fbpx
د.سامية عبدالمجيد الأغبري

د.سامية عبدالمجيد الأغبري

أستاذ الصحافة المساعد بكلية الإعلام - جامعة صنعاء

لم يعد رمضان شهر للمة واجتماع الأهل

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

جاء شهر رمضان هذا العام مختلفًا كثيرًا عن سنوات سابقة، وعن رمضان أيام زمان، فقد أثرت الحروب والصراعات والأزمات المتتالية على هذا الشهر الفضيل سلبًا… فلا غاز ولا بترول، وغلاء فاحش في أسعار المواد الغذائية الأساسية، وزيادة كبيرة بقيمة فواتير الكهرباء والمياه والمواصلات العامة والخاصة، وارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات العامة والخاصة والعيادات.
فغالبية الموظفين الحكوميين ينتظرون نصف الراتب من صنعاء، وبعض من يسمون النازحين يستلمون الراتب بالعملة الجديدة من عدن، والتي حين تتحول إلى الريال السعودي ثم للعملة القديمة في صنعاء، تصبح أقل من النصف، وأحيانًا ربع راتب.
ورغم أن العاملين في القطاع الخاص ربما أفضل حظًا مقارنة بالقطاع الحكومي، ولكن أغلبهم يمتص أرباب العمل دمهم وطاقتهم برواتب هزيلة لا تسد المتطلبات الأساسية، ولا يطبق قانون العمل اليمني في القطاع الخاص إلا في ما ندر، فأغلب موظفي القطاع الخاص يعانون من عدم الأمان الوظيفي، فهم مجرد متعاقدين لسنوات طويلة دون تثبيت مهما كانت كفاءتهم، وبإمكان جهة العمل الاستغناء عنهم دون إبداء الأسباب.
ويعتمد الكثير من المواطنين على تحويلات المغتربين من أقاربهم وأهاليهم، والتي لم تعد تلبي سوى جزء بسيط من احتياجاتهم الضرورية والملحة، بخاصة بعد أن تم فرض رسوم إقامات باهظة، وتجديدها، فهبطت رواتب المغتربين، وارتفعت تكاليف معيشتهم في بلدان الاغتراب.
ومن المفارقات العجيبة أن يتم افتتاح الكثير من المطاعم والمولات والسوبر ماركتات، والتي تحتوي على أصناف متنوعة من المأكولات وأدوات المبطخ والأثاث والملابس و… كأننا لسنا في حصار أو حرب، بينما تدهورت القدرة الشرائية للغالبية العظمى من الناس لدرجة كبيرة، فتجد أن البعض يدخل إلى السوبر ماركت ليأخذ عينات من أصناف المواد الغذائية حتى يخيل لك أنها فقط ليوم أو يومين بالكثير.

لم يعد رمضان شهر للمة واجتماع الأهل والأحبة، فالغالبية يتحاشون دعوة أقاربهم للإفطار أو الذهاب إليهم، لأن الأحوال المادية أصبحت ضيقة على الكل.


