fbpx

هل تتجاوز اليمن مرحلة الصراع كما تجاوزته اليونان ؟

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
من الحرب اليونانية -

تعز – عبدالعالم بجاش:

في تاريخ الحروب الأهلية في العالم، وتجارب النزاع الداخلي للدول، يتوفر على الأقل وجه شبه واحد للحرب الدائرة حالياً في اليمن.
الحرب الأهلية اليونانية واحدة من تلك التجارب التي تتيح اقتفاء أثرها لاستلهام خلاصة واحدة من تجارب النزاع والحرب الأهلية في التاريخ، التي وصفت بأنها كانت حرباً دموية ووحشية تجرع الشعب اليوناني ويلاتها لعقود من الزمن.
وكانت المعاناة الأكبر لليونان وشعبها مع الغزو الألماني والإيطالي للبلاد، قبيل اندلاع الحرب الأهلية.
ولتجربة الحرب الأهلية اليونانية أهمية خاصة لمقاربتها مع الحرب اليمنية، لكونها تشبه في بعض جوانبها الحالة اليمنية إلى حد كبير ، أبرز تشابه متطابق من تجربة الحرب الأهلية اليونانية، يتمحور حول نزاع بين حكومة شرعية معترف بها دولياً في المنفى، وتأثيرها محدود داخلياً، وبين انقلاب في الداخل شكل حكومة أمر واقع لم يعترف بها، ووقوع البلاد ملعباً لصراع خارجي.
استعراض أبرز ملامح التجربة اليونانية، يرشدنا إلى الطريق الذي انتهت إليه، وكيف تمت تسوية النزاع وطي صفحة الحرب وعودة السلام والاستقرار إلى اليونان.

خلفية تاريخية: اليونان أو Yaman أو Yamanaya بلغة بابل

في العصور القديمة كان البابليون يطلقون على اليونان اسم Yaman أو Yamanaya، وتقول المصادر التاريخية إن تسمية اليونان تعني أرض الإغريق، نسبة لقبيلة الإيوانيين، إحدى أهم القبائل الإغريقية التي سكنت منطقة إيونية غرب الأناضول.
أول من أطلق على الشعب اليوناني اسم Yauna، كانت الامبراطورية الأخمينية (إيران حالياً)، وأطلق عليهم المصريون القدماء اسم jwnn، وأطلق عليهم الآشوريون اسم Iawanu، وأما البابليون فأطلقوا على اليونان اسم Yaman أو Yamanaya.
والاسم الرسمي لليونان الجمهورية الهيلينية أو هيلاس ذائعة الصيت في العصور القديمة.
تقع اليونان في جنوبي شرق أوروبا، تحدها ألبانيا من الشمال الغربي، ومقدونيا الشمالية وبلغاريا من الشمال، وتركيا من الشمال الشرقي، وعاصمتها أثينا.
ولليونان موقع مميز على ثلاثة بحار وبين ثلاث قارات، حيث تقع على الحدود مع بحر إيجه من الجهة الشرقية، والبحر الأيوني من الجهة الغربية، والبحر الأبيض المتوسط من الجهة الجنوبية.
وعلى مفترق طرق ثلاث قارات: أوروبا وآسيا وإفريقيا، تمتد أراضي اليونان بجبلها الشهير أوليمبوس، وأراضيها ذات الطبيعة الجبلية بنسبة 80%، ولديها أطول خط ساحلي في حوض البحر الأبيض المتوسط بطول 13.676 كم (8498 ميلاً)، ما يجعلها الدولة الـ11 عالمياً من حيث طول الساحل وقرابة 6000 جزيرة، منها نحو 227 جزيرة فقط مأهولة. وتصنف اليونان صاحبة أطول تاريخ وحضارة، من أعرق الحضارات وأكثرها تأثيراً.
توصف باعتبارها مهد الحضارة الغربية والفلسفة (سقراط، أرسطو، أفلاطون) والأدب الغربيين، ودورة الألعاب الأولمبية(776 قبل الميلاد انطلقت أول دورة)، وإليها تنسب أسس المبادئ العلمية والرياضيات والهندسة (أرشميدس أبو الهندسة، فيثاغورس في علم الرياضيات، أبقراط في علم الطب، والتاريخ والعلوم السياسية)، ومنها انطلقت التراجيديا والكوميديا، وتشكلت معالم الدراما الغربية (سوفوكليس في التراجيديا،
وأريتوفان في الكتابة المسرحية).
لمع اسم اليونان طوال حقب زمنية كانت لها السيادة عالمياً، وهي بلاد فيليب المقدوني موحد الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد، وهي موطن ابنه الإسكندر الأكبر، صاحب أسرع موجة غزو خارجي احتل رقعة واسعة من مناطق العالم القديم “ونشر الثقافة اليونانية والعلوم من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى نهر السند”.
ويبلغ تعداد سكان جمهورية اليونان 10 ملايين و750 ألف نسمة، وفقاً لتعداد 2019.
ونظراً لموروثها التاريخي العريق، تشمل قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو 18 موقعاً يونانياً.
إن دولة عريقة بهذا القدر، كان لها أعظم تأثير في تشكيل الحضارة البشرية المعاصرة، والسيادة في العصور القديمة، لم تنجُ من النزاعات والحرب الأهلية التي هوت بها منتصف القرن العشرين إلى الحضيض، بحصيلة بلغت 158 ألف قتيل، ضحايا الحرب الأهلية والمجاعة، وأكثر من مليون يوناني تم تهجيرهم إلى خارج البلاد، بسبب الحرب الأهلية.
الإرث العظيم لليونان وإسهامها في تأسيس وتقدم الحضارة الغربية، لم يساعد هذا البلد العريق، والذي يتسم تاريخياً بانقسام داخلي شديد، لتجنب الانزلاق نحو هاوية الحرب الأهلية، والوقوع تحت نفوذ أطراف خارجية ردحاً من الزمن، عانى خلالها موجة صراع دولي على أراضي اليونان، واستقطاباً حاداً واقتتالاً داخلياً.

