fbpx
حسن العديني

حسن العديني

كاتب صحافي

في قلب النار

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

إلى أوكرانيا توجهت أنظار العالم، حيث غطت الحرب وأخبارها على ما عداها من أحداث تضج بها الدنيا. ولم تكن شعوب المناطق الساخنة استثناءً، فقد ولت جميعها بالأبصار إلى بعيد، وانصرفت حتى حين عما يجري داخلها وفي حدودها.
اليمنيون فعلوا شيئًا من هذا، فبالرغم من مكابدتهم، إلا أنهم ذهبوا بالعقول والقلوب إلى الشمال الشرقي القصي عن حدودهم. ومثل غيرهم انقسموا إلى فريقين. يؤيد الفريق الأول بمنتهى الحماس حق روسيا في الدفاع عن نفسها أمام صلف دول الناتو وإصرارها على التمدد بالحلف إلى عتبات روسيا، وينساق الفريق الثاني بلا تدقيق أو استقصاء وراء طوفان الدعاية الغربية، فلا يرى القضية إلا من زاوية أن الدبابات الروسية اجتاحت الحدود مع أوكرانيا، دون النظر إلى المتسبب في إضرام النار والمثابر على صب الزيت.
بالتأكيد ليس اليمنيون كلهم في هذا الوادي المشطور. هناك خارج الوادي أغلبية مهمومة بشواغل عديدة، من طوابير الغاز المنزلي إلى التفكير بتدبير أثمان احتياجات تتقطع أسباب الحياة بدونها.
الحديث من هنا ينصرف إلى اليمنيين الذين يملكون ترف المتابعة للزحام على الطرق بين العواصم وفي الفضاء المحيط بأوكرانيا، وقليل من هؤلاء داخل البلاد، بينما الكثير يضربون في الأرض.
وسط هذا الانشغال نزلت أخبار عدة كان لا بد أن تشد اليمنيين المهتمين إلى ما يحدث فوق أرضهم. وجاء الخبر الأول من المبنى الزجاجي المعروف في نيويورك، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2624، أما الثاني فقد خرج من محيا امرأة جميلة، إذ قامت الفنانة الأمريكية “إنجلينا جولي” بزيارة إلى اليمن، بصفتها سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة، والثالث ما قيل عن توقيع اتفاق بين الأمم المتحدة وجماعة الحوثي، لتفريغ ناقلة النفط صافر. وهذا الخبر الأخير بدد مخاوف وخلق طمأنينة في إمكانية تجنيب البلاد والمنطقة كارثة مرعبة. غير أن الأمل تبدد، وبقي الخطر ماثلًا وشاهدًا على خفة موظفي الأمم المتحدة، وجرأتهم في تسويق الوهم.
ما يلفت الانتباه أن الخبر الثاني حظي بتغطية واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، خلافًا لقرار مجلس الأمن الذي قوبل بإهمال لافت، ربما لأن الناس لم يعودوا يثقون بالمنظمة الدولية، ولا يولون أهمية لما يصدر عنها إلا بمقدار ما يمثل غطاءً للولايات المتحدة إذا ما قررت أن تتصرف إزاء قضية ما.
يعود الاهتمام الزائد بالزيارة إلى قيمة وشهرة الفنانة بأكثر مما إلى وظيفتها. وهذه لم تنبثق من كونها وجهًا لامعًا في هوليوود، ولا من سيرة الطفلة البائسة التي تسلحت بعزيمة قوية لكي تخرج من حافة الضياع إلى عالم الإبداع والشهرة والثراء. بعض الأسباب ترجع إلى أن المرأة هي في واقع الأمر صانعة إحسان، وربما صانعة أحلام.

ليس من أحد يجهل أن الحروب الدائرة على الأرض من صنع الرأسمالية وتدبيرها. ولقد كانت الحروب عبر التاريخ صراعًا على الموارد والأسواق وطرق التجارة. وقد خاضتها الدول بالسلاح قبل أن يصبح السلاح هدفًا في ذاته


