المشاهد نت

أطفال اليمن.. ما بعد الصدمة


محمد الحسني

في الثامن من مارس 2019، وعند الساعة العاشرة مساءً، استهدف قصف مدفعي متبادل بين أطراف النزاع بمدينة حيس في محافظة الحديدة، حيًا سكنيًا، أدى القصف إلى الإضرار بمجموعة من المنازل والمنشئات الخاصة بالمواطنين، منزل ” وحيد” كان واحدًا من المنازل التي تضررت بشكل مباشر خلال القصف، الأمر الذي تسبب في نزوح الكثير من أبناء الحي بحثًا عن المأوى بما فيهم عائلة وحيد، التي تركت طفلها ذو ال ١٣ عامًا وحيدًا، خلال موجة الفرار والنزوح من مكان الحادثة.

لنعد قليلًا، الساعة تشير إلى التاسعة مساءً، كان الجميع يلتفون حول مائدة العشاء، يتبادلون الحديث بلهجتهم التهامية التي تبعث إلى مستمعها شعور بالأمن والبساطة، كانت ترافق كلماتهم أصوات اشتباكات تخترق هدوء المدينة وكل شعور بالحياة، ربما كانت اللحظات الأخيرة التي شعر فيها وحيد بالحياة، قبل أن يغتال القصف المدفعي شعوره ويفقده منزله وعائلته.

وحيد بحث بين الأنقاض وبين الأسر النازحة عن والده وعن عائلته، يحاول أن يجد أحدهم يخبره ما حدث، يتساءل كيف فر الجميع؟ وأين ذهبوا؟ لكنه لم يجد إجابة، قرر الفرار في اليوم التالي مع عائلات من الحي إلى العاصمة صنعاء، على أمل أن يجد أي طيف يعيده إلى ذلك العشاء. في العاصمة صنعاء، وجد وحيد نفسه وحيدًا، يبحث عن الطعام وعن مكان يستطيع فيه أن ينام، وفي المقابل كانت هناك عيون تتفحص وتبحث عن أمثال وحيد، لتصاده وليمتهن التسول المنظم، مقابل منحه حق الحياة، وهكذا بدأ وحيد حياته الأخرى في العاصمة صنعاء.

يحكي وحيد بصوت خافت وخائف عن هذه التجربة وكيف أثرت فيه، فيقول”ما عرفت أين ساروا أهلي، هربت مع ناس فوق السيارة، ولما وصلت صنعاء، كنت أشتي آكل وأعيش واشتغلت شحات” هكذا لخص وحيد حكايته التي استمرت معه خلال عام، قبل أن يتم احتوائه في إدارة الحماية الاجتماعية والتي شخصت حالته بعد عدة جلسات بكرب ما بعد الصدمة واكتئاب شديد.

أطفال اليمن.. ما بعد الصدمة
إحصائية نسبة الاضطرابات النفسية بين الأطفال 7-10 سنوات

وحيد حالة من آلاف الحالات التي رصدتها منظمة إغاثة لإنقاذ الأطفال، ومؤسسة التنمية والإرشاد الأسري والتي تتحدث عن إصابة الألف من الأطفال بتبعات وتأثيرات نفسية وعصبية تسببت بها الحرب وتبعاتها بشكل مباشر، ووفقًا للمسح الميداني الذي أعدته مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري ، والتي وضحت فيه أن أكثر من خمسة ملايين ونصف يعانوا من تبعات وأمراض نفسية وعصبية، وأن انتشار الاضطرابات والضغوط النفسية ظهر أكثر لدى الفئات العمرية الأصغر سنًا عما هو عليه لدى الأفراد ذو الفئة العمرية الأكبر سنّا، وبينت الدراسة أن إجمالي ١٦.٨٪ من إجمالي حالات متغير العمر هي لأطفال بين السادسة عشر والثامنة عشر من العمر. ووضحت الدراسة زيادة في معدلات الإصابة والانتشار بالأمراض النفسية بين الأطفال ٧-١٠سنة، وصلت إلى ١٩.٥٪ خلال العام ٢٠١٨ عن دراسة سابقة أجريت في العام ٢٠٠٧. وأعادت المؤسسة الأسباب إلى الحرب كونها المتغير الوحيد خلال الفترة الأخيرة.

