fbpx
د.سامية عبدالمجيد الأغبري

د.سامية عبدالمجيد الأغبري

أستاذ الصحافة المساعد بكلية الإعلام - جامعة صنعاء

الاختبارات : حالة طوارئ متأخرة في البيوت

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin

تنتهي اختبارات الشهادتين الأساسية والثانوية نهاية الأسبوع الجاري، وذلك بعد فترة إجازة طويلة خلال شهر رمضان المبارك كاملًا، وأسبوعين أو أكثر بعد العيد، حيث انقطع خلالها الطلاب عن جو التعليم تمامًا، وانصرف الغالبية العظمى منهم إلى اللعب في الشوارع أو إدمان الإنترنت، وبصفة خاصة مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد يضع البعض منهم كتبه وملازمه ودفاتره الدراسية في كرتونة، ويرمي بها تحت السرير، وكأن العام الدراسي قد انتهى، فلا دروس تقوية ولا تطبيقات عملية إلا قلة من الطامحين الذين يستمرون في الاجتهاد.
كما أن غالبية الأسر كانت مشغولة بكيفية توفير المتطلبات الأساسية لشهر رمضان، وللحياة المعيشية الكريمة؛ ولم يعد بإمكانهم إجبار أبنائهم وبناتهم على المذاكرة والاستعداد للاختبارات، لأن جو رمضان إجازة وصيام، ولا توفر الدولة أو حتى الجهات الأهلية مجالًا لطلبة المدارس للتعليم والمذاكرة، فلا توجد مسابقات طلابية توزع فيها جوائز أو مكافآت بسيطة تحفز الطلاب والطالبات على الاستذكار وممارسة الأنشطة التعليمية والثقافية والفنية، أو عمل مراجعة عامة في المدارس بعد العطلة الطويلة.
ولعل ما جعلني أكتب عن هذا الموضوع الهام، وهو إشكالية التعليم الأساسي والثانوي في بلادنا، أن هذه المرحلة العمرية هي مرحلة الطفولة المتأخرة والمراهقة، حيث إن الأطفال والمراهقين في هذه السن شخصياتهم ماتزال في طور التأسيس، ويتمردون على الواقع، ويشعرون بالملل من قراءة أي شيء بالإجبار والإكراه… وينزعون إلى ممارسة هواياتهم ورغباتهم سواء بالظاهر أو الباطن.
وهكذا مر شهر رمضان المبارك وأيام العيد ومعظم طلاب المدارس الأساسية والثانوية يلهون ويقتلون أوقاتهم بما لا يفيدهم ولا يفيد مجتمعهم.
ويأتي الأسبوع الذي يسبق الاختبار، لتبدأ حالة الطواري في المنازل، وينتبه أولياء الأمور متأخرًا إلى أن الوقت أصبح ضيقًا جدًا، فيقومون بملاحقة أبنائهم وبناتهم كي يذاكروا، ويبدأ الصراخ والعويل والضرب أحيانًا، وشتمهم وترهيبهم بكل الوسائل كي يستعدوا للاختبارات في اللحظات الحرجة، ولسان حالهم يقول: يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان.
وينعكس هذا القلق والتوتر والصراخ الذي يمارسه أولياء أمور الطلبة، على أبنائهم وبناتهم سلبًا، ويأتي بنتائج عكسية؛ إذ يشعر الأبناء بالإحباط واليأس من النجاح، ولا يدرون من أين يبدؤون المذاكرة، وأين ينتهون، فتجد بعض الطلبة والطالبات يصاب بحالة نفسية وقلق وتوتر واكتئاب، مما ينعكس على صحته الجسدية، فقد يصاب بالحمى أو الصداع أو الغثيان أو يصابون بغيبوبة وتشنجات عنيفة.
وينسحب بعض الطلاب والطالبات إلى النوم العميق، وقد يصحو من النوم مفزوعًا من الكوابيس التي تحاصره، وكأن يوم الامتحان هو يوم الحساب، فإما أن يدخل الجنة أو نار جهنم يصطلي فيها.
لذلك فإن بعض أولياء الأمور يشجع أبناءه وبناته على الغش، ويبحث عن أساتذة ومراقبين وأحيانًا عساكر لهذا الغرض، ويدفع مقابل نجاح ابنه أو بنته بالغش، ولا يرى في ذلك أية مشكلة، بل إنه يتحدث عن الأساتذة والمراقبين المتشددين في المراقبة بأسلوب سيئ، متهمًا إياهم بأنهم معقدون، ويسعون لإفشال أبنائهم.
ولا يقتصر الأمر على أولياء الأمور الذين لا يهتمون بتربية وتوجيه أبنائهم وبناتهم بخطورة الغش في الاختبار، وأن النجاح والتفوق الذي يكون باجتهاد ومثابرة الطالب أو الطالبة يكون له طعم ومذاق خاص.

فلم يعد الغش مستهجنًا ومرفوضًا سواء من قبل أولياء الأمور أو الطلبة، بل العكس أصبح في نظرهم حقًا من حقوقهم المكتسبة.


ومن الأقاويل التي تتردد في جلسات التفرطة النسائية أن بعض اللجان الامتحانية في محافظة الحديدة مثلًا يقال للطلاب اتركوا ورقة الإجابة دون أية إجابات، وبجانبها ألف ريال، ونحن سنتولى ملء الدوائر والإجابة عليها، وللأسف يوافق أغلب الطلاب، لأنهم لم يفتحوا كتابًا، ولا يدرون ماذا درسوا، لأنهم بكل بساطة لم يلتزموا إطلاقًا بحضور الحصص الدراسية.
فلم يعد الغش مستهجنًا ومرفوضًا سواء من قبل أولياء الأمور أو الطلبة، بل العكس أصبح في نظرهم حقًا من حقوقهم المكتسبة.
ولعل انتشار ظاهرة الغش في المدارس يرجع جزء كبير منه إلى عدم إعطاء رؤساء اللجان الامتحانية والمراقبين حقوقهم المالية المستحقة، ما يجعلهم يضعفون أمام الطلاب، ويقبلون الرشاوى، لتقلل من مكانتهم واحترام الطلاب لهم، وتجعل الطلاب أكثر تساهلًا واستهتارًا بالمعلم والتعليم.
كما أن هناك تقليلًا من أهمية الاختبارات من قبل المسؤولين عن إعدادها من حيث صياغة الأسئلة والطباعة والنسخ وجودة الورق، وعدم مراجعة أسئلة الاختبارات قبل طباعتها وتوزعها للطلاب أحيانًا بأخطاء جسيمة، وكذلك وضع الأسئلة على هيئة اختيارات (طريقة الأتمتة)، والتي يفقد الطالب من خلالها القدرة على التحليل والتفسير والتقييم (الأسئلة المقالية).
وتبعًا لذلك، فإن طريقة الأتمتة تسهل عملية التخمين والغش بدرجة كبيرة حتى وإن اختلفت النماذج المقدمة للجنة الواحدة، ويلاحظ أن تصحيح أسئلة الأتمتة يعتمد على نماذج إجابات قد تكون خاطئة.
فالجهات المعنية في وزارة التربية والتعليم والمدارس لا تولي الطلبة أي اهتمام، ولا تتابعهم كما ينبغي، خلال العام الدراسي، فلا يتم استدعاء أولياء الأمور وتنبيههم ثم تحذيرهم بشأن إهمال أبنائهم للدراسة.
كما أن غالبية الأساتذة الأكفاء إما تقاعدوا إجباريًا أو نزحوا أو هاجروا خارج البلد نتيجة انقطاع المرتبات، واقتحم سلك التدريس في المدارس من الباب الخلفي معلمون غير أكفاء لا يمتلكون أي مؤهلات تربوية ولا خبرة.
ولعل الأشد إيلامًا في بعض المدارس الخاصة أن يتم تدليل الطلاب من قبل إدارات المدراس، وتحميل المعلمين والمعلمات المسؤولية الكاملة في فشل أو نجاح الطلاب أو الطالبات، فالطالب دائمًا على حق طالما وهو الذي يدفع رسومًا للمدرسة، فيمكنه أن يستقوي بوالده الذي يجيء إلى المدرسة وهو متعصب، وينهجم على المعلمات دون أن يسمع لدفاعهن عن أنفسهن، ويمكنه أن يسيء إليهن أمام ابنه وبقية الطلبة، ليس هذا فحسب، بل تجبر المعلمة المظلومة على الاعتذار الرسمي للطالب كي تستمر في تلك المدرسة، وإلا فالتهديد بالفصل من المدرسة هو العقوبة التي تستخدمها الإدارة المدرسية ضد المعلمات اللواتي يحاولن أن يفرضن النظام المدرسي، ويواجهن الطلاب المشاغبين، فتقف الإدارة المدرسية إلى جانب بعض أولياء الأمور المتغطرسين.
وهكذا تتدهور العملية التعليمية حين يفتقد المعلم والموجه التربوي هيبته، ولا يلام الطلاب في حالة تقصيرهم وإهمالهم، ولا أولياء أمورهم، ويصبح المال هو المؤثر على التعليم.
وهناك بالمقابل بعض المعلمين والمعلمات غير الأكفاء وغير التربويين، والذين لديهم عقد نقص حيث يمارسون عقدهم المرضية على الطلاب والطالبات، ويكرهونهم بالتعليم، ولا تلتفت إليهم الإدارة المدرسية، ولا تلومهم، لأنهم ببساطة دخلوا التدريس من الباب الخلفي (الواسطة)، وقد لا تكون لدى البعض مؤهلات علمية.
والإشكالية الأخرى أن الأمهات غالبًا هن من يلاحقن أبناءهن وبناتهن، وقد لا يعرف بعض الآباء أن ابنه في الشهادة الأساسية أو الثانوية إلا يوم الاختبار أو حين يرسب.
كما لا يطبق مبدأ الثواب والعقاب في المدارس ولا في البيوت، لذلك فالطلاب والطالبات لا يجدون أي دافع يحفزهم على الاهتمام بالدراسة.
من الملاحظ أن الدورات التدريبية للمعلمين لم تعطِ ثمارها بسبب عدم ربط الدورات التدريبية بعلاوات في الرواتب، حيث يتساوى في الراتب أو المكافاة المعلم المتدرب وغير المتدرب، فلا يكون هناك فارق ليحفز غير المتدربين على التدرب، والمتدربين على تطبيق ما تدربوا عليه.
ويسهم غياب تكريم المعلم وإعطائه حقوقه كثيرًا في تدني التعليم، وتفشي الغش، حيث يقول الشاعر:
“إن المعلم والطبيب كلاهما
لا ينصحان إذا هما لم يكرما”
لذا نوصي الدولة والمجتمع بأن يولوا المعلمين الاهتمام الكافي ماديًا ومعنويًا ومهنيًا، فالمعلم هو حجر الزاوية في نجاح العملية التعليمية وتحقيق أهدافها المرجوة.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.