في السياق لا بد من القول إن في العالم كثيرين تغلبوا على مصاعب لازمتهم في سنوات الطفولة، وتمكنوا من تطويع الظروف، والتحكم بمقاديرهم ومصائرهم، لكن القليل منهم لم ينسوا ماضيهم، ولم يتنكروا لجذورهم. ولا شك أن لهذا الاختيار أو ذاك أهمية فائقة حين نكون في مضمار السياسة، حيث تؤثر اختيارات القادة وتحيزاتهم على نوعية السياسات التي يتبعونها لصالح أو ضد الفقراء الذين صعدوا من وسطهم.
وأما خارج السياسة فلا يترتب على الاختيارات الفردية تأثير على عموم الناس، وإنما نكون أمام بعض محدثي النعمة الذين يمارسون الاستفزاز بطرائق عيشهم، ولكن من غير أن يلحقوا الضرر المباشر بغيرهم. وقد نكون على العكس أمام عينات وديعة وطيبة القلب من النموذج الذي تمثله “إنجلينا جولي”، فمثل هؤلاء يتمتعون بمشاعر إنسانية تحرك لديهم الرغبة في مساعدة الآخرين، والأخذ بأيديهم، وذلك يسهم في تحسين حياة بعض الأفراد والأسر دون أن يحدث أي تغيير في العلاقات الاجتماعية.
والواقع أن الميل إلى الإحسان لا يناقض الرأسمالية بما تنطوي عليه من الجشع والتوحش، وإنما مبدأ العدالة مرفوض تمامًا من النظام الرأسمالي القائم على مبدأ تعظيم الربح بما يعنيه من لزوم الاستغلال بشتى الوسائل.
وليس من أحد يجهل أن الحروب الدائرة على الأرض من صنع الرأسمالية وتدبيرها. ولقد كانت الحروب عبر التاريخ صراعًا على الموارد والأسواق وطرق التجارة. وقد خاضتها الدول بالسلاح قبل أن يصبح السلاح هدفًا في ذاته، حتى غدا العالم يشهد نوعين من الحروب؛ أحدهما يختلط فيه السعي إلى الموارد والمواقع مع هدف تدوير عجلات مصانع السلاح وتنشيط تجارته، وأما النوع الثاني فيشكل فيه السلاح هدفًا مستقلًا. من أجل هذا الهدف لا تنفك الدول الرأسمالية تشعل النزاعات بين الأمم وبين الأعراق والطوائف داخل كل أمة.
إن الحرب في اليمن تحمل الأثقال كلها، فهي صراع على الموارد وعلى الموقع، مثلما أنها سوق لتصريف السلاح. من هنا بالذات لاحظنا أن بعض من تابعوا رحلة “إنجلينا جولي” لم ينظروا إليها بالحماس المتوقع، بقدر ما تملكتهم حسرة، وشدتهم نزعة كبرياء.
كتب هؤلاء ما معناه أنهم ينتظرون فيلمًا لا يرقى إلى مستوى قيمة الفنانة القديرة، ولعلهم جزموا أنه فيلم هابط، لأن الكرامة الوطنية تأبى تقديم اليمن في صورة بلد متسول على ما يملكه من موارد مخزونة في باطن أرضه وفي أعماق بحاره. إن هذه الكبرياء لا تنفي حالة خطيرة قائمة، فإن ما سوف تسجله الفنانة لن يفصح عن أشياء جديدة كانت في طي الغيب. ولقد يكون الفارق أن شهرة المرأة توسع دائرة العارفين بالأوضاع البائسة لليمنيين، لكن أيًا ما كان اتساع الدائرة أو ضيقها، فإن الرسالة الوحيدة تحمل دعوة إلى الشفقة والإحسان من غيرما تأثير على القلوب القاسية التي يملك أصحابها قرار السلم والحرب.
يسوق هذا على نحو ما إلى الخبر الأول، وهو قرار مجلس الأمن 2624، بتوسيع العقوبات على الحوثيين، يشمل جماعة أنصار الله بأسرها. والحق أنه قرار بلا قيمة في ما يتصل بتأثيره في مجرى الحرب، والمعنى المستخلص منه لا يزيد على أن الدول الكبرى ترغب في إطالتها إلى أمد بعيد.
لعل ذلك ما أدركته النرويج وأيرلندا والمكسيك والبرازيل حين عرضت أسبابًا وجيهة لتبرير امتناعها عن تأييد القرار، إذ هو في واقع الأمر يباعد بين الفرقاء، ويزرع ألغامًا إضافية في الطريق المنشود إلى السلام المأمول.
لكنهم هكذا يريدون لليمنيين أن يواصلوا القتال إلى أبعد مدى، ويعملون بلا كلل على أن يبقى اليمن في قلب النار.
ذلك كان. أما الآن فنحن أمام حدث شد إليه الاهتمام وأثار من حوله جدلًا لا أظنه يطول. هناك في الرياض سوف يحتشد جمع كبير، وسوف تلقى الكلمات، وتدور كاميرات التصوير، ثم يخيم صمت ثقيل.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.