وترى الوجوه واجمة، والعيون زائغة، وتراهم يسحبون أقدامهم سحبًا من شدة الإعياء النفسي والتعب، كأنهم أشباح تتراءى أمامك، فلم تعد ترى أي مظهر للفرحة والابتهاج بشهر الرحمة والمغفرة.
ولم يعد رمضان شهر للمة واجتماع الأهل والأحبة، فالغالبية يتحاشون دعوة أقاربهم للإفطار أو الذهاب إليهم، لأن الأحوال المادية أصبحت ضيقة على الكل، ولم يعد أحد يعاتب أحدًا، فحين يفكر أحد منا بزيارة عائلية رمضانية لأقاربه وأهله وأحبابه، يحسبها ماديًا، فيحجم عن ذلك، ويستعيض عنها بالاتصال عبر التلفون أو الواتس والفيس، وقد يدعي أنه مرهق أو مريض أو مشغول حتى لا يعاتبه أحد.
ومن المثير للألم أن الصدقات في رمضان من بعض الميسورين يتم إخراجها بطريقة مذلة لكرامة الإنسان، فمثلًا في إحدى مناطق صنعاء يقف حوالي 50 فردًا من أسر معوزة، من بعد صلاة الظهر وحتى صلاة العصر، في طوابير لاستلام علبة زبادي صغيرة أو قرطاس مكرونة، وفي أحسن الأحوال كيلو أو أقل تمر وما شابه ذلك، أي أنه لا يشبع ولا يغني من جوع، بدلًا من أن يتكفل عاقل الحارة في إيصالها للبيوت التابعة لحارته دون أن يتعب الناس في الوقوف حر الشمس وهم صيام من أجل صدقة لا تسد رمقًا..!
وفي تعز تم إخراج تمور من المخازن وقد تعفنت وأصبحت غير صالحة للاستهلاك الآدمي نتيجة سوء تخزينها أو لضعف القدرة الشرائية للمواطنين فتخلص منها أصحابها بتحويلها صدقات رمضانية، ومع ذلك تهافت الناس عليها من شدة عوزهم، ولم يبالوا بالعواقب الصحية، حيث تدافعت النسوة نحو تلك التمور كي يحصلن على قدر منها يسد رمق أسرهن، فاضطررن لاستئجار موتورات والإسراع في اللحاق بالطوابير، وتناسين نظرة المجتمع السلبية لركوبهن الموتورات.
كما غابت الجلسات الرمضانية وحلقات الذكر والفعاليات والأنشطة الثقافية والدينية، وفقد تدريجيًا الشهر الكريم لدى الناس روحانيته، حيث أصبح الناس غير قادرين على مجاراة الواقع الصعب الذي يحاصرهم.
والأسوأ في الأمر أن تستكمل حلقات المعاناة للمواطنين في رمضان بفرض الزكاة عليهم والخصم من رواتبهم الهزيلة أصلًا، رغم أنهم من يستحقون الزكاة عليهم، وغالبًا ما يتم توزيع الصدقات عن طريق عقال الحارات، وما أدراك ما عقال الحارات! الذين يستحوذ معظمهم -إلا من رحم ربي- على معظم الصدقات، ولا توزع -في الغالب- لمستحقيها من المتعففين.
فقد كانت جهات العمل في السابق توزع للموظفين فيها التمور والدقيق وما شابه ذلك، لكنها حاليًا تبحث عن أية وسيلة لخصم مستحقاتهم الهزيلة التي يستلمونها بعد شق الأنفس… فحين يدخل المرء منا إلى سوبر ماركت وتقع عيناه على الأسعار، يطلق تنهيدة حارة، ويخرج من الباب الآخر كمن لدغه ثعبان.
كان اللحوح التعزي أهم ما يميز سفرة رمضان، ولكن سعره ارتفع بشكل جنوني مع ارتفاع أسعار الغاز والمشتقات النفطية، حيث وصل سعر اللحوحة الواحدة 250 ريالًا، وأصبح اللحوح من الكماليات، ومن الهدايا القيمة في رمضان.
أما أسعار الحلويات التي تميز شهر رمضان فقد ارتفعت أضعافًا مضاعفة، ومع ذلك فليس مهمًا شراؤها لأنها مدمرة للصحة، ويمكننا الاستغناء عنها، لكن كيف يمكن للناس الاستغناء عن التمور والحليب والدقيق وأساسيات الحياة؟
فليس السبب رمضان، إنما السبب هم تجار الحروب والسياسيون الذين دمروا هذا الوطن، ولم يتيحوا لنا حتى شهرًا واحدًا فقط في السنة نرتاح من فسادهم وظلمهم، يقولون هدنة تبدأ في رمضان، ومصالحة يمنية- يمنية، وفك حصار وفتح مطار وميناء، ولكن حصار الجوع والمرض والغلاء والتحكم في أقوات الشعب أعظم حصار نواجه.
الحديث عن معاناة الناس، وبخاصة في رمضان، مأساة لا تنتهي وليس لها حدود، ويريدون أن يجرونا إلى مربع السياسة القذرة، وهل نحن مع أو ضد اتفاق الرياض أو غيره من الاتفاقات التي لم تنعكس إيجابًا على حياة الناس، بل تتم محاولة تخديرنا لفترة بسيطة من الوقت لا تتعدى أيامًا قلائل، وترجع الأمور للأسوأ.
فمازالت الطرق مدمرة ومحاصرة بين مختلف مناطق اليمن من حصار لتعز وصعوبة الوصول لعدن، وغياب الأمن والأمان، سواء الأمن الغذائي أو السكني نتيجة ارتفاع غير مسبوق بالإيجارات والمطالبة بإيجارات مقدمًا قد تصل لسنة لبعض المساكن رغم أنها شقق عادية جدًا.
ولعل دعوة المظلومين والمغيبين عن كواليس السياسة من المواطنين البسطاء ستكون مستجابة بإذن الله في هذا الشهر الفضيل، ولن يحقق الفاسدون مرادهم، ولكل طاهش ناهش، ولنا في أزمة روسيا وأوكرانيا مع أمريكا وحلفائها مثال ساطع. وللحديث بقية

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.