جذور الحرب الأهلية

على مدى ثلاثة أعوام ونصف العام، واجهت اليونان غزواً خارجياً تصدرته ألمانيا، سبقه غزو إيطالي، وعاشت البلاد حروباً بين جماعات المقاومة اليونانية والغزاة. كانت تلك الحرب جزءاً من الحرب العالمية الثانية.
عُرف الغزو الألماني لليونان في أبريل 1941، باسم عملية ماريتا، وجاء في أعقاب الغزو الإيطالي لليونان في 28 أكتوبر 1940، نجحت اليونان في صد الهجوم الأول للجيش الإيطالي.

مع دخول الألمان إلى اليونان، واقترابهم من أثينا، في أبريل 1941، فر الملك جورج الثاني، ملك اليونان، إلى مصر، وشكل هناك حكومة منفى اعترف بها دولياً، وحازت على دعم من قبل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.


وفي ذلك الغزو الذي سمي أيضاً عملية البلقان، حشدت ألمانيا وإيطاليا مليوناً وربع المليون جندي، وأكثر من 1600 دبابة، وما يزيد على 800 طائرة حربية، فيما حشدت اليونان 450 ألف جندي و20 دبابة فقط، وإلى جانبها أرسلت بريطانيا قرابة 62 ألف جندي، وشاركت بـ100 دبابة و200 طائرة حربية. وكان النصر لدول المحور: ألمانيا وإيطاليا، وإلى جانبهما ألبانيا.
مع دخول الألمان إلى اليونان، واقترابهم من أثينا، في أبريل 1941، فر الملك جورج الثاني، ملك اليونان، إلى مصر، وشكل هناك حكومة منفى اعترف بها دولياً، وحازت على دعم من قبل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
لكن، ونتيجة عدم فاعليتها، وعجزها عن التأثير في الشؤون الداخلية لليونان، لم تحظَ حكومة المنفى بالاهتمام من قبل غالبية الشعب اليوناني، فيما كان لخصوم الملك الشيوعيين تأثير داخلي أكبر على الأرض.
خلال الفترة منذ أبريل 1941 وحتى أكتوبر 1944، احتلت ألمانيا النازية وحليفتاها إيطاليا وبلغاريا، اليونان.
وبعد عام على رحيل الاحتلال النازي، شهدت البلاد حرباً أهلية داخلية استمرت الفترة نفسها؛ ثلاثة أعوام ونصف العام، انتهت في أكتوبر 1949.
خلال سنوات الاحتلال النازي، كانت اليونان متوزعة كأراضٍ محتلة بين دول المحور الثلاث.
مع انتهاء احتلال دول المحور لليونان، عاشت البلاد لبعض الوقت دون سلطة حاكمة، وفي وضع اقتصادي سيئ.
نتيجة فراغ السلطة، بدأت جذور الصراع الداخلي بين قطبي اليمين واليسار، في البروز نحو حرب أهلية كانت لها نذر أولية.
بدأت نذر الحرب الأهلية منذ عام 1942 وحتى 1944، إبان سيطرة الاحتلال النازي على البلاد.
في تلك الفترة، كانت حكومة اليونان المعترف بها دولياً، بالمنفى في مصر.
وكانت اليونان ميداناً لواحدة من الحروب على خلفية الحرب الباردة. وكان الاحتلال الألماني قد فرض حكومة يونانية موالية له، أطلق عليها نظام الدمية، ولم تدم طويلاً.

