fbpx

سكان الحديدة بين نارين

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

شدني الحنين إلى محافظة الحديدة التي عشت فيها طفولتي وشبابي المبكر حتى أكملت الثانوية العامة، ولأنني منذ سنوات مضت، لم أسافر إليها، حيث بيت أبي وأخواتي، وحيث الطفولة والصبا المشبعة بالذكريات الجميلة، وبالتحديد مدينة الروس (المدينة الجديدة) التي نمتلك بيتًا فيها.
كانت حياتنا في الحديدة في الزمن الجميل، وبخاصة أواخر الستينيات والسبعينيات، مريحة وبسيطة، وتميزت المدينة الجديدة التي بناها الروس بعد الثورة، ببنائها الملائم للحديدة كمدينة ساحلية حارة ورطبة جدًا، إذ كانت مدينة الروس (المدينة الجديدة) تمتاز ببنائها المتناسق والمخطط وفق رؤية هندسية علمية تراعي ظروف البيئة، فكانت البيوت عبارة عن مساكن من طابق وطابقين في صفوف متقاربة، وفيها نوافذ واسعة ومتعددة، وحوش خلف كل بيت، وفيها مساحات واسعة أمام وجوار كل مجموعة من هذه البيوت.
أتذكر أن مدينة الروس في الماضي، لم تكن فيها مكيفات، وأغلب البيوت لا يوجد بها مراوح في ذلك الزمن. كنا نحن البنات نرش أرضية الحوش بالماء في المغرب، وننام على سرر من الحبال المتينة المصنوعة من سعف النخيل، وعلى ضوء القمر والنجوم. أما الأولاد فكانوا ينامون بجوار البيوت على سرر من النوع السفري المصنوع من الألمنيوم الذي من السهل تطبيقه. فما إن تبدأ أشعة الشمس في الانتشار حتى يصحو الجميع كل يتجه إلى عمله أو دراسته.

بدت الحديدة مدينتي الساحلية المحببة إلى قلبي، بين نارين: نار الحرارة المرتفعة والرطوبة القاتلة في ظل انقطاع شبه دائم للكهرباء الحكومية وارتفاع قيمة الاستهلاك للطاقة الكهربائية، والذي وصل فيه سعر الكيلو وات الواحد من الطاقة الكهربائية الحكومية إلى 170 ريالًا للـ300 كيلو الأولى، والباقي بسعر 225 ريالًا للكيلو


