fbpx

“الحرب المنسية”.. اليمن على خطى “سيناريو الحرب الكورية”

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
طول أمد الصراع في اليمن يقربها أكثر لنموذج الحرب الكورية

عدن-عبدالعالم بجاش

اعتبرت الحرب الأهلية الكورية مثالًا للنزاعات المعقدة غير المنتهية، إذ بلغت كلفتها البشرية 5 ملايين شخص رغم عمرها القصير: ٣ أعوام.

وعندما تبين أن كل طرف من طرفي الحرب عاجز عن حسم الصراع عسكريًا لصالحه، لم يغرقوا لسنوات إضافية في الحرب رغم تعقيداتها وكثرة الأطراف الخارجية التي انخرطت في النزاع، بل تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وفض النزاع، ومايزال الاتفاق صامدًا منذ ٧٠ عامًا رغم التوتر القائم بين الكوريتين.

تلك الحرب التي اندلعت عام ١٩٥٠، انتهت عام ١٩٥٣ إلى قيام الكوريتين الشمالية والجنوبية ومنطقة فاصلة منزوعة السلاح، واستمرار العداء بينهما حتى الآن، يتجسد ذلك بقيام كلا البلدين بإحياء ذكرى اندلاع الحرب كل عام.

ومع كل ذكرى تتجدد الرسائل السلبية من الجانبين، فيما ظلت التحالفات في حالة نشطة، فواشنطن ماتزال أكبر حليف لكوريا الجنوبية، وموسكو هي أكبر حليف لكوريا الشمالية، والأوضاع بين الكوريتين هادئة، لكن التوتر مايزال سائدًا منذ عقود وحتى الآن.

إن تاريخ الحرب الكورية ومآلاتها يطرح سيناريو محتملًا قد تنتهي إليه الحرب الأهلية اليمنية، في ضوء تطورات الأحداث في اليمن والقوى الفاعلة على الأرض. لكنه في الوقت نفسه يشير إلى مأزق الصراع اليمني الأخف حدة والعالق بدور إيران ذات النفوذ الأكبر والدور الأخطر في الحرب اليمنية وطول أمدها دون أفق لنهايتها.

ومع انسداد سبل الجهود الدولية للسلام في اليمن يصحو العالم على حقيقة دور إيران السلبي في اليمن وخطورته على الأمن والسلام الدوليين. لقد انتهت الحرب الكورية بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام ١٩٥٣، وصمد الاتفاق طويلًا حتى الآن ومنذ ما يقارب ٧٠ عامًا.

في اليمن فشلت عدة محاولات برعاية المجتمع الدولي لتنفيذ اتفاق مماثل، والحرب مستمرة للعام السابع، وفاتورتها البشرية بلغت أكثر من ٣٠٠ ألف قتيل.

على الرغم من قصر مدة الحرب الكورية التي لم تتجاوز 3 أعوام، لكنها تسببت بقتل ملايين من الكوريين، في نزاع داخلي شكل جزءًا من الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.

الحرب المنسية

بدأ النزاع في شبه الجزيرة الكورية، عقب الحرب العالمية الثانية، وكانت الجزيرة منقسمة إلى جزء جنوبي يخضع للجنة الأمم المتحدة المؤقتة لكوريا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وجزء شمالي تحت سيطرة لاتحاد السوفيتي. وقد شن الشمال هجومًا على الجنوب في ٢٥ يونيو ١٩٥٠، واندلعت الحرب التي يطلق عليها حرب ٢٥/٦ في كوريا الجنوبية أو الحرب الكورية.

ورسميًا تسميها كوريا الشمالية حرب تحرير الأرض، وكانت تهدف من هجومها على كوريا الجنوبية توحيد شبه الجزيرة الكورية. لم تحز الحرب الكورية اهتمامًا واسعًا، فقد طغت عليها حروب أخرى.

وبحسب المصادر التاريخية “يطلق على الحرب الكورية أحيانًا اسم الحرب المنسية خارج كوريا نظرًا لأنها لم تجذب الانتباه بصورة كبيرة مقارنة بالحرب العالمية الثانية التي سبقتها وحرب فييتنام التي لحقتها بالرغم من أنها من الأحداث الرئيسية في القرن العشرين”.