صراع بالغ التعقيد

ومما زاد من تعقد المشهد، نشأة وبروز جماعات مقاومة يونانية متعددة، كانت مناهضة للغزو النازي وخاضت ضده كفاحاً مسلحاً، لكنها لم تكن على وفاق، وخاضت حرب عصابات في ما بينها.
عام 1942، ظهرت أولى بوادر الحرب الأهلية اليونانية، أثناء الاحتلال النازي. كان الوضع الداخلي للبلاد مضطرباً، وكانت الحكومة اليونانية المعترف بها دولياً، في المنفى، دون سلطة حقيقية على الأرض، وعاجزة عن التحكم بالوضع في الداخل.
وظهرت جماعات مقاومة ذات انتماءات سياسية مختلفة، وكانت الجماعة السائدة هي جبهة التحرير الوطني اليسارية وفرعها العسكري المسمى جيش التحرير الشعبي اليوناني، وكان تحت سيطرة الحزب الشيوعي اليوناني.
ابتداء من خريف 1943، أسفر الاحتكاك بين جبهة التحرير الوطني وفصائل المقاومة الأخرى، عن اشتباكات متفرقة، واستمرت هذه الاشتباكات حتى ربيع العام 1944، عندما تم التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية ضمت 6 وزراء تابعين لجبهة التحرير الوطني. خلال تلك الفترة اندلعت حرب عصابات بين فصائل المقاومة اليونانية، على خلفية التوترات السياسية، واعتبرت تلك المرحلة الأولى من الحرب الأهلية.

تحرير اليونان

في أكتوبر 1944، تحررت اليونان من احتلال المحور ألمانيا وإيطاليا، لكن أثينا ما لبثت أن صارت أول مواقع الحرب الأهلية في 3 ديسمبر 1944، بعد أقل من شهرين على تراجع الألمان. حيث اندلعت معركة ديكيمفريانا الدامية، استمرت 33 يوماً، بين القوات الحكومية مسنودة بقوات بريطانية، وبين مسلحي الجبهة الوطنية اليونانية.
انتهت المعركة بهزيمة الجبهة ونزع سلاح جيشها جزئياً، وتوقيع معاهدة فاركيزا. كان السبب لاندلاع المواجهات استخدام القوات الحكومية القوة المميتة ضد المتظاهرين المؤيدين للجبهة الوطنية اليسارية، بعد إصدارها قراراً بنزع السلاح، مستهدفة الفصائل اليسارية على وجه التحديد.
فقد نظمت مسيرة حاشدة احتجاجاً على إفلات المتعاونين مع الغزو النازي من العقاب، وبسبب القرار العام بنزع السلاح، الذي استهدف جميع الفصائل، باستثناء الجماعات المسلحة اليمينية.
كانت المسيرة مؤيدة للجبهة الوطنية اليونانية اليسارية، قمعتها الحكومة، بدعم من بريطانيا، باستخدام القوة المميتة، حيث قام جنود الحكومة بفتح النار على المتظاهرين، وقتلوا منهم 28 متظاهراً، وأصابوا عشرات آخرين، لتندلع معركة ديكيمفريانا بين الحكومة وجيش التحرير الشعبي التابع للجبهة الوطنية، وتنتهي بانتصار الحكومة، واضطرار الجبهة للتوقيع معها على معاهدة فاركيزا.
وضعت المعاهدة حداً لهيمنة الجبهة الوطنية اليسارية، وتم نزع سلاح جيش التحرير الشعبي جزئياً، كما فقدت الجبهة الوطنية التي كانت مشكلة من عدة أحزاب، طابعها التعددي، وأصبحت تحت سيطرة الحزب الشيوعي اليوناني.
تزامن ذلك مع موجة عنف، أو ما سمي الرعب الأبيض ضد أنصار الجبهة الوطنية والحزب الشيوعي. وأدى ذلك العنف إلى تأجيج التوترات بين الفصائل والجماعات المسلحة في عموم البلاد.