كانت المدينة مكسوة بالأشجار في أحواشها، وتوجد مساحات مريحة بجوار أبواب البيوت للعب، علاوة على المساحات التي تركت أمام كل مجموعة من البيوت، والتي كانت متنفسًا للشباب للعب الكرة أو أية ألعاب أخرى.
وكان البحر مفتوحًا للجميع كما خلقه الله، ولكن زيارتي الأخيرة في عيد الفطر الماضي، بعد غياب دام سنوات، كانت صدمة قوية بالنسبة لي، إذ لاحظت التغيرات غير المتناسبة مع الحديدة كمدينة ساحلية حارة جدًا ورطبة.
بدت الحديدة مدينتي الساحلية المحببة إلى قلبي، بين نارين: نار الحرارة المرتفعة والرطوبة القاتلة في ظل انقطاع شبه دائم للكهرباء الحكومية وارتفاع قيمة الاستهلاك للطاقة الكهربائية، والذي وصل فيه سعر الكيلو وات الواحد من الطاقة الكهربائية الحكومية إلى 170 ريالًا للـ300 كيلو الأولى، والباقي بسعر 225 ريالًا للكيلو وات، أما الكهرباء الخاصة فسعرها أعلى، وليس في متناول أغلبية الشعب. ومما زاد الطين بلة أن المولدات الكهربائية تعطلت عن العمل بسبب ارتفاع سعر الديزل واختفائه في الغالب.
أما النار الأخرى فهي ناتجة عن العبث بالبيئة من قبل السكان، وبخاصة من ذوي النفوذ، في ظل غياب الرقابة الحكومية والمجتمعية.
فقد هالني ما رأيت من تغيرات واستحداثات في تشويه مدينة الروس (المدينة الجديدة)، والتي تغيرت ملامحها كثيرًا، ولم تعد تلك المدينة التي تشعرك بالحميمية، احتُلت المتنفسات التي تتوسط كل مجموعة من البيوت، وتم البسط عليها والبناء فيها بطريقة عشوائية، فسدّت بذلك منافذ النسيم، ولم يعد الهواء قادرًا على المرور. ومما زاد الوضع تعقيدًا البناء المستحدث في أحواش تلك البيوت لتزويج الأبناء، مما كتم الهواء نهائيًا عن الوصول إلى البيوت.
أصبحت البيوت عبارة عن مساكن معلبة، وارتفعت الأسوار العالية والبنايات المرتفعة، ولم يعد هناك من يتحمل حرارة الجو ورطوبته في ظل تلك التشوهات في البيئة، إلا قلة ممن يمتلكون الإمكانيات المادية وأصحاب النفوذ، أما عامة الشعب فيعيشون في الجحيم ذاته.
والأسوأ في الأمر هو استحداث بنايات بجوار مدينة الروس، وتضييق الخناق على المدينة الحضرية التي كانت نموذجًا للبناء الملائم لطبيعة البيئة الساحلية الحارة والرطبة.
فالبحر كمتنفس للمدينة أيضًا أضحى مسجونًا من خلال الترسانة الأسمنتية التي تحيط به، فلم يعد بإمكان الناس مناجاة البحر عن قرب، وبث همومهم، والحوار معه… فلا يوجد خفر سواحل ولا قوارب للتنزه، فمن يريد أن يستمتع بالبحر دون أن تلفحه حرارة الجو، عليه أن يستأجر خيمة له ولعائلته بجوار البحر، ولا يتمكن الكثير من المواطنين من الاستمتاع بالبحر، وذلك لأنهم لا يمتلكون الإمكانات المادية لاستئجار الخيام.
ولذلك لم أكمل الخمسة أيام لعيد الفطر المبارك، فنفذت بجلدي إلى صنعاء، وحين وصلت صنعاء أحسست بالفرق الشاسع في الجو، ونمت بعمق، وصحوت لأرى رسالة من أختي المقيمة في الحديدة، مرفقة بصورة لبحر الحديدة الذي عادة ما أزوره وأستمتع به كلما نزلت إليها.
أفقدتني الحرارة والرطوبة العالية القدرة على التفكير في الذهاب إلى البحر، فالشوارع قاحلة، فلا تشجير كما كان في عهد الشهيد الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي كان يشجع على التشجير، وخصص يومًا للتذكير بالتشجير، سماه يوم الشجرة… لذلك لم أتجرأ على الخروج خوفًا من لفحة الشمس الحارقة، فقد أنقذني ابن أختي د. رامي عبدالناصر، ونمت بغرفة ابنته التي أدخل لها الخط الخاص (الساخن) الذي يعمل طوال الوقت.. فكلما انقطع الخط الحكومي، فتحت الخط الساخن كي أتمكن من تشغيل المكيف.
ومن المؤسف حقًا أن سكان الحديدة التي تمتلك خطًا ساحليًا طويلًا، وثروة سمكية، وثروة زراعية وحيوانية، وميناء هامًا لاستقبال السفن، يعيشون حياة البؤس والشقاء دون ذنب اقترفوه.
فالمثل الشعبي الأصيل يقول: “ازرعوا تهامة تأكلوا ليوم القيامة”، فهي سلة غذاء اليمن، ولم تكن الحديدة تعاني من انقطاع الكهرباء أو المياه.. وكان السمك رخيصًا فيها، أما حاليًا فالغلاء فيها فاحش للمواد الغذائية الأساسية، وللأسماك التي يتم اصطيادها من مياهها.
إن الحديث عن الحديدة ومعاناة وهموم أهلها يطول، وفي مجالات شتى، فلعل الكلمات تعجز عن وصف حالها الذي يزداد تدهورًا مع استمرار الحرب والصراع في بلادنا الحبيبة.
فنظرة للحديدة، المحافظة التي رغم ما تعانيه تنشد السلام، وتنبذ الحرب والعنف. إنها المدينة اليمنية التي لو تم تحييدها عن الحرب والصراع القائم، ستكون هي الملاذ للجميع، فشعبها واعٍ ومثقف بالفطرة، ولكنه مغلوب على أمره.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.