أطلق على الحرب الأهلية اليمنية أيضًا اسم الحرب المنسية من قبل منسق السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إذ إن الحرب تدور في فلك نزاعات تبدو للعالم أكثر اهمية كالملف النووي الإيراني والحرب السورية والوضع ي العراق ولبنان. وتزداد مؤشرات ثبات التسمية حاليًا مع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا منذ نهاية فبراير ٢٠٢٢.

خلفيات النزاع

في نهاية القرن التاسع عشر اندلعت الحرب اليابانية الصينية الأولى (1894-1895)، انتهت بهزيمة الصين وبقاء القوات اليابانية محتلة للأجزاء الاستراتيجية في كوريا.

وبعد عقد من الزمن، صعدت اليابان كقوة عظمى، وستحتل شبه الجزيرة الكورية عندما انتصرت اليابان في الحرب الروسية اليابانية (1904-1905).

وفي أغسطس 1910 أعلنت اليابان ضم شبه الجزيرة الكورية إليها لتصبح مستعمرة يابانية.

وبعد ٣٥ عامًا أعلن الاتحاد السوفيتي بزعامة جوزيف ستالين، الحرب على الإمبراطورية اليابانية، وبدأ بمهاجمة الجزء الشمالي من شبه الجزيرة الكورية. كان ذلك في 6 أغسطس 1945. كانت القوات الأمريكية موجودة على الجزء الجنوبي لشبه الجزيرة الكورية، وكان على القوات السوفيتية أن تتوقف عند خط عرض 38 بحسب اتفاق أمريكي- سوفيتي.

وكان ستالين دعا في فبراير ١٩٤٥ حين وقعت اتفاقية يالطة واستسلام ألمانيا، إلى إقامة مناطق عازلة في آسيا وأوروبا، ووعد بدخول الحرب ضد اليابان.

كانت شبه الجزيرة الكورية منطقة نزاع وتجاذبات دولية، وماتزال حتى يومنا بؤرة صراعات محتدمة، وإن كانت تبدو صراعات تحت السيطرة يظل الوضع مرشحًا للانفجار في أية مرحلة.

حرب الآخرين

تلخص المصادر التاريخية مراحل الحرب التي اندلعت على الجزيرة الكورية، وامتدت إلى بحر اليابان ومضيق كوريا، بهجوم كوريا الشمالية الذي صدته كوريا الجنوبية، تلاه هجوم قوات الأمم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب كوريا الجنوبية، نجحت كوريا الشمالية في صده أيضًا، أعقبه هجوم للمحور الاشتراكي المساند والداعم إلى جانب كوريا الشمالية بقيادة الصين والاتحاد السوفيتي ودول أخرى، وهو هجوم تمكنت كوريا الجنوبية من صده.

كل تلك الجولات حدثت خلال 3 أعوام وشهر واحد، وعندما تبين عجز كل طرف عن حسم الصراع عسكريًا لصالحه، ذهبوا إلى توقيع اتفاق الهدنة الكورية وتقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى شمال وجنوب وبينهما منطقة منزوعة السلاح تم إنشاؤها.

في اليمن تستمر الحرب الأهلية رغم وصول الأطراف إلى نتيجة مماثلة لما وصلت إليه الحرب الكورية، حيث يعجز كل طرف عن حسم الصراع عسكريًا لصالحه، ويعود ذلك لعوامل أهمها تحكم إيران ونفوذها الطاغي في الصراع، وتوظيفها الملف اليمني في صراعها النووي مع المجتمع الدولي. وهو صراع غير محسوم بعد، ما يجعل مجرد إطالة أمد الحرب اليمنية يلبي أهداف إيران وقدرتها على إزعاج خصومها الإقليميين والدوليين بين حين وآخر حسب ما تقتضيه مصالح طهران، وتهديدهم انطلاقًا من نقاط تمركز حساسة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب والخاصرة الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

إن هذه الرؤية باتت من المسلمات في الحرب اليمنية، وتتهم واشنطن طهران بالتسبب في إطالة أمد الحرب رغم الوقائع التي تثبت عجز الحوثيين عن حسم الصراع عسكريًا، وكذلك الطرف الآخر (الحكومة اليمنية). كما بذلت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي جهودًا كبيرة لمحاولة التوصل إلى تسوية بين الأطراف اليمنية، وكثيرًا ما شعرت تلك الأطراف بيأس وإخفاق تام لجهود السلام الدولية، أمام تصلب الموقف الحوثي وفق رؤية وتوجيهات إيرانية معلنة. وهو ما فرض دوليًا تهميش الملف اليمني من وقت لآخر. إن الحرب اليمنية تتحول كلما مر الوقت إلى حرب إقليمية، ويخشى المجتمع الدولي والأمم المتحدة ذلك، لكن هذا هو واقعها.

