fbpx

نفوذ القبيلة… موت الدولة في اليمن

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

ولد اليمن بمفهومه الوطني الحديث، من ثورتي سبتمبر واكتوبر، لكن 6 عقود ربما كانت كافية لاحتضار الجمهورية. فالدولة اليمنية دائماً ما تصيبها شيخوخة مُبكرة؛ وأسباب قوتها تُصبح مع الوقت أسباب ضعف وتفكك. وهذا على صلة بسُلطة تستند إلى عصبية محكومة بأهواء مُتضاربة يكون الحاكم رمزاً لها. وأصبح خرق القانون قاعدة لكل سُلطة أو قوة. حكومة مثل تلك تفتقر للطموح، وبالنسبة للحاكم يكون التنازل عن أرض أقل وطأة من التخلي عن بعض أهوائه.
في البدء، تتشكل قاعدة نفوذ وامتيازات يتقاسمها الحاكم وشركاؤه، لكن مع الوقت تتضارب الأهواء المُتعددة في الحُكم. عندما وجد صالح أن توجيهات حليفه علي محسن الأحمر، نافذة في الوزارات والمصالح الحكومية، وربما بصورة مُتعارضة مع توجيهاته، حاول الحد من نشوء سُلطة توازي سُلطته، وربما تتجاوزه. لكنه، قبل ذلك، تخلص من قائد المنطقة الشرقية محمد إسماعيل، الذي أصبح حاكماً شبه مستقل في حضرموت. على الأغلب كان صالح مدفوعاً بقلق تنامي منافسين خطرين على حكم عجز عن تبني فضاء وطني.

عندما سُئل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، ما إن كان صالح رئيسه، أجاب: “هو رئيسي وأنا شيخه”. تحدث الأحمر من موقعه كند، بل ذهب بعيداً في إخلاله برمزية الدولة كمُلحق لمركزه القبلي.


كانت الدولة الفرنسية مُكونة من إقطاعيات شبه مُستقلة؛ دوقيات وكونتيات، لكن الإقطاعيين لم يتطاولوا على رمزية الحاكم، لأنها ضامن لهم. مثل هذا المفهوم لم ينشأ في اليمن، رغم المظهر الطبقي المتنامي حوله، ربما لكونها طبقات مُستحدثة وغوغائية من مظاهر مُتعددة. فهي تتباهى بالتناسل، ولا يضمن لها نظام الوراثة الاحتفاظ بنسيجها. كما أن لدى زعاماتها جموحاً في تبني موقف ندّي مع الدولة، كانت ملكية أو جمهورية، لا يديم استقرار العلاقة بينهما.
عندما سُئل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، ما إن كان صالح رئيسه، أجاب: “هو رئيسي وأنا شيخه”. تحدث الأحمر من موقعه كند، بل ذهب بعيداً في إخلاله برمزية الدولة كمُلحق لمركزه القبلي.

كان بمقدوره التعامل بندية من موقعه كرئيس للبرلمان، لكن واقعيته التي لا تؤمن بمبدأ الفصل بين السُّلطات، حملته على استدعاء إرثه الطبقي، والأكثر من ذلك تأكيد نسيج الدولة العصبوي. على تحالف مثل ذلك أن ينهار ولو إلى حين.
سُرعان ما تتنامى صراعات مؤجلة، تشكل ثقلاً دائماً على الدولة، بصرف النظر عن طبيعتها. هناك سلطة مُتعددة النفوذ، تتركب من دولة داخل الدولة، تشكله مراكز نفوذ تقليدية وأخرى مُستحدثة بطابع المؤسسة الوليدة في الجيش والحكومة. لكن الأحمر وهو يُعزز دور طبقته في الحُكم، أسهم دون دراية في استعادة وظيفتها السابقة التي مارستها منذ قرون. تعجز القبيلة أن تصبح دولة، وإن تماهت مع ثورة، فلطالما كانت عربة لتحقيق مطامحها.
في ولاية حاكم ضعيف لا يستند لقوة قبلية أو عسكرية، مثل الرئيس عبدالرحمن الإرياني، استباحه بعض زعماء القبيلة. لكنهم ثاروا على حاكم أبدى في بداية عهده زهداً إزاء المال العام، وكانت مطامحه الوطنية واضحة في تثبيت دولة القانون. نفاذ القانون على الجميع، يقوض مركز نفوذهم، تآمروا ضده، لكن نهايته جاءت من أقرب أصدقائه. في عدم وجود مؤسسة تكون الخيانة بمثابة مقتل دولة مُمكنة.

لم ينجُ المسؤولون المدنيون في زمن صالح، من عنف بعض المشائخ، صفعة يد أو تهديد بالقتل


وعندما استعاد صالح دور القبيلة، تعامل البعض مع أجهزتها من موقع الآمر، أو الشريك في الحكم. كان المعروف عن أحد المشائخ، أن يدخل بمطالبه على وزارة ما في هيئة آمر.

