fbpx

المشاهد نت

ماذا تبقى من اليسار في اليمن؟

صورة تعبيرية

محمد عبدالوكيل جازم :

“محطات من تاريخ حركة اليسار في اليمن: تجربة شخصية”. أبانت هذه السيرة الوثائقية الدور النضالي لكاتبها، كما أنها لم تنسَ، وهي تتدفق، أن توثق للإرهاصات الأولى للحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والتعليمية في بلادنا.
ينقسم الكتاب الذي حوى ٢٩٤ صفحة، إلى 7 فصول، يتحدث فيه الكاتب عن نشأته وتكوينه الوطني والحزبي، والتزامه الفكري، وعلاقته بين المعيشي والسياسي، بالإضافة إلى شغفه بالحرية والنضال من أجلها داخليًا وخارجيًا، ومن أجل الضمير الإنساني والانتهاكات الجائرة.

ولد سلطان زيد مؤلف الكتاب في أسرة ريفية بسيطة عام 1944، بدار “الكولة” قرية محيلقة التي تقع ضمن قضاء الحجرية تعز. كانت طفولته هانئة بين أحضان والديه: الأب أحمد الحاج زيد العزعزي، والأم ناعمة عبده زيد.. جده ضليع في أحكام الشرع واللغة، فقد تأثر برجل التنوير والإصلاح السياسي الشهير الأستاذ أحمد محمد النعمان وأسهمت جدته مسك بنت سالم في تربيته أيضًا أثناء غياب أمّه .


ولد سلطان زيد مؤلف الكتاب في أسرة ريفية بسيطة عام 1944، بدار “الكولة” قرية محيلقة التي تقع ضمن قضاء الحجرية تعز. كانت طفولته هانئة بين أحضان والديه: الأب أحمد الحاج زيد العزعزي، والأم ناعمة عبده زيد.. جده ضليع في أحكام الشرع واللغة، فقد تأثر برجل التنوير والإصلاح السياسي الشهير الأستاذ أحمد محمد النعمان.
وأسهمت جدته مسك بنت سالم في تربيته أيضًا أثناء غياب أمّه في الحقول الزراعية؛ فالأرض الزراعية كانت عبئًا على المرأة بشكل خاص، وقد جسد ذلك القاص محمد عبدالولي في أعماله التي منها “الأرض يا سلمى”، و”شيء اسمه الحنين”، ولذا فقد كانت جدته ترضعه من حليب البقر، وهو إلى اليوم مايزال يتذكر عينيها البنيتين وصوتها الحنون وهي تروي قصصًا وحكايات.. ألحقه والده بالكُتّاب وهو صغير، فكان يقطع بجسده الهزيل كل يوم مسافة تقدر بخمسة كيلومترات من أجل الوصول إلى معلامة الفقيه.
يقول: “كنا نحمل ألواحنا وغذاءنا إلى المعلامة (الكتّاب) التي كانت عبارة عن ديمة (غرفة للماشية)، التراب وحده فراشنا”. ومن حسن حظّه أن مكتبة والده كانت تحتوي على كتب رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وخالد محمد خالد، وصحف لحركة المعارضة، لأن والده كان ملتزمًا لحركة التنوير الوطنية ضد الإمامة، فقد كانت الحركة ترسل صحيفتها من عدن.
تأثر زيد بشكل أساسي بوالده وطريقته في فضّ النزاعات في القرية، إذ كان والده يحثه على ذلك بطريقة غير مباشرة أثناء خرجاته إلى العمل؛ ولأن والده لم يكن ينشغل كثيرًا بالمال، فقد كان يتقاضى 10 ريالات “ماريا تريزا” بعد الانتهاء من إنهاء الخلافات، ولم يكن لديه راتب شهري.. في حين كان القاضي الذي سبقه يتقاضى 200 ريال فضّي حال الانتهاء من قضية. في هذا الجو المتعفف عاش الكاتب طفولته، واستمر في ذلك.