امتداد لصراع الشرق والغرب

وكالحرب الكورية في الماضي، كانت في الواقع حرب الآخرين، الحرب التقليدية بين المعسكرين الشرقي والغربي، فقد انخرطت فيها عشرات الدول بشكل أو بآخر في مشهد لانقسام العالم.

ففي الطرف الأول للحرب الكورية تصدرت الأمم المتحدة وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وبريطانيا كطرف رئيسي مباشر في العمليات العسكرية، ودعم عسكري من ١٤ دولة أبرزها أستراليا وفرنسا وكندا وهولندا واليونان وبلجيكا وتايلاند وكولومبيا وجنوب أفريقيا وحتى من الفلبين وإثيوبيا وتركيا، وقدمت مساعدات طبية من إسرائيل والدنمارك والنرويج والهند وإيطاليا والسويد، بالإضافة إلى إسبانيا وتايوان وكوبا والسلفادور واليابان.

وتشكل الطرف الآخر للحرب الكورية من الكتلة الاشتراكية بدرجة رئيسية من كوريا الشمالية والصين والاتحاد السوفيتي، ومساعدات طبية من بلغاريا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا والمجر ومنغوليا والهند.

وفق المصادر التاريخية، فإن “كوريا الشمالية حصلت على دعم واسع النطاق من جمهورية الصين الشعبية، ودعم محدود من الاتحاد السوفيتي في مجال المستشارين العسكريين والطيارين والأسلحة. ودعمت كوريا الجنوبية من قبل قوات الأمم المتحدة، التي كان معظمها يتكون من قوات أمريكية، وشاركت عدة دول بقواتها في الصراع”.

من هذه الزاوية وبشكل محدود للغاية، تشبه الحرب الأهلية اليمنية الراهنة الحرب التي اندلعت في كوريا قبل أكثر من ٧٠ سنة، في أنها حرب إقليمية من جهة بين إيران والخليج وتحديدًا السعودية والإمارات، وانعكاس لصراع دولي بين إيران والغرب وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية.

إنها حرب الآخرين وإن كان العدد أقل بكثير للدول المنخرطة في النزاع، وغالبًا أخذت كثير من الحروب الأهلية هذه السمة، وكانت الأطراف الخارجية غالبًا هي المتحكمة بمسار الصراع والحرب.

أبرز محطات الحرب

عشية يوم الأحد ٢٥ يونيو ١٩٥٠ شقت أولى قذائف المدفعية الكورية الشمالية هدوء الليل عند خط عرض ٣٨ في شبه الجزيرة الكورية، وكانت تفكر أنها بهذه العملية وعبر الحرب ستعيد توحيد الكوريتين، لكنها عمقت الشرخ، وسيكون نتيجتها بعد 3 أعوام أن اختطت حدودًا فاصلة قسمت شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين.

كان جيش كوريا الشمالية متفوقًا، وقد باشر هجومًا مباغتًا بقوة عسكرية قوامها ١٣٥ ألف جندي، ولم تكن أشعة فجر ذلك اليوم قد أشرقت بعد. وبدأ الزحف نحو الجنوب، في ذلك الوقت الباكر كان معظم جنود كوريا الجنوبية خارج الخدمة.

وكان الجيش الكوري الشمالي معتدًا بالمدفعية و٢٤٢ دبابة منها ١٥٠ دبابة تي ٣٤ روسية الصنع و180 طائرة حربية منها 40 طائرة من طراز ياك و70 قاذفة قنابل هجومية.

سول تسقط في ثالث أيام الحرب

ولقد حقق هجوم كوريا الشمالية نجاحًا سريعًا أربك جيش كوريا الجنوبية الذي انهار على وقع الهجمات وفر معظم عناصره وقادته.

مناطق هامة في الجنوب مثل جيسونغ وشونشيون ويوجيونغبو وأونجين تعرضت لهجوم ساحق ومفاجئ، وخلال ٣ أيام فقط من بدء الهجوم سقطت سول عاصمة كوريا الجنوبية بقبضة جيش كوريا الشمالية.