بلغ عدد القتلى خلال الحرب اليونانية قرابة 58 ألف يوناني، فيما توفي نحو 100 ألف من اليونانيين، بسبب مجاعات اجتاحت البلاد من جراء الحرب.


اضطر الكثيرون من أنصار جيش التحرير الشعبي اليوناني للاختباء، وقاموا بإعادة ترتيب صفوفهم وتنظيم الجيش الديمقراطي تحت سيطرة الحزب الشيوعي اليوناني، الذي كان قد قرر الدخول في حرب ضد الحكومة المعترف بها دولياً، وشكل حكومة مؤقتة لم تحظَ بالاعتراف، ولتندلع المرحلة الثانية من الحرب الأهلية عام 1946، وهو العام الذي شهد إجراء انتخابات عامة قاطعها الشيوعيون، وأدت إلى فوز الملك جورج الثاني.

إقرأ أيضاً  حجة: انهيار وشيك لمنزل تقطنه أسرتان

اندلاع الحرب الأهلية في اليونان 1946

في الثالث من مارس 1946، اندلعت الحرب الأهلية في اليونان، بين الجيش اليوناني التابع للحكومة المعترف بها دولياً، وبين الجيش اليوناني الديمقراطي التابع للحكومة الديمقراطية المؤقتة غير المعترف بها، والتي شكلها الحزب الشيوعي.
انتهت الحرب بانتصار الجيش اليوناني التابع للحكومة الشرعية، والمدعومة بقوة من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، بعد نحو ثلاثة أعوام ونصف عام من الحرب غير المتكافئة بين الجيش اليوناني بمجموع قواته التي بلغت 232 ألف جندي، في مقابل 26 ألف جندي فقط للجيش اليوناني الديمقراطي.
كان للقلق الأمريكي من سيطرة الشيوعيين على اليونان، وخشيتها من المد الشيوعي في دول أوروبا، أثر فعال في اعتماد واشنطن تقديم مساعدات لحكومة اليونان، بلغت 400 مليون دولار.
وكان لتلك المعونة أثر فعال أيضاً في ترجيح كفة الحكومة الشرعية وفوزها في الحرب، كما كان لتواجد قوات بريطانية دور كبير إلى جانب الجيش اليوناني.
وقد انتهت الحرب في أكتوبر 1949، بحصاد مر، إذ بلغ عدد القتلى خلال الحرب قرابة 58 ألف يوناني، فيما توفي نحو 100 ألف من اليونانيين، بسبب مجاعات اجتاحت البلاد من جراء الحرب.
“إحدى أبرز خصوصيّات هذه الحرب أنها نشبت بين طرفين، يميني ويساري، نشآ أصلاً لمقاومة الاحتلال الألمانيّ في 1941، فانتهيا يحارب واحدهما الآخر. والحال أن اليونان عاشت تقليديّاً كبلد بالغ الانقسام وشديد الاعتماد على الحماة الأجانب”، كما يقول الكاتب حازم صاغية، في مقالة له بعنوان “اليونان: ذكرى انتهاء الحرب الأهلية”، نشره موقع “الاتحاد” في أكتوبر 2009، بالتزامن مع احتفال اليونان بالذكرى السنوية الـ60 لانتهاء الحرب الأهلية.
خلال تلك الحرب واجهت الحكومة المعترف بها وجيشها انتكاسات خلال الفترة من 1946 وحتى 1948.
غير أن زيادة الدعم الأمريكي وفشل قوات الجيش اليوناني الديمقراطي في استقطاب مجندين جدد، ساعد القوات الحكومية على تحقيق الانتصار.
وكان أقوى دافع لدى الرئيس الأمريكي هاري ترومان، خشيته من سيطرة الاتحاد السوفيتي وقتها على شرق أوروبا، ما دفعه لاتخاذ قرار دعم الجيش النظامي اليوناني في مواجهة الشيوعيين.
ونظراً للقلق الأمريكي جراء انهيار وكساد الاقتصاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، وانتشار الفقر والبطالة، وخوف واشنطن من أن يخلق ذلك بيئة مواتية لانتشار الشيوعية، خصصت الولايات المتحدة أكثر من 12 مليار دولار لإنعاش اقتصاديات غرب أوروبا من خلال إعلان مشروع مارشال.
وبعد الحرب الأهلية، شهدت البلاد استقراراً في الخمسينيات، وحالات من الاضطرابات والانقلاب العسكري في الستينيات، إلا أنها عادت في السبعينيات، وأنهت الحكم العسكري، وأرست الديمقراطية.
انتهاء الحرب وضع اليونان على عتبات مرحلة جديدة، مكنت البلاد من التعافي، وإن بصعوبة بالغة، وبدأت استثماراً في قطاعات واعدة، من بينها السياحة.
وكان إلغاء الملكية وإعادة إرساء الديمقراطية من أهم المحطات منتصف سبعينيات القرن العشرين.