عدن محطة الانطلاقة الأولى

في هذه السيرة الصادرة عن “مركز إرم للتنمية الثقافية والدراسات التاريخية”، يعتبر السارد عدن محطة الانطلاق الأولى، فيها التحق بمدرسة النهضة الأهلية، فقد كانت المدارس الحكومية التابعة للاستعمار تمنع أبناء الأسر الواصلين من مناطق خارج مستعمرة عدن، من الدراسة، وفي أول افتتاح للمعهد “العلمي الإسلامي”، عام 1954، وجد نفسه أحد المنخرطين فيه.

تأثر زيد بشكل أساسي بوالده وطريقته في فضّ النزاعات في القرية، إذ كان والده يحثه على ذلك بطريقة غير مباشرة أثناء خرجاته إلى العمل؛ ولأن والده لم يكن ينشغل كثيرًا بالمال، فقد كان يتقاضى 10 ريالات “ماريا تريزا” بعد الانتهاء من إنهاء الخلافات، ولم يكن لديه راتب شهري.. في حين كان القاضي الذي سبقه يتقاضى 200 ريال فضّي حال الانتهاء من قضية. في هذا الجو المتعفف عاش الكاتب طفولته، واستمر في ذلك.


في هذا المعهد زامل فنان الشعب الشهير أيوب طارش، والكاتب الكبير محمد المساح الذي انتقل للسكن معه في زريبة الحاج فارع لصاحبها الحاج فارع العزعزي، بائع سلال التنبل الهندي أيضًا.
يقول: “كنا ننام أنا والمساح فوق العجور (سيقان الزرع اليابس)، ونستمع إلى موسيقى الفئران التي تصدح من حولنا، وعندما نريد أن نذاكر دروسنا نذهب عند أحمد حيدر، لأن لديه سراجًا صغيرًا، فكنا نقرأ المقررات الدراسة بدلًا من استماعنا لأصوات الفئران وخوار البقر وروائح الضفع (مخلفات الأبقار)”.
الحياة في عدن مما سبق، ومن خلال هذا الاقتباس، توضح الاحتكار المريع للكولونيالية (تطلق على السيطرة والتأثير الذي تفرضه الدول المستعمرة) ونهمها الامبريالي الصفيق في التعامل مع السكان الأصلانيين، فأين تذهب عائدات الميناء إذا لم تكن في صالح توسيع العملية التعليمية لأبناء اليمن؟

“المسجد والسينما”

اكتشافه للسينما عرضه لعقاب الحاج فارع، وعلى إثر ذلك انتقل للسكن في مسجد حامد الذي يقع في حافة الزعفران، بعد أن أرسل والده برسالة إلى أحمد الزين قيم المسجد، يقول: “كان المسجد أحسن من بيت الحاج فارع، تتوفر فيه بعض الحرية”.
من الواضح أن العلاقة بين الفنون والتقدم أصبحت من المسلمات، وحسنًا فعل المؤلف حين اختار عنوان “المسجد والسينما” لهذه الفقرة؛ فلا شك أن هذه الإشكالية الجوهرية اليوم معقدة ومزعجة، فالإنسان بدون الفن يصبح شيئًا آخر كائنًا عدوانيًا يرسل المواعظ ويستقبلها، كائنًا معزولًا وبدون ذاكرة.
يقول الراوي: “السينما وقد باتت تعرف بالمدرسة الثانية بعد التعليم، أستطيع القول بأنها لعبت دورًا كثيرًا في توسيع مداركي، خصوصًا مع بداية سن المراهقة، حيث يزداد الميل للفن والشعور بالحب تجاه الجنس الآخر”.
إن الحديث عن السينما كان يعني الحديث عن التحصيل المعرفي والمتعة، بينما الحديث عن المسجد يأتي متبوعًا بالقلق، وهو يعني أن البشر في سن المراهقة يودون الذهاب إلى الأمكنة التي يتم فيها تقديم الشيء الذي يحبونه بأدوات مقترنة بالجديد والفرح والجمال، وينفرون من القوالب الجاهزة التي تمنعهم من الحرية، وتقدم خطابًا مكررًا مشفوعًا بالغيبيات والتوصيات التي لا يعمل بها مقدموها، فتحدث صدمة لدى المتلقي في بداية مشواره الحياتي.