وكانت كوريا الشمالية تترقب نهاية الحرب بضربتها القاضية في أيامها الأولى، وكانت تأمل باستسلام سريع لحكومة كوريا الجنوبية وانحلال جيشها. وقد خابت آمالها فقد انخرطت في الحرب قوى أجنبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وعبر الأمم المتحدة.

وكان هجوم كوريا الشمالية مفاجئًا للأمريكيين وغير متوقع. بعض تفاصيل تلك المرحلة تماثل ما حدث في اليمن وسقوط صنعاء بقبضة الحوثيين الذين نفذوا انقلابًا على الرئيس الشرعي للبلاد عبد ربه منصور هادي وحكومته، في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤، واحتلوا عدن ومعظم محافظات البلاد في الجنوب والشمال خلال أيام، ودون قتال غالبًا، وقبل أن تتطور المجريات لاحقًا ويتشكل تحالف عربي بقيادة السعودية واشتعال الحرب عام ٢٠١٥.

الدور الأمريكي

في شبه الجزيرة الكورية أخذ الصراع منحى آخر، بعد التدخل الخارجي وإعادة بناء الموقف إلى جانب كوريا الجنوبية. وكانت كوريا الجنوبية مرتبكة وغير مستعدة جيدًا، بجيش قوامه ٦٥ ألف جندي تلقوا تدريبًا على يد الأمريكيين، لكنهم لا يمتلكون ما يكفي من المدفعية والدبابات والعتاد الثقيل، ويشبه وضع الجيش الكوري الجنوبي آنذاك وضع الجيش الوطني في اليمن التابع للحكومة الشرعية، والذي يفتقر للعتاد الثقيل.

وتقول المصادر إنه “لم يكن هناك أي وحدات قتالية أجنبية كبيرة عندما بدأت الحرب الأهلية الكورية، ولكن كان يوجد قوات أمريكية كبيرة متمركزة في اليابان”.

وعندما هاجم جيش كوريا الشمالية كانت “مجموعات من القوات الكورية الجنوبية المتشككة في حكومتها تنسحب انسحابًا تامًا أو تهرب إلى الشمال”. كانت معركة غير متكافئة.

تدخل خارجي من بوابة الأمم المتحدة

في ٢٠ يونيو ١٩٥، وقبل ٥ أيام على اندلاع الحرب الكورية من جانب كوريا الشمالية، كان دين آتشيسون وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس الديمقراطي هاري ترومان، يخاطب الكونغرس الأمريكي قائلًا إنه لا يوجد احتمال لحدوث حرب.

ولكن كوريا الشمالية فاجأت واشنطن والغرب، وواجه ترومان ضغوطًا شديدة في الداخل الأمريكي، واتهم بالمرونة الشديدة في تعامله مع الشيوعية.

ولنفي التهمة عن نفسه، قرر ترومان التدخل في الحرب الكورية، فهو نفسه صاحب ما عرف وقتها بمبدأ ترومان الجديد الذي “يؤيد محاربة الشيوعية في أي مكان تنتشر فيه”.

في ذلك الوقت، وجهت اتهامات للديمقراطيين بـ”خسارة الصين لصالح الشيوعيين”. وكانت إدارة هاري ترومان تحت تأثير قناعة ترسخت لديها “أن مهادنة الدول المعتدية لن تشجعها سوى على التمادي والتوسع في العدوان”.

وللحصول على مشروعية للتدخل، مضى ترومان نحو الأمم المتحدة وليس الكونغرس في اليوم نفسه الذي اندلعت فيه الحرب الكورية، للحصول على موافقة مجلس الأمن الدولي للتدخل في كوريا. ووضعت مسودة القرار الدولي ٨٢ في اليوم نفسه الذي اندلعت فيه الحرب الكورية، ٢٥ يونيو.

القرار الأممي ٨٢/ ١٩٥٠

مسودة قرار مجلس الأمن رقم ٨٢، دعت إلى “إنهاء كافة العمليات العدائية وانسحاب كوريا الشمالية إلى خط عرض 38. وتشكيل لجنة للأمم المتحدة في كوريا لمراقبة الوضع وإبلاغ مجلس الأمن. وأن على جميع الأعضاء مساندة الأمم المتحدة في تحقيق ذلك، والامتناع عن إمداد كوريا الشمالية بالمساعدة”.

