fbpx

فرصة الساعة الأخيرة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

توشك السنة السابعة للحرب في اليمن، أن تبدأ بحسبان أنها اندلعت يوم أطلق التحالف العربي الحمم من السماء، في 26 مارس 2015، لكن مقدماتها في واقع الأمر تمتد إلى ما لا نقف على بداية محددة لها. لم تكن البداية في عمران، حيث استبسل حميد القشيبي ولواؤه المدرع على نحو لم يتكرر مع الفرقة وقائدها، ولا كانت في دماج، حيث صمد السلفيون قبل أن يقعوا في الخديعة (دون أن ننسى أنهم على الجبهتين يورطون الدين في ما لا صلة له بأطماعهم وأوهامهم). ولم تبدأ الحرب في 2004 حين خرجت الأصوات من حناجر الحوثيين تهتف في وجه الرئيس علي عبدالله صالح، عقب أدائه صلاة الجمعة في الجامع الكبير في صعدة.
الحقيقة أنه لا شيء يأتي من الفراغ، والتاريخ حلقات متصلة. ولو أننا ذهبنا بعيدًا في الماضي، فسوف نمسك أول الخيط عند نقطة مجازية، وهي ساعة أن أز الرصاص متحديًا إعلان الجمهورية، في 26 سبتمبر 1962. وليس في هذا الاختيار ما ينزع عن العهود الماضية صفة الاضطرابات والحروب الدامية التي لم تتوقف على الإطلاق طوال عهود الأئمة. فقد نشبت الحروب بين الأئمة انفسهم، وبينهم وبين الشعب، وبينهم وبين الدول التي قامت لتحرير الشعب من ربقة عبوديتهم. لكن 26 سبتمبر مثلت مفترق طرق مهمًا، اختار عنده اليمنيون الطريق المؤدي إلى العصر. ولم يكن اختيارًا خاصًا بالشمال وحده، فقد انبثقت 14 أكتوبر من مزيج جمع تجربة الانتفاضات في الجنوب والثورة في الشمال، مع الآمال العريضة التي فجرتها الثورة المصرية في 23 يوليو 1952، خصوصًا بعد انتصار السويس.
ومنذ 26 سبتمبر، توالت الحروب والانقلابات العسكرية في شطري البلاد. وفيها كلها كان الماضي يعلن عن نفسه على استحياء احيانًا، وبصوت جهير غالبًا. كانت الملكية تعود بثوب جمهوري، وبقايا السلطنات والمشيخات تظهر ببزة ماركسية. هكذا في 5 نوفمبر 1967، وفي 11 أكتوبر 1977، وفي 26 يونيو 1978، و13 يناير 1986، ثم في تلك الحرب الضروس في 1994. لقد تفجرت من صاع القبائل، ولبست شعار الوحدة من جهة والدولة المدنية من الجهة الثانية. والشاهد أن الحزب الذي أخرج المسيرات الرافضة للوحدة، تحت غطاء مقاومة دستورها، بحجة أنه لم يعتمد الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدًا للتشريع، عاد وحمل السلاح وقاتل واستبسل في 1994، دفاعًا عن الوحدة(!) أو هكذا قال.
وفي ظل الوحدة خرج الملكيون من كمونهم، وجرأوا على تأكيد وجودهم، وفيه أيضًا تسللوا إلى أهم مراكز الجهاز الحكومي، وأخطر المواقع في القضاء والشرطة والجيش والسلك الدبلوماسي.
يروي الإعلامي اللامع الأستاذ أنور العنسي، أنه زار يومًا يحيى المتوكل، في منزله، ووجد المنزل دارًا للمظالم. وبعد أيام كان أنور عند الرئيس، وجاء يحيى المتوكل، وسلمه دفترًا من الأوامر وقع عليها الرئيس. قال: كنت مذهولًا بالطبع، ولعله لاحظ، فقال إنه يثق بيحيى.
وفي المجمل، سارت الأمور على غير ما أراد الشعب اليمني، وضد الآمال والتطلعات التي راودته وهو يخوض ملحمة التحرير والدفاع عن الجمهورية، حتى انتهت فوضى النظام السياسي والإداري بفوضى جماهيرية في 2011، فتحت أبواب ونوافذ صنعاء أمام الحوثي. ومنها، وبسرعة فائقة، وصل إلى الساحل، وتمدد من أقصى شماله الغربي إلى أقصى جنوبه الشرقي. وفي طريقه أسر وزير الدفاع وقادة آخرين، بينما افلت الرئيس قبل أن يصلوا إلى مقره في عدن بساعات، فاستدعى الأشقاء، وأقبلوا، وارتفعت وتيرة الحرب. وبأقل من سرعته في اجتياح الجنوب، أُجبر الحوثي على الانسحاب، بفضل كفاءة وتسليح قوات الإمارات العربية المتحدة. والقوات الإماراتية، بعد ذلك، لم

قد يكون من باب التندر القول بأن الشرعية بنت هي الأخرى جيشًا بالسرعة نفسها، ولكن بدون كفاءة ولا مهارات قتالية. هنا كان كافيًا أن يؤخذ الناس من المدارس والمساجد، ويجري إخضاعهم لتدريبات خفيفة بعد تعليق النجوم والطيور على أكتافهم.

