوع في كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية، حيث اصبح هناك إهمال متواصل، وربما ممنهج للمتاحف والأماكن الأثرية والمكتبات العامة والخاصة، بما تحويه من أمهات الكتب المرجعية والمخطوطات والأرشيف الصحفي… وما شابه ذلك.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما شمل أيضاً فقر المناهج الدراسية للتعليم الأساسي والثانوي، بالمعلومات التاريخية الهامة في مختلف المجالات، وكذا التعليم الجامعي وما فوق الجامعي.
فالحرب والصراع وما نتج عنهما من تدمير للبنية التحتية، أحد العوامل المؤثرة في محاولة محو الذاكرة الحضارية الوطنية للأجيال الحالية والمستقبلية، وما نتج عنها من فساد داخلي من قبل أطراف الصراع المختلفة، وهناك أيضاً تسييس للإرث الحضاري الوطني لليمن، ومحاولة كل طرف من أطراف الصراع تشويه تاريخ اليمن وإرثه الحضاري، والتركيز على جوانب معينة فيه، وتضخيمها والمبالغة فيها.

الحرب والصراع وما نتج عنهما من تدمير للبنية التحتية، أحد العوامل المؤثرة في محاولة محو الذاكرة الحضارية الوطنية للأجيال الحالية والمستقبلية، وما نتج عنها من فساد داخلي من قبل أطراف الصراع المختلفة، وهناك أيضاً تسييس للإرث الحضاري الوطني لليمن، ومحاولة كل طرف من أطراف الصراع تشويه تاريخ اليمن وإرثه الحضاري، والتركيز على جوانب معينة فيه، وتضخيمها والمبالغة فيها.


ولعل ما أثار حفيظتي الوطنية ما لاحظته في ما يخص طلبة الإعلام، الذين يفترض أن يكونوا حملة التنوير وقادة الرأي، ومن يعول عليهم القيام بمهمة التوعية والتثقيف للمجتمع في كافة مجالات الحياة، حيث لوحظ أن الكثير من الطلاب والطالبات، سواء في الإعلام أو في بقية الأقسام النظرية، وبخاصة التاريخ والآثار، يجهلون الكثير عن تاريخ اليمن وحضارته، وخصوصاً التاريخ السياسي والثقافي، والرواد الأوائل من أجدادهم في مختلف مجالات المعرفة، سواء الذين مازالوا على قيد الحياة أم من رحلوا عنها.
فمثلاً حين تسأل حتى على مستوى التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، كأن توجه سؤالاً لطالب ما: من هو أول رئيس لشمال اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر؟ يرد عليك بثقة: علي عبدالله صالح، فهو لم يعاصر تلك المرحلة أساساً، ولأن المناهج التعليمية ووسائل الإعلام والثقافة لم تهتم بهم، ولم تتحدث عنهم.
كما أنني في إحدى محاضراتي عن السياسة الإعلامية في عهد الأئمة، تفاجأت بأحد الطلاب يتساءل ببراءة: من هم الأئمة؟ تماسكت من هول الصدمة، ثم شرحت له من هم الأئمة بالتفصيل.
ولعل من أهم المخاطر التي نعاني منها كيمنيين، هو القراءات المتحيزة وغير العلمية للتاريخ، وخاصة السياسي والثقافي، مما أضعف إلى حد كبير الانتماء الوطني، وأدى إلى فقدان الأجيال الحالية الهوية الوطنية الجامعة، وانخراطهم مع هذا الفريق أو ذاك من أطراف الحرب والصراع.
ورغم أن التاريخ اليمني الحديث والمعاصر، وخاصة السياسي، مليء بالحروب والصراعات والثارات التي أنهكت البلد، وأخرت كثيراً من تطوره في شتى المجالات، إلا أن الخطورة الكبرى أن نظل حبيسي تلك الصراعات والثارات، ونطالب الأجيال الحالية بالاستمرار في نهج الأولين المدمر.
كما أن الخطر يكمن في تمزيق النسيج الاجتماعي، وعدم احترام التنوع والاختلاف، ومحاربة الرأي المخالف، فوسائل الإعلام، وخاصة الإلكترونية، تسهم كثيراً في تنمية الأحقاد والثارات التاريخية التي ليس للأجيال الحالية ذنب فيها، بدلاً من التركيز على الجوانب الإيجابية في إرثنا الحضاري المتنوع، والذي يساعد الأجيال الحالية والمستقبلية في تجاوز تلك المراحل المظلمة في تاريخنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ومن أسوأ المخاطر التي تواجه مجتمعنا اليمني في فقدانه الذاكرة الحضارية المشرقة، هو إصابة الأجيال الحالية بحالة من الإحباط واليأس من تاريخه المظلم، والذي انعكس على حاضره الأكثر قتامة.

يركز الإعلام اليمني على جوانب الخلاف والاختلاف، ويبالغ في ذلك الخلاف، ويضخمه، بدلاً من محاولة تقريب وجهات النظر، وبناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد، والتأكيد على أن القوى الخارجية لن تتمكن من تحقيق مصالحة وطنية بين أطراف الصراع.


وينتج عن هذا الإحباط واليأس محاولة للهروب من هذا الواقع إلى عوالم أخرى أكثر تصالحاً مع ماضيها، وانفتاحاً على حاضرها ومستقبلها، فهاجس الهجرة أضحى من أهم الطموحات التي يسعى إليها الشبان والشابات في اليمن، بل إن الكثير من هؤلاء قد هاجر بالفعل، سواء هجرة غير شرعية أو شرعية.
فدائماً ما يركز إعلامنا اليمني على جوانب الخلاف والاختلاف، ويبالغ في ذلك الخلاف، ويضخمه، بدلاً من محاولة تقريب وجهات النظر، وبناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد، والتأكيد على أن القوى الخارجية لن تتمكن من تحقيق مصالحة وطنية بين أطراف الصراع، طالما وهناك أزمة ثقة قائمة بين مختلف أطراف الصراع من أبناء الوطن الواحد، يعززها الإرث التاريخي السلبي.
فمثلاً كلما حاول اليمنيون أن يتفقوا على قواسم وثوابت وطنية مشتركة، يبرز إعلاميون وسياسيون ومثقفون، ليؤكدوا أن أي اتفاق لن ينجح، ولسان حالهم يقول إنه بعد كل اتفاق تشتعل الحرب مرة أخرى، ويستشهدون بأحداث تاريخية قريبة وبعيدة، لتعزيز مقولاتهم.
لذلك، فالقراءات المختلفة للتاريخ، وخاصة السياسي، بعيداً عن المعلومات الموثقة والأدلة القطعية، ينتج عنها اختلافات فكرية وهويات وطنية متعددة، وهو ما أشار إليه المفكر والكاتب محمد أحمد الحربي، في كتابه الهام “أزمة الهوية اليمنية”.
قد يقول قائل إن التاريخ عادة يكتبه المنتصرون بحسب أهوائهم ومصالحهم وأهدافهم، ولكن أين ذهب دور الجامعات في إعادة كتابة التاريخ الحضاري والوطني لليمن، بطريقة علمية موضوعية تستند إلى الوثائق والمخطوطات والمعلومات الموثقة؟
ولذلك، فإن المهمة الوطنية الأولى تكمن في المحافظة على الإرث الحضاري الوطني لليمن، سواء المادي أو الثقافي، وتوثيقه، والتسهيل للباحثين والمتخصصين في الحصول على الوثائق المطلوبة، علاوة على الحد من تهريب الآثار على اختلافها.
والله على ما أقول شهيد.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.