توثيق اللحظة

عاد سلطان إلى القرية عام 1962. تزوج وهو في الـ17، ثم انتقل إلى عدن، وتم اختياره في مسابقة تربوية للعمل في شبوة (شرقي اليمن)، وهناك عمل على تأسيس بعض المدارس، وبخاصة بير علي بلحاف، لكنه سرعان ما سمع عبر الراديو بقيام ثورة 26 سبتمبر.

صورة غلاف الكتاب


تلقى رسالة من صديقه الشاعر علي عبدالعزيز نصر، حدثه فيها على العودة للمشاركة في تأدية الواجب الوطني الكبير. بعد رحلة مضنية وصل إلى تعز (جنوبي غرب اليمن)، وعمل في المركز الحربي الذي أنشأه السوفييت مقررًا، نظرًا لحصوله على شهادة الإعدادية في ذلك الوقت.
كانت اليمن تلبس ثوبًا جديدًا، وأبناؤها جميعًا ينخرطون في المؤسسات الحديثة، إلا أن أجهزة “صلاح نصر” التابعة للتدخل المصري في اليمن، بثت الشكوك والتوجسات، فلم يكن نصر يؤمن بأهمية الثورة اليمنية، إذ إنه وصفها في مذكراته بالحركة.
وبسبب معارضته هو وطلاب المركز الحربي لتوجهات القوات المصرية، أودع في سجن صالة هو وعلي محمد هاشم.
انتقل صاحب السيرة إلى الحديدة (غرب اليمن) بعد تخلصه من السجن، ثم إلى صنعاء التي استقر فيها مع أسرته الصغيرة نهاية 1963، وهو هنا يؤرخ لظهور خدمة البوتاجاز كعادته في رصد التحولات الاجتماعية. وأما السياسية فقد أبان رأيه في “مؤتمر خمر والثلاثية” و”مؤتمر حرض”، وكان رافعة تلك المناهضة تشكيل التنظيم الشعبي المعارض لسياسة التسوية مع الملكيين، كان من نتائجه تدعيم مؤتمر الجند في أكتوبر 1965.
انتهت هذه المرحلة بتفتيش منزله هو وعبدالله صالح عبده، وزنازين تربية للاثنين معًا، استمرت لمدة 20 يومًا بعد مشاجرة عبدالله صالح مع عبدالله الحمدي مدير المباحث.

يوضح زيد أن ميوله الفكرية بدأت في نهاية الخمسينيات، حين قرأ وهو في المسجد بالمتوسطة، رواية “الأم” لمكسيم غوركي، و”معذبو الأرض” لفرانز فانون، و”الشيخ والبحر” لأرنست هيمنغواي و”البؤساء” لفيكتور هيجو و”أحاديث الشباب” لسلامة موسى، وهو ما يعني أن بدايات تكوينه كانت أدبية، والمقتبس التالي يوضح أنه من الممهدين في كتابة القصة بمعية صالح الدحان وأحمد محفوظ عمر.

تشكل الميول الفكرية

في الفصل الثالث يوضح الراوي أن ميوله الفكرية بدأت في نهاية الخمسينيات، حين قرأ وهو في المسجد بالمتوسطة، رواية “الأم” لمكسيم غوركي، و”معذبو الأرض” لفرانز فانون، و”الشيخ والبحر” لأرنست هيمنغواي و”البؤساء” لفيكتور هيجو و”أحاديث الشباب” لسلامة موسى، وهو ما يعني أن بدايات تكوينه كانت أدبية، والمقتبس التالي يوضح أنه من الممهدين في كتابة القصة بمعية صالح الدحان وأحمد محفوظ عمر.
“خلال تلك الفترة حصلت تحولات كبيرة بالنسبة لي، من حب التأمل إلى شغف القراءة ومحاولة كتابة القصة. كان معي في نمو مظاهر هذا التحول الزملاء عبدالله الوصابي (نقيب الصحفيين بعد الثورة)، والعابد حسين، وشخصيات وطنية غادروا الشمال، إضافة إلى علي عبدالعزيز نصر وعبدالوهاب الوشلي.