تصرف وقتها في الفرجة على عدن وشواطئها الجميلة، وإنما بذلت الهمم لبناء جيش يتبع المجلس الانتقالي الجنوبي.
والحق أن المهمة لم تكن عسيرة، بحيث تستغرق زمنًا طويلًا. كان الجيش جاهزًا، جنوده وضباطه من مختلف الرتب، أولئك الذين سبق تسريحهم من الخدمة في عملية تطهير واسعة للقوات من العنصر الجنوبي، فيما تمخضت عنه حركة عصيان مدني اتخذت تسمية الحراك الجنوبي. بهذا سهل تجميعهم وإعادة تنظيمهم في وحدات مستقلة، وإخضاعهم لدورات تنشيطية مكثفة.
قد يكون من باب التندر القول بأن الشرعية بنت هي الأخرى جيشًا بالسرعة نفسها، ولكن بدون كفاءة ولا مهارات قتالية. هنا كان كافيًا أن يؤخذ الناس من المدارس والمساجد، ويجري إخضاعهم لتدريبات خفيفة بعد تعليق النجوم والطيور على أكتافهم. ولقد تبين أنهم لم يتعلموا سوى إتقان الهزيمة، على حد التعبير الجميل لفيديل كاسترو، في وصف جيش دكتاتور كوبا السابق باتيستا. ولعلهم تعلموا كثيرًا كيف يجيدون الانسحاب بأقل الخسائر.
هل كان الكلام الكثير الذي كُتب لازمًا للحديث القصير الذي سيجيء؟
أظنه كذلك، لأن الحال ثمرة ما كان.
والآن المشهد هكذا:
يسيطر الحوثي على أغلب الجمهورية العربية اليمنية السابقة، لا تستثنى مدينة مأرب العاصمة الفعلية للشرعية، بعد أن باتت على مرمى البندقية، ولا تستثنى تعز، لأن المحافظة أوسع من شارعي جمال و26 سبتمبر، والرحلة في بلاد الزغارير (هجدة والرمادة) لا قيمة لها من غير أن تقطع اليد التي تمسك بالخناق في الحوبان، إلا إذا كانت للهبة نحو الغرب أغراض غير قتالية.
أما الجنوب فهو في قبضة المجلس الانتقالي إلى ما بعد الانفصال. أيامئذ سوف تنبثق الأحقاد والضغائن، وستنشأ نزاعات، وتنشب حروب. إن الانفصال واقع قائم ينقصه الإخراج القانوني، وهذا في ما أظن ينتظر سقوط مأرب في أيدي الحوثيين، لكي يذهب الناس إلى المفاوضات على أساس الحقائق الجديدة، ووفق ما يردده الحوثيون بأنهم سوف يتفاوضون مع الانتقالي من ناحية، ومع السعودية من الناحية الثانية.
بذلك يمثل خروج الشرعية من المعادلة هزيمة للسعودية، وليس للشرعية وحدها، بعد أن أظهرت المملكة عدم كفاءة في الأداء العسكري والسياسي. وقد مثل إخراج الحكومة من مقر الرئاسة في معاشيق عدن، إحراجًا كبيرًا لها باعتبارها الضامن لاتفاق الرياض رغم أنها لا تملك من الأسباب سوى الاعتماد على حرج الإمارات، وهو حرج لا بد أن يزول عندما يجلس الحوثيون والانتقالي على مائدة التفاوض إذا ما مضت الأمور وفق ما تنطق به الحقائق اليوم. والواقع أن الخلل لم يكن في عدم تنفيذ الشق العسكري والأمني من اتفاق الرياض قبل تشكيل الحكومة وعودتها، لكن صميم المشكلة في أن الحكومة رجعت لكي تقيم في معاشيق، عاجزة عن الفعل، لأنها لا تملك الموارد. وقد كان واجبًا على السعودية مادامت قد قررت أن تخوض الحرب في اليمن، أن تتحمل كامل الأعباء، وأن تتكفل بتغطية العجز في الموازنة العامة للدولة، حتى تستطيع الحكومة أن تمارس وظائفها. كان هذا كفيلًا بأن يختصر مدة الحرب، ويقلص نفقاتها، ويضمن الفوز فيها، بشرط أن تتوفر الإدارة السليمة.
الآن في الدقيقة الستين.. هل فاتت الفرصة نهائيًا؟
الجواب.. ليس تمامًا إذا ما تصرفت الشرعية بما يمليه ضميرها، وإذا ما اشتغلت السعودية بما تقتضيه مصالحها. ولا بأس أن تؤجر الحكومة للإمارات الموانئ التي تريد إذا كان هذا مطلبها بالفعل، وكانت سياستها في اليمن نابعة من إرادتها وحدها.
لقد استنفدت جماعة الحوثي قدرتها على الحشد بعد الخسائر البشرية الهائلة في جبهة مأرب، حتى ليمكن القول بأن القوات الحكومية تستطيع مواصلة الصمود على هذه الجبهة في حالة التوجه لتطويق الحديدة واقتحام موانئها.
ذلك ممكن إذا عادت الروح التي لاحت في الأيام الأولى من الحرب. ومن غير ذلك، فإن الحكومة السعودية سوف تذهب للتفاوض مع الحوثي منزوعة الأوراق، ومكسورة الأنياب.
إنها فرصة الدقيقة، وليس الساعة الأخيرة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.