fbpx

السفر قطعة من العذاب

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

حين تعزم السفر، داخل اليمن، فإن أول ما تفكر فيه، ويؤرقك، هو الجانب الأمني، وأول ما تبدأ من إجراءاتٍ في هذا الجانب، هو تفقد محتوى تليفونك المحمول، حتى قبل أن تضع خطةً للرحلة، أو برنامجاً للزيارة، أو جدولاً بالأعمال التي ستنفذها.
ينطوي السفر على مخاوفَ جمةٍ، تتصدرها المخاطر الأمنية، وتشمل وعورة الطرق، ولا تنتهي بما تلقاه من تعبٍ ونصبٍ ومشقةٍ سوف تهون كلما فكرت بحال مريضٍ أو مسنٍّ ألجأه الأمر إلى السفر.
والسفر من العاصمة صنعاء، مثلاً، إلى أيٍّ من المحافظات اليمنية، الواقعة إلى الجنوب منها (تعز وعدن مثلاً)، أو الشرق (مأرب وحضرموت وما جاورهما)، ينتقل بك عبر مناطق تماس وسيطرة عدة أطرافٍ (أنصار الله، الشرعية، المجلس الانتقالي)، وهو محفوفٌ بالمخاطر، ومقرونٌ بالمخاطرة، ما يقتضي ترتيباتٍ استباقيةً، ويستلزم احتياطاتٍ واحترازاتٍ وقائيةً، لتجنب الاشتباه وما يعقبه من إجراءاتٍ تتحدد طبيعتها بحسب مزاج أفراد هذه النقطة الأمنية أو تلك، كلما مررت في منطقةٍ تخضع لسيطرة هذا الطرف أو ذاك.
طالما أن لديك أصدقاء يتوزعون على مختلف ألوان الطيف السياسي، فلا بد أن يرِدَك، عبر وسائل الاتصال والتواصل، طيفٌ مختلفٌ ألوانه من الصور والرسائل، التي -وإن كان مضمونها عادياً- ستشكل أحد التعقيدات التي تصادفك أثناء مرورك خلال مناطق النفوذ، وستكون بموجبها، في ذهنية عناصر النقطة الأمنية، محسوباً على الطرف الخصم، وقد تواجه اتهاماتٍ بالانتماء إليه، أو العمل لحسابه، أو تكون -في أحسن الأحوال- شبهةً تحيلك إلى تحقيقٍ أو بضعة أسئلةٍ، ستكون محظوظاً بالنجاة من عاقبتها.

معلومات الهوية الشخصية، وبالذات اللقب ومكان الميلاد، إذا وقعت في يد أحد أفراد النقطة الأمنية، سوف توقع صاحبها في شراك الاشتباه والاتهام، ومصيدة التحقيق والاستجواب. لا ينجو من هذا المصير، الذي لا بد أن له ما بعده، وما هو أوخم، إلا من كان له حظٌّ، أو ألقى الله في قلب العسكري بعضاً من اللامبالاة.


ما من مسافرٍ لم يحتطْ لأجل سلامته، بتنظيف هاتفه من محادثاتٍ وأرقامٍ ومجموعاتٍ، وكل ما قد يثير الشبهات والشكوك في توجهاته أو اهتماماته السياسية، أو حتى علاقاته الشخصية مع شخصياتٍ عامةٍ، من الطرف الآخر بالنسبة إلى الطرف الذي هو بين يدي نقطته الأمنية. قد ينجو الكثيرون، في الغالب، من التعرض لتفتيش التليفون، في أية نقطةٍ أمنيةٍ، لكن الاحتياط واجبٌ، فالحظ غير مضمونٍ، والآتي غير مأمونٍ.
معلومات الهوية الشخصية، وبالذات اللقب ومكان الميلاد، إذا وقعت في يد أحد أفراد النقطة الأمنية، سوف توقع صاحبها في شراك الاشتباه والاتهام، ومصيدة التحقيق والاستجواب. لا ينجو من هذا المصير، الذي لا بد أن له ما بعده، وما هو أوخم، إلا من كان له حظٌّ، أو ألقى الله في قلب العسكري بعضاً من اللامبالاة.
انتقالك، خلال الرحلة، من منطقة نفوذٍ إلى أخرى، ومن نقطةٍ أمنيةٍ إلى تاليتها، يشبه السير في حقل ألغامٍ، لا تدري أية وطأة قدمٍ قد تطيح بك، ولا تعلم مدى ما سيصيبك انفجار لغمٍ تحت رجليك. تجابهك نقطة تفتيشٍ لا حاجة لك بالتخمين بشأن تبعيتها لأيٍّ من الأطراف النافذة أو السلطات الحاكمة، ستدرك ذلك من الهيئة التي يبدو عليها أفرادها، ومن المحيط المكتظ بالأعلام والصور والشعارات. لكنك تعجز عن التكهن بخصوص طبيعة تعاملهم مع المسافرين، الأمر الذي يجعلك تقضي وقتاً عصيباً يعتريك خلاله التوتر، ويزيد من ارتجاف قلبك، ما تلحظه من تصرفات بعض الأفراد المستفزة وغير المتوقعة. على أن الإنصاف يحتّم الإشارة، هنا، إلى ما يظهره بعض أفراد النقاط الأمنية، من احترامٍ للنساء والعائلات.