إقرأ أيضاً  مجد آخر للمرأة.. وساطات نسوية مجتمعية بالمكلا

وتمت الموافقة على القرار ٨٢ في ٢٧ يونيو، في غياب الاتحاد السوفيتي مؤقتًا احتجاجًا على بقاء مقعد الصين مع القوميين الصينيين الذين انحسروا إلى تايوان وليس مع الصين الشيوعية. كان الاتحاد السوفيتي الوحيد المتوقع استخدامه الفيتو لعرقلة التصويت على القرار.. وقد حاول لاحقًا الاعتراض على القرار دون جدوى.

وهكذا مرر القرار وصوتت الأمم المتحدة “على مساعدة كوريا الجنوبية وتولت الولايات المتحدة تنفيذ القرار واشترك مع قواتها بالجنود والمؤن 15 دولة عضوة بالأمم المتحدة، أبرزها كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، بريطانيا، فرنسا، ودول أخرى”.

لقد تمكنت واشنطن من بناء تحالف واسع في وقت وجيز شمل عددًا كبيرًا من الدول و”تحملت الولايات المتحدة توفير 50% من القوات البرية و86% من القوة البحرية و93% من القوات الجوية”. وأسند إلى كوريا الجنوبية توفير نصف القوات البرية المطلوبة أو معظمها.

ورفض مجلس الأمن في العام نفسه ١٩٥٠ مشروع قرار سوفيتي دعا إلى إنهاء الأعمال العدائية وانسحاب القوات الأجنبية من كوريا.

هجوم أمريكي

وفقًا للمصادر المكتوبة عن أحداث الحرب الكورية، فقد باشرت القوات الجوية الأمريكية الهجوم على خطوط السكك الحديدية جنوب مدينة وونسان على الساحل الشرقي لكوريا الشمالية.

كان لدى الولايات المتحدة قوات بأعداد كبيرة في اليابان.. وكانت هذه القوات كجزء من قوات الكومنويلث البريطاني.

وصدرت توجيهات الرئيس هاري ترومان للقوات الأمريكية بإرسال العتاد الحربي لجيش كوريا الجنوبية واستخدام غطاء جوي لحماية عمليات إجلاء المواطنين الأمريكيين. ورفض ترومان مقترحًا بشن غارات جوية أمريكية على قوات كوريا الشمالية، بينما كانت المعارك قد توسعت في شبه الجزيرة الكورية.

وفي مرحلة لاحقة شنت المقاتلات الأمريكية غارات على جيش كوريا الشمالية.

كانت التجربة الأولى لتدخل قوات أمريكية غير مشجعة للإدارة الأمريكية، حيث منيت قواتها بهزيمة.

وكان “أول تدخل هام للقوات الأجنبية هو قوة المهام سميث التي كانت جزءًا من الفرقة 24 مشاة بالجيش الأمريكي المتواجد باليابان، ودخلت أولى معاركها في 5 يوليو بمدينة أوسان حيث هزمت وخسرت خسائر فادحة لتستمر قوات كوريا الشمالية المنتصرة في التقدم نحو الجنوب”.

معركة يائسة

أخذت مجريات الحرب مسارًا غير متوقع بالنسبة لكوريا الشمالية، إذ مهدت الطريق لتدخل قوات أجنبية، وكانت القوات الكورية الشمالية تتقدم بشراسة وتسيطر على معظم أراضي شبه الجزيرة الكورية على حساب قوات كوريا الجنوبية وحلفائها.

وكانت قوات كوريا الشمالية تتوغل في أقصى الجنوب، بينما انحسرت قوات الأمم المتحدة وقوات كوريا الجنوبية وحلفائها، وفي مقدمتها قوات الجيش الثامن للولايات المتحدة، إلى مساحة لا تتجاوز ١٠% من إجمالي مساحة شبه الجزيرة الكورية، في أغسطس ١٩٥٠. وانحصرت تلك القوات حول مدينة بوسان حيث خاضت هناك معركة يائسة سميت معركة محيط بوسان.

وأمام ذلك الوضع الميئوس منه تدخلت القوات الجوية الأمريكية وشنت غارات جوية مكثفة على قوات كوريا الشمالية.

وتقول المصادر التاريخية ان الغارات “خلفت دمارًا واسعًا بين المدنيين والمدن”.

وقد “تفاجأ الكوريون الشماليون باستمرار الحرب لفترة طويلة سمحت بتدخل قوات أجنبية، إلا أنهم استمروا بالتقدم في أقصى الجنوب”.