خطر كامن

الدكتور عبد القدوس حرمل مدير برنامج الصحة النفسية بوزارة الصحة، وأحد أعضاء فريق إعداد الدراسة، تحدث أن شريحة الأطفال هي من أكثر الفئات العمرية المعرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية، بسبب قصور في قدراتهم العقلية والعصبية على استيعاب الكثير من الأحداث والصدمات. وأضاف أن الخطر يكمن في ان نتائج هذه الأمراض والاضطرابات لدى الأطفال لن تظهر إلا على المدى البعيد وهو ما يشكل كابوسًا مقلقا على مستقبل الاطفال والبلاد.

الأخصائية النفسية والدكتورة سماح قائد، قالت أن وحيد كان يظهر سلوكا عدوانيا ورغبة في الانتحار وهي أمراض ظهرت بشكل كبير خلال فترة الحرب، وقالت أن وحيد عندما شخصت حالته كانت هناك ضغوط نفسية صعبت في البداية تحليل ماهية الاصابة التي وصل إليها، إلا أنه ومع استمرار الجلسات العلاجية تبين اصابته بكرب ما بعد الصدمة لفقدانه منزله وعائلته، واكتئاب شديد رافقه خلال الأحداث التي مر بها من منزله وحتى عمله في التسول، إضافة إلى حالة الخوف التي عملت على ظهور السلوك العدواني كوسيلة دفاعية وهو الأمر الذي زاد من حدة الاضطراب النفسي مما جعله يفكر في الانتحار بشكل مباشر أو عن طريق استسهال الأذى الذي يتلقاه، وأضافت أن الكثير من الحالات التي تصل إليها السبب الأول فيها الحرب والتعرض لصدمة شديدة بسبب موقف ما، إضافة إلى موجات النزوح وحالات العنف الأسري.

من صور الحرب

آية قاسم ١٠ أعوام هي الأخرى، واحدة من ١٢٠ حالة تستقبلها إدارة الحماية الاجتماعية شهريًا، وهي إدارة تهدف إلى إعادة تأهيل المرضى النفسيين ودمجهم بالمجتمع، يقول رئيس قسم عدالة الأطفال في إدارة الحماية الاجتماعية الدكتور رضوان الشرجبي، أن الحرب ساهمت في زيادة حالات الإصابة بالأمراض النفسية بين الأطفال، أما بشكل مباشر أو عن طريق الانفصال عن الأسرة وموجات النزوح والعنف والاستغلال الجنسي، يحكي الشرجبي قصة الطفلة آية التي فقدت النطق وأصيبت بانهيار عصبي وهستيريا شديدة إثر مشاهدتها لقصف طيران التحالف لمنزلها، أثناء عودتها من المدرسة. يقول الشرجبي إن هذه صورة من صور الحرب التي ساهمت إلى جانب أسباب كثيرة في انتشار الأمراض النفسية بين الأطفال، وقال إن أمراض مثل فقدان النطق والهلوسة السمعية والبصرية وكرب ما بعد الصدمة والاختلالات العقلية هي نتائج متوقعة خلال فترة الحرب وظهرت خلال نفس الفترة بشكل ملحوظ على الأطفال.

إقرأ أيضاً  عادات وتقاليد العيد في المحويت

طبيبان فقط

“الأطفال الذين تحدثنا إليهم، خائفون من اللعب في الخارج، إنهم يتبولون في الفراش عندما يسمعون طائرات تحلق في سماء المنطقة، أو قنابل تتساقط” تقول إنغر أشينغ المدير التنفيذي لمنظمة save the childern الدولية، وتضيف “هذا ما تفعله خمس سنوات من الحرب على الصحة النفسية للأطفال، ولا يمكننا السماح باستمرار هذه الحرب على الأطفال” منظمة save the childern وهي منظمة تهدف إلى تحسين حياة أطفال العالم، أجرت دراسة واستطلاع آراء ل١٢٥٠ من الأطفال والأوصياء، ووجدت الدراسة أن ٥٠٪ من الأطفال يعانون من مشاعر الاكتئاب والحزن الشديد، وأن ٢٠٪ من الأطفال يعيشون في خوف مستمر، وبين الأوصياء أن أطفالهم ظهرت عليهم مشاكل مرتبطة بسوء التغذية والصداع الشديد والكوابيس المستمرة والتبول اللا إرادي، واضطرابات في الصحة النفسية وضحتها الدراسة بالاكتئاب الشديد وكرب ما بعد الصدمة. وبينت الدراسة أن هناك واحد من كل عشرة أطفال يعانون من الحزن والاكتئاب وأن هناك طبيبان فقط في الجمهورية اليمنية مختصين في الصحة النفسية للأطفال وممرضة واحدة لكل ٣٠٠٠٠٠ ألف طفل.