انتقالك، خلال الرحلة، من منطقة نفوذٍ إلى أخرى، ومن نقطةٍ أمنيةٍ إلى تاليتها، يشبه السير في حقل ألغامٍ، لا تدري أية وطأة قدمٍ قد تطيح بك، ولا تعلم مدى ما سيصيبك انفجار لغمٍ تحت رجليك. تجابهك نقطة تفتيشٍ لا حاجة لك بالتخمين بشأن تبعيتها لأيٍّ من الأطراف النافذة أو السلطات الحاكمة، ستدرك ذلك من الهيئة التي يبدو عليها أفرادها، ومن المحيط المكتظ بالأعلام والصور والشعارات


سوف ينتابك القلق طوال الرحلة، وتسيطر عليك الهواجس، وتزور مخيلتك أسرابٌ من الاحتمالات والتوقعات، ومن الشكوك والظنون، التي تتضافر مع ما يحدثك به قلبك الذي لا يتوقف عن الارتجاف، وما ينتجه عقلك من أفكارٍ قاتمةٍ، لا تنفك تقودك إلى مآلات ما قد يحدث في الطريق.
في الطريق الطويل، الذي يستغرق من الزمن، وينهب من المال، ضعف ما كان يتطلبه سابقاً، يزيد أو ينقص قليلاً، معيداً إلى الذهن لعنة اليمنيين القديمة: “ربنا باعد بين أسفارنا”، والذي زادته امتداداً ومشقةً، العديد من الطرق البديلة، التي معظمها وعرةٌ وجبليةٌ، والتي فرضتها الحرب والعمليات العسكرية الدائرة في البلاد من 5 سنواتٍ… في هذا الطريق، سوف تقتل المخاوف أية رغبةٍ لديك في التعرف على المناطق التي تمرُّ فيها، والاستمتاع بالمناظر الجميلة التي لا تخلو منها الأرياف التي تتلوَّى صاعدةً شواهقَ جبالها، مارّةً بين قراها المعلقة، منحدرةً إلى السفوح، ومخترقةً الأودية، طرقٌ إسفلتيةٌ متفاوتةٌ في صلاحيتها، وتتخللها مسافاتٌ غير معبَّدةٍ، تصيبك بالتعب والإرهاق، وتجلب لك العناء والضجر، بسبب طولها. ومع كل تلك المعاناة الجسدية والنفسية، التي تنوء بحملها وأنت في حالة سفرٍ، يتعاقب عليك الليل والنهار قبل أن تصل وجهتك التي تنطلق في سفرك إليها نهاراً، لتبلغها في ساعةٍ من نهارٍ تالٍ.
فإذا لم يحدث لك شيءٌ من هذا، في سفرك، وسهّل الله، وحالفك الحظ لتمرَّ الرحلة في سلامٍ، فإن ذلك لن يكون من دواعي الاطمئنان إلى تكرار حصولك عليه في سفرٍ قادمٍ، فليس شيءٌ ثابتاً، وكل شيءٍ واردٌ، توقعته أم لم تتوقعه، عملت حسابه أم غاب عن حساباتك. تتشابه في تلك الإجراءات كل النقاط، ولا تكاد تفرق بينها إلا في ما يخصها من أزياءَ وشعاراتٍ وأعلامٍ، وما يخص الطرف الذي تتبعه، من غاية تعاملها مع المسافرين. وسيكون عليك أن تقبل بكل تلك المخاوف، كمرافقٍ ثقيلٍ في كل أسفارك داخل بلادك التي تتقاسم حكمها سلطاتٌ سياسيةٌ مختلفةٌ، وتتنازع أقطارها قوىً عسكريةٌ متباينة، ليبقى السفر في اليمن، “قطعةً من العذاب”، كما جاء في الحديث النبوي.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.