وقد فشلت كوريا الشمالية في السيطرة على مدينة بوسان، وتمكنت القوات الأمريكية وقوات كوريا الجنوبية من الاحتفاظ بخط دفاعي في محيط بوسان على طول نهر ناكدونج، ويعود ذلك للمساعدات الأمريكية الضخمة والمساندة الجوية والتعزيزات الإضافية التي تدفقت إلى المعركة.

تغير موازين المعركة

تسببت الحرب ودخول سلاح الطيران الأمريكي والقاذفات الأمريكية الاستراتيجية بدمار كبير وإغلاق لمعظم الطرق والسكك الحديدية، ودمرت أكثر من 32 جسرًا، مما صعب عمليات نزوح المدنيين الفارين من الحرب، وكانت القطارات تنتظر بالأنفاق طوال النهار لتجنب القصف.

ولعبت القاذفات الأمريكية دورًا في تغيير موازين المعركة، إذ استهدفت مستودعات المؤن والذخائر.

كما قصفت معامل تكرير البترول والموانئ “التي تقوم باستيراد المؤن العسكرية، وذلك بهدف تجويع قوات كوريا الشمالية، حيث أدى الدمار الذي سببته القاذفات الأمريكية إلى منع وصول الإمدادات الضرورية لقوات كوريا الشمالية في الجنوب، بالرغم من أن معظم شبه الجزيرة الكورية في قبضة الشمال”.

واشنطن التي كانت مترددة في مرحلة سابقة، دفعت إلى المعركة بالمزيد من قواتها، وتدفقت الأسلحة والجنود من قواعدها في اليابان، كما أرسلت كتائب الدبابات الأمريكية من سان فرانسيسكو إلى بوسان خلال وقت وجيز.

ومطلع سبتمبر ١٩٥٠ كانت قرابة 500 دبابة أمريكية متوسطة في محيط بوسان.

ولأول مرة فاقت قوات الأمم المتحدة وكوريا الجنوبية، قوات كوريا الشمالية بما يقارب ١٨٠ ألف جندي إلى ١٠٠ ألف، ليبدأ الهجوم المضاد لكوريا الجنوبية وحلفائها وتتغير موازين المعركة جذريًا.

تحرير الجنوب والتوغل نحو الشمال

صنعت القوات الأمريكية تحولًا جذريًا في مسار الحرب عندما أقرت القيام بعملية إنزال خلف خطوط القوات الكورية الشمالية لفك الضغط عن محيط بوسان، سميت عملية كرومايت.

وعبر ٧٠ ألفًا من قوات المارينز فيلق “إكس كوربس” و٨ آلاف جندي كوري جنوبي، تم الإنزال في إنشون يوم 15 سبتمبر.

وقد تمكن فيلق إكس كوربس من القضاء على المدافعين عن مدينة إنشون، وهدد بمحاصرة جيش كوريا الشمالية ليصبح الأخير بوضع شبه معزول، ويتراجع بسرعة إلى الشمال.

واستعادت القوات الأمريكية والكورية الجنوبية العاصمة الجنوبية سول.

واستمر تقدم قوات الأمم المتحدة بقيادة القوات الأمريكية وقوات كوريا الجنوبية لاستعادة كامل الجنوب والتوغل داخل أراضي كوريا الشمالية.

وتقول المصادر التاريخية إن “قوات الأمم المتحدة دفعت بقوات كوريا الشمالية إلى خلف خط عرض 38 ليتحقق هدف الولايات المتحدة في الحفاظ على حكومة كوريا الجنوبية”.

ولتمضي قوات الأمم المتحدة باتجاه غزو كوريا الشمالية.

سقوط بيونغ يانغ

تحولت شبه الجزيرة الكورية إلى ميدان حرب أمريكية صينية.. منذ أكتوبر ١٩٥٠.

خلال 3 أسابيع كانت عاصمة كوريا الشمالية تسقط بقبضة الجيش الأمريكي وقوات كوريا الجنوبية، تحديدًا في ١٩ أكتوبر، وبعد عبور قوات الأمم المتحدة إلى داخل كوريا الشمالية. وكان الجيش الكوري الشمالي في حالة انهيار متسارع نهاية شهر أكتوبر، وأكثر من ١٠٠ ألف من جنوده أسرتهم قوات الأمم المتحدة بحسب المصادر التاريخية.