الخطر الحقيقي

يرجع الدكتور ابراهيم الموظمي نائب مدير برنامج الصحة النفسية بوزارة الصحة العامة والسكان بصنعاء، السبب في زيادة حالات الإصابة بين الأطفال إلى الحرب، وقال: الحرب أسهمت بشكل كبير في زيادة أعداد حالات الإصابة بأمراض وتبعات نفسية بين الأطفال، وأضاف أن الجانب النفسي في اليمن لا يتلقى الدعم والاهتمام اللازم، بحيث يضمن حصول الجميع على الرعاية الكافية، وأن هناك قصور في الوعي لدى الأسر في ملاحظة ومتابعة أي اضطراب نفسي لدى الأطفال. الأمر تحدثت عنه منظمة يمن لإغاثه الأطفال، حيث أوضحت أن النزاعات والحروب والنقص الحاد في الاحتياجات الأساسية وانعدام الأمن في البلاد أثر بشكل كبير على الصحة النفسية للأطفال وقالت إن مجمل هذه الأسباب أثرت على تفكير الأطفال ومشاعرهم وسلوكهم وعلاقتهم تجاه من حولهم، وأضافت أن الخطر الحقيقي في الجانب النفسي للأطفال سيظل مجهولًا حتى بعد انتهاء الصراع.

أطفال اليمن.. ما بعد الصدمة
هرم ماسلو

هرم ماسلو

يقول حسين أحمد 47 عامًا وهو أب لثلاثة أطفال تتوسطهم عبير 14 عامًا، والتي أصيبت باضطراب نفسي وعصبي ناتج عن معايشتها لانفجار استهدف إحدى المنشئات بالقرب من مدرستها في منطقة سعوان بالعاصمة صنعاء، يصف لنا الأب حال ابنته عقب الحادثة” جلست يومين بدون أكل، وتتقيء بشكل مستمر، ما استطاعت النوم لأكثر من شهر” عبير تتلقى العلاج الآن في مستشفى الأمل للأمراض النفسية والعصبية بصنعاء، ووفقًا للأب فإن هناك تحسن كبير في الحالة النفسية لابنته.

أخصائية علم النفس في جامعة نورث وسترون الدكتورة كارول دونيلي، وهي مهتمة بالأطفال الذين يعانون ظروف الأزمة في اليمن ضمن مشروع يورجن، والأخير مهتم بدراسة وقياس الأزمات، قالت إن الصدمة النفسية لفترة طويلة وهو ما يبدو عليه الحال في اليمن قد يفاقم من مشكلات الصحة النفسية للأطفال وأن مع عدم وجود حلول لمعالجة هذا الأمر فسنواجه ” جيلًا كاملًا من الأطفال المصابين بصدمات نفسية شديدة” ويكونوا مجرد عبء على المجتمع بأسره. ويتحدث تقرير صادر على مشروع يورجن أن الترتيبات السكانية في اليمن قد تأثرت بشدة بسبب الحرب إلا أن الأطفال يتحملون وطأة هذه الحرب، فقد سجلت نسبة كبيرة من الأطفال الذين استهلكت الحرب صحتهم النفسية، وأضافت “لا مفر من الحرب، بالنسبة لأولئك في اليمن” ووضعت دونلي التسلسل الهرمي ل “ماسلو” ضمن الأوليات التي ستسهم في توفير فرصة أشمل لحل المشاكل النفسية والعقلية للأطفال بدءًا بتوفير الاحتياجات الأساسية والأمن وحتى الوصول إلى صحة نفسية أفضل بالنسبة للطفل.

” تم إنتاج هذه المادة من قبل شبكة إعلاميون من أجل طفولة آمنة التي يديرها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي وبتمويل من اليونيسف (منظمة الطفولة)”.

تنشر هذه المادة بمناسبة #اليومالعالميللطفل وفقًا لتفاهم بين الموقع والشبكة

مقالات مشابهة