لم ينجُ المسؤولون المدنيون في زمن صالح، من عنف بعض المشائخ، صفعة يد أو تهديد بالقتل، وربما الشروع في ذلك. ودائماً تم تعطيل القانون، عمل صالح حماية شخصه كحاكم، لكنه تغافل عن حماية دولته. ربما حاول صالح لاحقاً الحد من ذلك، لكن طموحه القاصر جعله ينظر لنفسه كلاعب بارع وسط ثعابين.
لطالما كان اختلافهم عن الحاكم بؤرة لحدوث ثورات، والويل لأية ثورة يقفون في مقدمتها، فإما أن تصبح أنقاضاً لنفوذهم الجائر. وفي أدنى حال، تكون خطاباً مُتخيلاً لاستحقاقات ضائعة، ولا بأس أن تغوص في راديكاليات تتنامى مثل اليقين، لكنها لا تخل من قاعدة جوهرها العصبية.
دولة قائمة على هذا المبدأ لا حُرمة لها، في البدء تكون مُستباحة من الخواص، ثم لا تفتأ أن تصبح مُستباحة من الجميع. قاعدة بتلك الرخاوة، لا تُساعد في صعود حُكام طموحين أو أقوياء. هناك إشكالية عامة في ذهنية الحُكم، لا يعني انتقاله من مركز إلى آخر طوق نجاة، إذ يبقى محكوماً بأهواء رجال صغار، مهما بدا عليهم مظهر المهابة، تحيطهم حماية عسكرية أو عصبية، ففي اللحظات الحاسمة تكون أهواؤهم في مركز الحكم، سبباً في ضياع الأطراف التابعة.

انحسر مفهوم الدولة إلى علاقة سيطرة وانكماش، تجعل البلاد عُرضة مُستمرة للتفكك


ربما تلك آفة قديمة؛ فالدولة تنكمش من شكل موحد إلى محاولة التمسك بالمركز. هناك قاعدة غالبة قسمت الفضاء الوطني إلى مركز مهيمن وأطراف خاضعة.

انحسر مفهوم الدولة إلى علاقة سيطرة وانكماش، تجعل البلاد عُرضة مُستمرة للتفكك. كانت قوات المُكرم أحمد الصُّليحي، تُهاجم تهامة، وتتراجع دون أدنى حسرة. وهناك حكاية شعبية، لا نستطيع تأكيدها، عندما خسر الإمام يحيى الضالع، سأل عن خراجها، وعندما كانت أقل من كلفة الحرب، أكد أن لا فائدة منها.
تضمن حديث الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، حول ما يدور من اتهامات أن اليمن بموجب معاهدة ترسيم الحدود، تنازلت عن أراض للسعودية، بأنها مُجرد رمال، لافتاً إلى عُمق العلاقات بين البلدين. وذلك في حديث نشره الناشر والكاتب اللبناني رياض الريس، في كتابه عن اليمن “رياح الجنوب”. لم يتحدث من موقعه كرئيس للسلطة التشريعية، وإنما من موقعه كحليف للسعودية. فالأرض لا تُشكل حسرة للطبقة الحاكمة، لأنها مازالت تنظر من موقعها في المركز السياسي لبقية اليمن كأرض خاضعة لسيطرتها.
غير أن هناك علاقة مزدوجة؛ فالأحمر رفض محاولة الرياض تحييد موقفه في حرب 94، إذ إنها تتنافى مع مصلحته كشريك في مركز الحُكم المُهيمن، للسيطرة بالقوة لاستعادة وحدة حدثت بالسلم. هناك تشدد في هيمنة المركز السياسي، ولا أسف عن التخلي عن بعض الأرض.
في كتابه “تدهور الحضارة الغربية”، يعطينا الألماني شبنغلر الفارق بين التوسع الكلاسيكي للدولة الرومانية، والاستعمار الغربي، في مفاضلة للأخير. فالأول كان يخسر أرضاً دون أن يُبدي أية حسرة لذلك، على خلاف المُستعمر الغربي الذي لا يمكنه التشافي من حسرته عند فقدانه إحدى مستعمراته. الأسوأ في اليمن، أن الحاكم يمكنه التخلي عن بعض وطنه، مُبقياً على المركز كمجاز لسيطرة مؤجلة، وربما تقبل الأمر الواقع بانكماش حدود دولته.
خاض الإمام يحيى حروباً توسعية، لاستعادة دولة جده. وعندما اصطدم بالإنجليز جنوباً، ومع جيش الملك عبدالعزيز آل سعود شمالاً، لم يصبح الأمر حرباً وطنية، لأنه لم تكن هناك دولة مواطنين. في الجمهورية، كان لليمن أن تستعيد وطنية رمزية، رغم هيمنة المركز. ينقسم الأمر إلى تشكل فضاءين؛ أحدهما طامح للتوحيد عبر السيطرة، وآخر متقوقع ومنكفئ. تتشكل ثورات، ويستعيد اليمن هاجس الوحدة، لكن الاحتضار ينشأ دائماً في نسيج الدولة، العاجزة على توزيع نفوذها.
سبق للإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، إرساء تقليد بتقسيم اليمن إلى أرض مجاهدين، وأخرى مُشاعة لسيطرته. حتى إن الحُكام الأئمة، كما يبدو، لم يحاولوا نشر مذهبهم خارج حدوده التقليدية، على خلاف ما جرى سابقاً عبر نشره في المناطق القبلية. فدولة كتلك، احتفظت بالتمايز حتى من منظورها الضيق. وفي عصور التوسع تقوقع مفهوم الدولة ضمن انقسامها الداخلي، فلم تخض حروباً توسعية خارج حدودها، إنما داخل اليمن، مع هذا فشلت. فمركز حُكم، يقوم على مبدأ الخروج على الإمام الظالم، كان حافزاً مستمراً لانقسام في المركز بين إمامين أو أكثر، وتتشظى حولهم جميعاً القبيلة، كل زعيم قبلي يطمح لنفوذ أو يحافظ عليه. لكن أسباب التمزق في المركز والأطراف، على حد سواء، تحفر للدولة ضريحاً. ودائماً ما تكون مصادر القلق الداخلية، سبباً في التخلي عن أرض، أو التبعية لمطامع أجنبية.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.