تلك التطورات فرضت على الفور دخول الصين اضطرارًا في الحرب الكورية، ولتتحول كوريا إلى ميدان مواجهة عسكرية مباشرة بين أمريكا والصين.

ميدان مواجهة أمريكية صينية

تسبب غزو الأمم المتحدة لكوريا الشمالية في إثارة مخاوف الصين. وكانت الصين على يقين بأن الغزو لن يقف عند نهر يالو الفاصل بينها وبين كوريا.

وكان بعض كبار القادة العسكريين الأمريكيين عازمين على فرض ذلك والذهاب لغزو الصين، رغم معارضة الرئيس الأمريكي هاري ترومان ومعظم القادة السياسيين لأي استفزاز للصين أو توجه لامتداد الحرب إلى الصين.

بدافع مخاوفها، حذرت الصين واشنطن بأنها سوف تتدخل في الحرب الكورية لحماية أمنها القومي، لكن هاري ترومان و”سي آي أيه” استبعدوا ذلك، وكان رأيهم أن الصين فقدت فرصتها في مساعدة كوريا الشمالية.

وكان للصين قوات تبلغ ٣٠٠ ألف جندي في منشوريا، ولديها “أكثر من ١٠٠ ألف جندي على طول نهر يالو”، وفكر الأمريكيةن أن الصين يمكنها جلب نصفهم إلى كوريا عن طريق عبورهم للنهر، لكنها لا تمتلك قوات جوية، مما يجعل أية محاولة للصينيين لدخول بيونغ يانغ مغامرة قد تؤدي لأكبر مذبحة.

غير أن قلق الصين على أمنها القومي كان أبعد من تصور الأمريكيين.

وكان الزعيم الصيني ماو تسي تونغ وجه بتكوين جيش الشعب التطوعي في 8 أكتوبر 1950، بعد يوم من عبور القوات الأمريكية لخط عرض 38، حيث رأى أن تدخل الصين في كوريا ضرورة دفاعية.. وكان قد أعد خطة للهجوم والتدخل المباشر في الحرب الكورية.

وأمر ماو تسي تونغ جيش الشعب التطوعي، ومعظمه كانوا جنودًا نظاميين، بالتحرك إلى نهر يالو والاستعداد للعبور.. وكان يخطط للهجوم يوم ١٣ أكتوبر، وتم تأجيله إلى ١٩ أكتوبر، فقد انتظر الزعيم الصيني مساعدة الاتحاد السوفيتي.

كان أخطر ما أفرزته الحرب أن حولت شبه الجزيرة الكورية إلى ساحة للصراعات الدولية، ألقت بأعبائها على الكوريين الذين كانوا أكبر المتضررين جراء الحرب.

غير أن ذلك لم يكن الخطر الوحيد، فعلى هامش الحرب “قامت الولايات المتحدة بعملية عسكرية لتهيئة المنطقة لإسقاط قنبلة نووية على كوريا الشمالية، إلا أنه تم التراجع عن هذه الفكرة”.

تقدر المصادر التاريخية مشاركة الولايات المتحدة في الحرب الكورية بأكثر من ٢٠٠ ألف جندي، وبلغت قوات الأمم المتحدة 35 ألف جندي، فيما تجاوز عدد قوات كوريا الجنوبية ٣٠٠ ألف جندي، وعلى الجانب الآخر يقدر عدد جنود كوريا الشمالية والصين مجتمعين بأكثر من ٨٠٠ ألف جندي.

دارت المعارك على أراضي شبه الجزيرة الكورية، وتسببت بدمار واسع ومأساة للسكان والمقاتلين على السواء.

كان السلاح الجوي عاملًا حاسمًا في المعارك، وقد شاركت الصين في الحرب الكورية بمقاتلات روسية الصنع بلغت أكثر من ألف طائرة مقاتلة، و”ركزت أميركا على قطع طرق إمدادات الجيش الصيني، وعلى تدمير مطارات كوريا الشمالية والسكك الحديدية والجسور والمعامل الكهربائية والمراكز الصناعية. كما قصفت القواعد الكورية الشمالية الواقعة على الشواطئ”.

الثمن الباهظ للصراع الأمريكي الصيني دفعته الكوريتان، وكذلك الوضع في اليمن، حيث يدفع البلد ثمنًا باهظًا للتدخل الخارجي وتحوله إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مع إيران التي تمعن في استنزاف الورقة اليمنية لصالح ملفها النووي وطموحها للهيمنة وبسط نفوذها في المنطقة.

