في رثاء التعليم في اليمن

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

سوف يشهد ما تبقى من القطاع التربوي والتعليمي في اليمن، هذا العام، مأساة كبيرة وغير معلنة. في هذا الدخول المدرسي سيلتحق بالدراسة الأطفال الذين ولدوا مع بداية المعارك الحربية. المعارك التي طالت الجو والبر والبحر. نعم سيلتحق هذا العام الأطفال الذين نجوا من الدمار الظاهري، ولم ينجوا من الدمار المتغلغل في النفس. إنهم الأطفال الذين ولدوا من آباء ربما قُتل الكثير منهم؛ أو شوهتهم الجبهات. الأطفال الذين ولدوا من أمهات شاهدن قصف الطيران الحربي والمدفعي، وسمعن زعيق المجنزرات والدبابات.

في دراسة أجريت على أمهات شاركن في الحرب الفيتنامية الأمريكية، وأخريات شاركن في حروب مشابهة، ظهرت عليهن علامات الخوف والاكتئاب والهلع من الولادات، بشكل يفوق ما هو مألوف في الولادات العادية، ولعنا نعرف جميعاً أن اليمن كلها خلال السنوات المنصرمة، كانت عبارة عن ساحة حرب. قال باحثون في جامعة “سان ديغو” الأمريكية إنهم تابعوا حالات تزيد أعدادها عن 1600 امرأة مجندة شاركن في الدعم اللوجستي الحربي، وأنجبن أثناءها وبعدها، فكانت النتيجة أن معاناتهن تفاقمت مع مرور السنوات، مما عرضهن للاكتئاب الحاد والانزواء المنزلي، بل ذهب بعصهن إلى مشافٍ خاصة لتلقي العلاج تحت إشراف أطباء نفسانيين. ولعلنا اليوم قد شاهدنا الكثير من الفيديوهات والصور لأطفال يمنيين يسردون ما حدث لهم أثناء النزاع الحربي والضربات الخطيرة التي انهالت على منازلهم وقراهم وأحيائهم وشوارعهم، ورأينا الكثيرين وهم يمرقون بمعية أهاليهم في مناطق النزاع؛ أو يفرون من القوى العمياء الغاشمة وهي تتقدم دون أمل في الحياة، ساحقة تحت أقدامها كل رجاء لهم في المستقبل، وفيما الخوف يضرب نياط قلوبهم أخذت أصوات المدافع تهدم كل شيء في دواخلهم، بينما تحذيرات الأهل تتدافع من هنا وهناك، خوفاً من القناصة.

والواقع أن الدراسة سالفة الذكر كانت مدخلاً لدراسة أحوال الأطفال، وفتحاً لمعاينة مستوياتهم التعليمية، بعد أن التحقوا بالمدارس، لأنهم ومن دون ريب قد تعرضوا لمعاملة قاسية غير مقصودة من أمهاتهم، وذلك في سنوات حياتهم الأولى. وبالإشارة لذلك، فإن الأطفال اليمنيين لم تتعرض أمهاتهم فقط لفزع الحرب، اللواتي كان بعضهن هدفاً للقنص والملاحقة، وإنما شملهم هم أيضاً النصيب الأوفر من ذلك، فبالإضافة إلى أنهم رضعوا حليباً ممزوجاً بالخوف والهلع، فإنهم عانوا أشد المعاناة من سماع دوي الانفجارات حتى وهم في بطون أمهاتهم، هذا بالإضافة إلى أن الكثير منهم، ويقدرون بالآلاف، فقدوا أقدامهم أو بترت أيديهم وأصابعهم بسبب الحرب، وبسببها هناك من تمتلئ وجوههم وأجسادهم بالشظايا.

التعليم في اليمن لم يعد حياً؛ وإن ما يبدو للرائي حياً، فإنه ليس إلا خدعة بصرية.. جسداً متهالكاً فقط، أما الروح فإنها ميتة، وهو ما دفعني إلى استخدام مفردة رثاء في العنونة، ولن أغالي إذا قلت إن هذا هو واقع الحال

أقول: سوف نشهد هذا العام جيلاً ولد بمعية الحرب.. جيلاً مختلفاً من التلاميذ الذين قُمعوا وهُجّروا وصُودرت حقوقهم وعششت في زوايا مجهولة من أعماقهم جراحات غير مرئية، تحتاج إلى الوقوف والدراسة والمواساة.

وهنا يجدر بي أن أقول لكم إن التعليم في اليمن لم يعد حياً؛ وإن ما يبدو للرائي حياً، فإنه ليس إلا خدعة بصرية.. جسداً متهالكاً فقط، أما الروح فإنها ميتة، وهو ما دفعني إلى استخدام مفردة رثاء في العنونة، ولن أغالي إذا قلت إن هذا هو واقع الحال.. نعم واقع الحال الذي يقول إن في طول البلاد وعرضها فوضى عارمة ضربت التعليم -أولاً وأخيراً- في مقتل.. فوضى عارمة وغير مسبوقة، لا تتعلق فقط بالثقافة الماضوية المكرسة، والنزعات القاصرة التي تمجد الجمود والتخلف، وتدير أزمة الخوف من اقتحام عالم النور، وإنما تَعَدَّى الأمر ذلك إلى ما هو أمرّ وأقسى إلى الحد الذي يمكن أن نصفه بالانفجار والتشظي؛ في الحياة برمتها، فقد ذهبت الأطراف المعنية إلى المجهول باتجاه نفق قتل الإنسان لأخيه الإنسان، تحت أية ذريعة، وبالتالي محو أي أثر للخصوم، وقد نال ذلك بشكل هستيري القطاع التربوي وملحقاته في جولات متلاحقة، على الرغم من أنه الوجه الذي يفترض أن يكون مشرقاً، لأنه يتعلق بمستقبل الأجيال.

ولم يعد يخفى على أحد أن التعليم تلقى ضربة قاضية منذ 6 سنوات، مع بداية إعلان الحرب التي صبت غضبها على البنية التحتية للتعليم أولاً، حيث قصف الطيران الحربي مع الدبابات والمدفعية ما يفوق 2600 مدرسة، منها ما دُمر تماماً، ومنها ما ذهبت كسجون للمعارضة أياً كانت، ومنها مواقع لإدارة الحرب، ومنها ما اتُّخذ سكناً للنازحين، وهو الأمر الذي تضرر على إثره ما يقترب من 7 ملايين طفل وطفلة، كما يقول المراقبون. وتبع ذلك تدهور شمل السلك التعليمي بشكل عام، حيث توقفت رواتب المعلمين طوال السنوات السابقة، وخرج عن هذه المنظومة ما يربو على 26 ألف معلم ومعلمة، وتفككت الكثير من الدوائر التابعة لهذا الحقل، منها على سبيل المثال قطاع إعداد المناهج والتوجيه، ومطابع الكتاب المدرسي، فقد أصبح أولياء أمور الطلاب يشترون الكتب المدرسية بعد أن كان الكتاب يُقدم مجاناً للطالب.

التعليم المتقهقر يكاد أن يكون قد توقف نهائياً في المحتفظات الجنوبية من الوطن، في العام الدراسي المنصرم 2019/2020، بسبب المطالبة بحقوق؛ ثم جاء “كورونا” ليغلق المدارس اليمنية كلها

وتجدر الإشارة إلى أن التعليم المتقهقر يكاد أن يكون قد توقف نهائياً في المحافظات الجنوبية بي من الوطن، في العام الدراسي المنصرم 2019/2020، بسبب المطالبة بحقوق؛ ثم جاء “كورونا” ليغلق المدارس اليمنية كلها، ليمضي عام أكثر حزناً من سابقيه.

وأخيراً، إذا كان هذا هو المعطى العام للقضية، فإن الحلول تحتاج إلى إعادة إعمار وتنشئة لما تحطم، وهو الحلم الذي يحتاج إلى وقت طويل، وحين نقول وقت طويل لا يعني أن نتهيب البداية، وإنما يعني ألا نتردد، وأن نبدأ اليوم والساعة، فالأمر ليس عادياً يمكننا أن نسوِّف فيه ونؤجله، إنه من تلك القضايا التي تحتاج إلى أن نقرع الأجراس، وألا نحني أمام تحالف الأرض والسماء والحروب والأوبئة والحميات والسيول وكورونا وغير ذلك.. لأن كل ما تقدم في كفة، وضياع مستقبل الأمة في كفة أخرى.

إن هذه القضية التي تزداد كل يوم تشوهاً، نرى أنها من الأمور التي تحتاج إلى خفة في المعالجة، ومن ذلك لا بد من إعلان اليمن منطقة مظلمة يأكلها وحش الجهل، بسبب تراجع الملايين من التلاميذ عن الذهاب إلى المدارس؛ ثم إعلان اليمن بلداً بعيداً عن الاهتمام بالطفولة وقضاياها وهمومها، وبالتالي فلا بد من مطالبة الأمم المتحدة المتمثلة باليونسكو، بالتدخل العاجل لإنقاذ الطفولة في اليمن، باعتبارها شريكاً في تنمية العالم الثالث، ولإيمانها العميق بأن “التعليم حق من حقوق الإنسان الذي لا بد من تأمينه مدى الحياة، وبمعايير جيدة”، وذلك من أجل التخطيط لوضع خارطة برامجية سريعة تعمل على إيقاف التدهور الذي يتعلق بسير العملية التعليمية والتربوية، ومن ذلك أيضاً التنسيق على أعلى المستويات لإيقاف الحرب، والتوضيح عملياً بأن الفئة المتضررة من الحرب هي فئة الأطفال الهشة، باعتبارها الفئة المستهدفة، فكيف سنواجه عالماً مليئاً بالتطور والإنجازات، بجيل لا يعرف من المواجهة سوى ثقافة الحرب! وهنا لا بد أن ننوه إلى ضرورة العمل بكل الوسائل على منع التلاميذ من الانخراط في المعارك الحربية التي تستخدمهم كوقود لإذكاء أوار المعارك واشتداد سعيرها؛ ثم احتواء أبناء النازحين ضمن السلك التربوي، بالإضافة إلى تفعيل دور الأنشطة المدرسية، وإعادة الاعتبار لمواد الرياضة والرسم والموسيقى.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.