إقرأ أيضاً  استبدال الخيام بالشبكيات لمنع الحرائق في مخيمات النازحين بمأرب

الانخراط بالسياسة

لكن زيد اختار نار السياسة، ولم يدرِ أنها ستكويه لأن منطلقه الأساس الثقافي والتأملي، وكما رأينا اهتمامه بالثورة اليمنية، وعودته إلى شمال الوطن متتبعًا نفسه الطوباوي الحالم بمدينة الحلم، وقد اختار الماركسية للتعبير عن ذاته، لأنه ينحدر من طبقة البروليتاريا، يقول: “وكان لوجودي في المركز الحربي، واحتكاكي بالخبراء السوفييت والرفاق الماركسيين، دور إيجابي في تطور مستوى ذلك التأثير. وهكذا كنت كلما قرأت زدت وعيًا والتزامًا”.
الجميل في سيرة زيد أنه يود أن ينقل كل خبرته للأجيال الجديدة، ليثبت أن تجربة اليسار هي النهج القويم، ويتجلى ذلك في الفصل الثالث الذي تحدث فيه عن كيفية ارتباطه بالماركسية، ومدى تأثره بإنجلز ووحدة الحركة الطلابية والعمل النقابي والسياسي والطلابي، ثم كيف تم الانقلاب على الجمهورية،ثم انضمام فنان الشعب أيوب طارش للشبيبة.
بعد أن امتلك الكاتب وعيًا يساريًا ووطنيًا عميقًا من خلال القراءة والالتحام بفكر عبدالله باذيب الذي صاغ الميثاق الوطني “للاتحاد الشعبي الديمقراطي”، حيث أسهم هذا الميثاق في تطوير معارفه لينخرط بقوة في العمل النقابي. تم اختياره عام 1965 أمينًا عامًا للشبيبة.
كانت فكرة الاتحادات النقابية للطلاب اليمنيين قد بدأت عام 1956 في مصر، حين تكونت “رابطة الطلبة اليمنيين” برئاسة محمد عمر السقاف.
في منتصف 1966 بدا الأمر كأنه لم يعد يحتمل البقاء في بلده، لأن الحروب والصراعات تمزقه، وكان لا بد أن يأخذ استراحة المحارب أو أن يحدث تغييرًا في حياته الرتيبة.. قدم شهاداته التعليمية للملحقية الثقافة لسفارة الاتحاد السوفيتي، فكان أول مبتعث للدراسة باسم اتحاد الشبيبة الديمقراطية اليمنية “أشدي” في شمال الوطن، وقد جاء في السيرة أن ذلك يتم بتنسيق مع شبيبة الجنوب، وهو ما يعني أن هذا الكيان من حيث المنشأ ولد وحدويًا، وفي شكل مبكر، إذ إنه من المعروف أن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين هو النقابة التي ولدت موحدة بداية السبعينيات، وقد كشف الكاتب في هذا السياق أن هناك أسبقية لاتحاد الشبيبة “وكانت الشبيبة تُعد منظمة ذات طابع وطني وأممي، تلتزم بمهام وطنية ونضالية في الشمال والجنوب”.

عند وصوله موسكو استقبله الجاوي وأبو بكر السقاف وعبدالله حسن العالم. في العام التالي أُجريت انتخابات لفرع الرابطة الطلابية في مسكو، فانتخب رئيسًا للفرع يقول هنريك إبسن: “لا يمكن أن يعفي أي شخص نفسه تمامًا من المسؤولية نحو المجتمع الذي ينتمي إليه؛ أو ألا يكون له نصيب في خطاياه”.