انتهاكات ومذابح للمدنيين

كانت مذابح المدنيين هي الوجه القاتم للحرب الكورية التي شهدت “انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان ومعاهدة جنيف من كافة أطراف النزاع ومذابح للمدنيين وأسرى الحرب”، بحسب المصادر التاريخية.

ورغم أنه تم توثيقها بالصور والمستندات، إلا أنه لم تتم محاكمة أي مسؤول عن تلك الجرائم والمذابح.

وبحسب تقديرات حديثة، تجاوز عدد القتلى من طرفي الحرب مليون قتيل.. فيما ضحايا الحرب من المدنيين بلغوا أضعافًا مضاعفة.

كما شهدت الحرب “معاملات وحشية من كلا الطرفين”، واتهامات متبادلة باقتراف فظائع.

“فقد اتهمت كل من كوريا الشمالية والصين، الولايات المتحدة باستعمال أسلحة بيولوجية ضد جنودهما، كما تعرض الأسرى من الجنود الأميركيين وحلفائهم إلى أبشع أنواع التعذيب على أيدي الشيوعيين”.

توقف الحرب

كان العام الأول للحرب الكورية هو الأشد حدة على صعيد المعارك.

وبعد يونيو ١٩٥١ أخذت وتيرة المعارك بين الطرفين تمضي دون نتيجة حاسمة.

وقد تبين أن كلًا من الأمريكيين مع حلفائهم والكوريين الشماليين مع حلفائهم الصينيين عاجزون عن حسم المعركة لصالح أحد الطرفين.

ونتيجة لهذا الوضع، قدم الاتحاد السوفيتي عبر ممثله في الأمم المتحدة مقترحًا بوقف إطلاق النار في كوريا.

وفي ٢٧ يوليو ١٩٥٣ تم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في كوريا بين الأمم المتحدة والصين.

وقد وقع الاتفاق في قرية “بانمونغوم” الواقعة على خط العرض 38 الفاصل بين الكوريتين، وتوقف الاقتتال.

وعلى الرغم من انتهاء الحرب، إلا أن النزاع الحدودي مازال مستمرًا بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية نظرًا لعدم توقيع معاهدة سلام بينهما.

دروس من الحرب الكورية

تشير التقديرات إلى إجمالي ٥ ملايين ضحايا الحرب الكورية، التي كان للتدخل الخارجي فيها أثر في تأجيج النزاع والحرب والتسبب بدمار هائل في شبه الجزيرة الكورية ومذابح طالت المدنيين وانتهاكات لا حصر لها.

غير أن نجاح المجتمع الدولي في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، قد مكن البلدين من وقف الاقتتال بينهما لعقود طويلة، بلغت ٧٠ عامًا حتى الآن، في ظل استمرار التوتر بين الدولتين وانقسام شبه الجزيرة الكورية واستمرار خطر اندلاع الحرب في أي وقت.

في اليمن عجز المجتمع الدولي طيلة أعوام ماضية عن فرض اتفاق وقف إطلاق النار، رغم عجز طرفي الحرب عن حسمها عسكريًا لصالح أي طرف.

ومع طول أمد الحرب التي دخلت عامها الثامن، يزداد نفوذ قوى وأطراف النزاع المتعددة، وبخاصة التي تمتلك سيطرة على جزء من البلاد، ومنها المجلس الانتقالي الجنوبي الساعي لانفصال جنوب اليمن، ويسيطر على عدن وأجزاء هامة في الجنوب.

وأحد السيناريوهات المطروحة قد تمضي بالبلاد نحو الانقسام مجددًا والعودة لما قبل ١٩٩٠، حيث تم توحيد اليمن الشمالي واليمن الجنوبي، واندلاع حرب ١٩٩٤ بين الشمال والجنوب وحرب أخرى هي الجارية منذ ٢٠١٥، وهو ما عزز لدى الانتقالي وشريحة سكانية كبيرة في الجنوب نزعة الانفصال.

وعلى الرغم من وضوح الرؤية بشأن تبعات التدخل الخارجي في اليمن، وبخاصة الدور الإيراني الذي يوصف بالدور السلبي، وخسائر اليمن وشعبها واقتصادها حتى الآن جراء الحرب، تزداد الأطراف بعدًا عن السلام، كما تتعمق الانقسامات الاجتماعية وحالة التشظي.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة