fbpx
مصطفى ناجي

مصطفى ناجي

كاتب وباحث في الشؤون السياسية

دروس عاجلة من معركة شبوة الأخيرة

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

أعلنت قوات العمالقة تحرير مديريات شبوة الثلاث من قبضة الحوثيين الذين استولوا عليها مؤخرًا. في غضون وقت وجيز، تمكنت هذه القوات التي انتقلت إلى مسرح عملياتي جديد عليها، هو بين الصحراء والجبل، بعد أن كانت قد قضت مدة طويلة في كثبان الساحل في الحديدة وتعز، من إنجاز مهمة تطهير مناطق لم يعمل الحوثي فيها سوى على نشر خرقه الخضراء المعلقة على أعمدة إنارة لم يزرعها ولا يشغّلها.
إعلان مقتضب بالنصر كما لو أنه يوحي بانتهاء المهمة. صحيح أن استعادة أي شبر من قبضة الحوثي، أمر يعيد للناس توازنهم النفسي، انطلاقًا من توازن القوى الميدانية.
هذه العملية العسكرة المدعومة بتدخل طيران فاعل وجاد، تستحق إمعان النظر إليها بموضوعية دون إفراط ولا تفريط بحق جهود الناس وتضحياتهم.
تستحق هذه التجربة الدراسة وأخذ العبر منها. وأكثر ما يستحق النظر فيها هو النصر.
لماذا أو/و كيف أنجزت هذه القوات مهمتها بنجاح، وفي وقت قصير؟
بطبعي، لا أستطيع الركون إلى عامل واحد ووحيد لتفسير وفهم الأمور. وسأعدّد الأسباب التي أراها.
أولًا، أعتقد أن انتصار هذه القوات يعود إلى طبيعتها وتوقها للنصر، ورهانها على الفوز لا على الانكسار والهزيمة. وهذا أمر جيد في الإعداد النفسي للمقاتل. المقاتل المكسور نفسيًا لا يسهل جبره.

ليس لدينا قوات ماركسية العقيدة تقاتل في البلاد. ولهذا لا معنى لاختصاص طرف عن آخر في الحديث عن العقيدة الدينية القتالية.


ثانيًا، دون تجاهل تام لهذا البعد، إلا أنني لا أستطيع الإسهاب في الحديث عن العقيدة الدينية كفاعل في الإنجاز العسكري، لأننا عمليًا أمام مقاتلين من كل طرف يمتحون من العقيدة الدينية. تابعوا أي تصوير من الجبهات لأي مقاتل يمني أيًا كانت الجبهة التي يقف فيها؛ حوثي، جندي في الجيش الحكومي محسوب على الإصلاح أو غير محسوب، في تعز أو مأرب أو حَرَض، طارقي في المخا أو حيس، انتقالي، سلفي من قوات الهاشمي في صعدة، أو من أبناء قبائل مأرب، ستجدون أنه يؤكد بكل ثقة أن الله معه، ويتوسل الله تسديد رميته، ويكبّر في كل حين ووقت.
ليس لدينا قوات ماركسية العقيدة تقاتل في البلاد. ولهذا لا معنى لاختصاص طرف عن آخر في الحديث عن العقيدة الدينية القتالية.
هناك أيديولوجية وسياسة تعبئة قائمة على التاريخ والجغرافية والسلالة، هذا شيء آخر.
لكن، ثالثًا، الجانب الموضوعي في هذه المعارك، هو حسن تنظيم هذه القوات في تشكيلات تفوق النفير القبلي وعشوائية الجماعات الأخرى.
رابعًا، الانسجام الجغرافي والقبلي في هذه الوحدات، بحيث إن النصر نصر للجميع، والهزيمة تلحق بمن في هذه الجبهة أو تلك. هذا البناء لا يتيح مجالًا للتواكل وتبادل التهم والتخاذل والابتهاج بالتخوين.
خامسًا، إن هذه القوات تحظى بثقة المتدخلين الإقليميين باسم الشرعية، وقد أعدوها لتكون قوات التدخل الفاعلة. ولهذا يعززون من قدراتها العسكرية لا الأمنية فقط كما يفعلون مع قوات أخرى متناثرة على طول وعرض البلاد. لا يخشون من تهريب السلاح من بين يديها وبيعه في الأسواق، ووصوله إلى قوات الحوثي. على الأقل السلاح الذي يقدم لها، ربما هناك صفقات بدائية على الغنائم بحيث يسمح بيع السلاح المغنوم لا المسلّم المعهود.
سادسًا، تخاض هذه المعركة بهذه الشراسة، لتأكيد الدرس للحوثي بأنه صغير الحجم، وعليه ألا يتطاول على الحدود التي رسمت له حتى يعود إلى طاولة التفاوض، وأنه لا أحد يرغب بالقضاء عليه.
سابعًا، وهذه نقطة أساسية، وهي أنه ما كان لهذه القوات تحقيق نصر سريع لولا أن الحوثي قد ناله الإنهاك، واستنزف لفترة طويلة في معارك مأرب التي فقد فيها خيرة رجاله وعتاده، وتحطمت تطلعاته في السيطرة على منابع النفط والقضاء على أهم معاقل الشرعية عسكريًا وأمنيًا.

كان لقوات العمالقة دور وظيفي هام في معارك الساحل، وكان حضورها يعطي نوعًا من الإحساس الهش بوحدوية القوات التي تقاتل الحوثي وواحدية العركة.


ثامنًا: إن المعركة حتى هذه اللحظة تمثل تدخلًا جراحيًا محدودًا في معادلة الصراع الإقليمية بين إيران وخصومها الكثر، ولا تنفصل عن آليات التعامل مع الملف النووي الإيراني أمريكيًا، ومراحل التفاوض مع إيران.
ومن هذه النقاط أخلص إلى ما يلي:
أولًا: هذه المعركة تشير بوضوح إلى إمكانية القضاء عسكريًا على الحوثي، وأن عليه أن يتعقل وألا يتبختر معتقدًا أنه الأقوى، وأنه لا أحد يقدر عليه. لكن لا توجد إرادة سياسية ودولية وإقليمية في القضاء عليه، وهذا الكلام قيل مرارًا، بكل وضوح وشفافية، من السعودية عينها، لكن الحوثي المعلق إلى حبل إيران لا يفقه هذه الرسائل. الغرض هو إرجاعه إلى الطاولة السياسية وتوازن الضعف بين مختلف القوى المحلية في اليمن، وقد يُمنح أفضلية في السيطرة على مناطق كبيرة في الشمال، بحيث لا مانع من أن يهمن على الجغرافية الزيدية.
ثانيًا: دور قوات العمالقة يعطي وجاهة لخطوة إعادة التموضع في الساحل والانسحاب من الشريط الساحلي من مشارف ميناء الحديدة إلى تخوم ميناء الحيمة في شمال المخا. نعم كان لقوات العمالقة دور وظيفي هام في معارك الساحل، وكان حضورها يعطي نوعًا من الإحساس الهش بوحدوية القوات التي تقاتل الحوثي وواحدية العركة.
ثالثًا: هناك إصرار على إعادة هندسة المشهد السياسي والجغرافيا السياسية في اليمن، بحيث يتعزز الفصل المعنوي بين الشمال والجنوب، لاسيما والشمال مسحوق ومنهزم وغير قادر على جمع قواه -بسبب ألاعيب السياسة وفشل القيادة الحالية- لمحاربة الحوثي، في تصور متوّهم أن القوة صارت في الجنوب، وأن الشمال متماهٍ مع الحوثي، ولا يرغب في الخلاص منه كما تروج أقلام كثيرة محسوبة على الانتقالي أو خليجية أيضًا.
رابعًا: بهذه الهزيمة النكراء للحوثي، فإن أوهامه في اقتحام مأرب تبتعد عنه يومًا تلو آخر. والإصرار على نجاح هذه المعركة بالتدخل المكثف للطيران، والتنسيق الجيد بين القوات على الميدان، وإدارة غرفة العمليات، يشير إلى أن هناك حرصًا على عدم تمكين الحوثي من منابع النفط في شبوة ومأرب.
خامسًا: هذه المعركة تضع بقية القوات والمحاور المناوئة للحوثي أمام نفسها لتسأل نفسها وتُسأل عن أدائها وقدرتها وشرعية وجودها.
سادسًا: وهذا ما سينعكس على العلاقة بين الشرعية والمجلس الانتقالي، هو أن هذا النصر في شبوة بعد تعيين محافظ جديد بقوات من أفراد من محافظات جنوبية، سيتم حسبانه رصيدًا جديدًا لفكرة الانفصال، وثمرة من ثمار وجود المجلس الانتقالي الذي يفاخر بجنوبية لا يصنعها بصيغة توافقية وتصالحية، إنما استحواذية. وستكون قوات العمالقة مغمطة حقها السياسي، بينما سيتصلب المجلس الانتقالي ويعلي من سقف مطالبه في تنفيذ اتفاق الرياض، وقد يكون المطلب الجديد السيطرة على حضرموت من خلال إخراج أية قوات تابعة لهادي فيها.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.