عند وصوله موسكو استقبله الجاوي وأبو بكر السقاف وعبدالله حسن العالم. في العام التالي أُجريت انتخابات لفرع الرابطة الطلابية في مسكو، فانتخب رئيسًا للفرع يقول هنريك إبسن: “لا يمكن أن يعفي أي شخص نفسه تمامًا من المسؤولية نحو المجتمع الذي ينتمي إليه؛ أو ألا يكون له نصيب في خطاياه”.
نجد في معظم مفاصل السيرة استثمارًا واضحًا لطبيعة السرد المباشر المعروف في المذكرات، ومن علاماته استحواذ السارد على السرد دون شخصيات أخرى كما هو معروف في الرواية عادة؛ فهو الشخص المركزي، وكل الشخصيات المذكورة تتناغم مع إيقاع السارد والأحداث، فإذا كانت الرواية تخييلًا للواقع، فإن السيرة في جزء كبير منها وثائقية، وهو ما نراه من خلال إيراد شخصيات معروفة وتواريخ وتفاصيل حقيقية ممهورة بملحق وثائقي.

تتبع التحولات والمصائر

بعد أن تمت مناقشة الماجستير تحت عنوان “التطور الدستوري في اليمن بين عامي 1930- 1970″، عاد إلى اليمن، وانخرط بعد معاناة في المعهد القومي للإدارة العامة… تقوم فكرة ماركس على الصراع: بين من يمتلكون السلطة والثروة وبين من لا يمتلكونهما، وكل شكل من أشكال هذا الصراع المفتوح يخلق صدامًا مدويًا يترتب على أثره موروث سياسي واجتماعي وقانوني، لكنه بالمعنى العام يشل حركة الحياة، ويكون للفن نصيب للتعبير عن هذه اللحظة.
شخوص هذه السيرة خرجوا من هذا الصراع، وهو ما يشد القارئ إلى تتبع التحولات والمصائر. تبرز شخصية محمد خميس كممثل للشر اللامنطقي والمطلق في مجرى الصراع، وبالمقابل تظهر شخصية الرافضين لقمعه، وبدون شك فإن الطرف الآخر هو نموذج الخير الذين يتعرضون لقمع خميس، والكاتب أحدهم، وهنا تتجلى بشاعة الاضطهاد في الفصل الرابع من الكتاب، حيث ينبري خميس ليحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة، فمثلًا بالإضافة إلى وقائع تعذيبه للمساجين الذين يخالفونه الرأي، هناك تعذيب لم يوثق، وهو أنه على من يرغب أن يعمل في أجهزة الدولة عليه أن يأتي بشهادة حسن سيرة وسلوك، يتعهد معها المتقدم بعدم المشاركة في العمل السياسي، وليس لديه سوابق، وهنا يتنامى الصراع الحقيقي بين من يريد أن يكتب نهايتك بسوطه وتجويعه وإذلاله (محمد خميس)، وبين من يريد أن ينتزع حقه في الحياة (الموطن)؛ يقول: “هكذا بدأنا نفكر من موقع تشكيل الوعي بطبيعة العلاقة بين المعيشي والسياسي…”.
نضجت التجربة الشخصية للكاتب بعد كل تلك العواصف التي واجهها بثبات وفق المرجعيات اليسارية التي اكتسبها من تنقلاته في البلدان الاشتراكية، وأخذ يقارن بين الحياة هناك والفقر والتخلف هنا، مع امتلاك بلادنا مقدرات النهوض المادي والحضاري، إلا أنها ويا للأسف مختطفة في سجون خميس وهراوته.
تماهى السارد مع ذاته اليمنية، فراح يفكر مع رفاقه بتأسيس “اتحاد الخريجين”، وهي الفكرة التي لقيت ترحيبًا من جميع الزملاء عام 1972، وهنا ظهرت العقبة الكأداء؛ شبح خميس -دائمًا- الذي تم تجاوزه هذه المرة باستصدار ترخيص من وزارة الثقافة، عمل نادي الخريجين على رفع الأجور، ومنع إخصاء شهادات الخريجين، وأحيا روح مجلس السلم والتضامن، وغير ذلك.. في 1977 تم اتخاذ قرار وزاري بإيقاف النادي ومصادرة أملاكه.

انتهاك الرفاق

ترصد السيرة بشكل دراماتيكي الكثير من الأحداث والتطورات، مثل العمل التعاوني في عهد الحمدي، والخلافات الجبهوية في انقلاب 5 نوفمبر 1967، والتطورات داخل حزب اتحاد الشعب الديمقراطي الذي ينتمي إليه المؤلف، والموقف من حرب 1972 بين الشطرين، ثم الطريق إلى الجبهة الديمقراطية، والاجتماع الحزبي الذي حضره المؤلف في وادي ظهر، والحكومة الافتراضية التي شكلها عبدالرحمن مهيوب ورفاقه، ثم حين داهم الأمن منزله ليجدوا تحت وسادة ورقة كتب عليها أسماء التشكيلة المفترضة، ودخل مهيوب على إثرها السجن على الرغم من أن الأمر لم يكن سوى من باب الدعابة. تلى ذلك إشارة لانضمام الحمدي إلى الحزب الديمقراطي، يقول: يمكننا التأكيد بأن الحمدي نظمه الرفيق عبدالحميد حنيبر في الحزب الديمقراطي الثوري”.
في 1976 يعتقل المقدم علي العتمي وكيل جهاز الأمن الوطني، صاحب السيرة، ويودعه سجن البشائر الذي كان قصر الإمام البدر، وهناك يصف الراوي أساليب التعذيب التي تتنوع بين انتهاكات جسدية ونفسية وحقوقية، ويستاء شاعر اليمن الكبير البردوني مما يحدث لزيد ورفاقه. يكشف الكاتب -أيضًا- عن انتهاكات جسيمة في حق الكثير من رفاقه مثل أبو القصب الشلال وعلي العلفي وعبدالعزيز قائد سيف وعبدالله الرديني وعلي محرز وطه فوزي الذي اعتقل عشية زفافه، وأخفي قسريًا حتى اليوم.

هذا ما تبقى من اليسار

يلجأ الكاتب إلى كسر صرامة السرد، فيورد العديد من الطرائف التي حدثت معه، مثل حديثه عن “أربعين فتة زيود ومطيبة شوافع”، وحكومة تحت الوسادة، وراكاح في الزنزانة، وغير ذلك.
اشتملت السيرة على ذكر أحداث يناير 1986 التي وصفها السارد بالانفجار العظيم، حيث اضطر هو وعائلته -التي نالها الكثير من العناء خلال محطات نضاله- إلى أكل حبوب القمح نيئة، وشرب الماء مخلوطًا بالبترول.. وهنا أقول هذا ما تبقى من اليسار حين تجلت روح الإخاء والمبدئية الإنسانية في النضال الاجتماعي السلمي.
يطرق باب بيته فاروق علي أحمد، أحد المطلوبين للجناح المنتصر، فيؤويه على الرغم من خطورة ذلك.. وإذا كان لا بد من إجابة على سؤال ماذا تبقى من اليسار في اليمن؟ فحسنًا فعل سلطان زيد حين أنهى سيرته بخاتمة لكل ما مر تحت عنوان “الحب هو مبدئي”، وهو ما تبقى من اليسار، هذا الوفاء اللامحدود للجنة المراجعة التي أسهمت بوعي واقتدار في دفع هذه السيرة للنشر، وقد تكونت لجنة المراجعة من: جازم سيف، نجران سلطان، باسم الحاج، ريدان الأصبحي، قاسم اللامي، وعارف الشيباني.

مقالات مشابهة