إلغاء النظام الملكي وإرساء الديمقراطية

يعود الانتقال النوعي لليونان إلى عهد قسطنطين كرامانليس الذي عاد من منفاه في فرنسا، وشكل حكومة وحدة وطنية تمهيداً لانتخابات جرت في نوفمبر 1974، فاز فيها حزب كرامانليس الجديد المسمى حزب الديمقراطية الجديدة، بأغلبية، ما مكنه من تشكيل الحكومة، مدشناً بذلك مرحلة انتقالية شهدت تقدماً على صعيد نسيان نزاعات الماضي.
ألغي النظام الملكي بعد استفتاء عام 1974، وعادت اليونان جمهورية تنتهج الديمقراطية البرلمانية، ووافق البرلمان على دستور جديد للبلاد في يونيو 1975.
وأصبح قسطنطين كرامانليس رئيساً للجمهورية اليونانية في مايو 1980، عبر انتخابه في البرلمان، وكان حزبه فاز مرة أخرى بأغلبية مقاعد البرلمان في الانتخابات البرلمانية عام 1977.
وفازت أول حكومة اشتراكية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر 1981، بعد فوز الحركة الاشتراكية الباهلينية في تلك الانتخابات.
هكذا شقت اليونان طريقها في مضمار الديمقراطية، بعد أن تجاوزت مرحلة الحرب الأهلية بعقود زمنية.

إنس الماضي.. اجراءات من أجل المصالحة

كان شعار مرحلة كرامانليس “إنس الماضي”.
وقد اتخذ جملة قرارات أتاحت قيام ونجاح شكل من المصالحة.
فقد أقر رفع الحظر الذي كان مفروضاً على الحزب الشيوعي منذ عام 1947. وأعاد للحزب الشيوعي مشروعية ممارسة نشاطه السياسي.
وأقر إلغاء الاحتفالات بالانتصار على الشيوعيين الذي حدث في 1949، وبدلاً عن ذلك أعلن تأسيس “يوم غورغوبوتاموس” كرمز لاتحاد الشعب، تقام فيه الاحتفالات.
وغورغوبوتاموس اسم المعركة الشهيرة التي خاضتها المقاومة اليونانية متحدة دون انقسامات، في نوفمبر 1942، ضد الغزاة الألمان، وجرت المعركة عند جسر سكك حديد غورغوبوتاموس. وهي المعركة الوحيدة التي قاتل فيها القوميون والشيوعيون ضد القوات الألمانية الغازية.

وراء الأثر

اتسمت تجربة الحرب الأهلية اليونانية بتشرذم داخلي واسع النطاق، واقتتال بين كثير من فصائل المقاومة في الداخل.
لكن اليونان استطاعت تجاوز ماضي الحرب، والتحول بالبلاد إلى المسار الديمقراطي، بعد عقود من الحرب، والانتقال من حالة الاقتتال ومحاولة الوصول للسلطة بقوة السلاح، إلى التنافس السياسي الديمقراطي للوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.
وتقدم تجربة الحرب اليونانية، وكثرة الأطراف المحلية المتصارعة وتشرذمها، منظوراً لإمكانية وضع حد للنزاع في وقت قياسي، رغم كثرة الأطراف الداخلية المتصارعة، وتعدد الارتباطات بأطراف خارجية، قياساً بالوضع في حالة النزاع اليمني، حيث الأطراف المتصارعة أقل بكثير، وبالتالي لا تنطوي الحالة اليمنية على التعقيد الداخلي الذي اتسمت به التجربة اليونانية.

دروس وعبر من تجربة الحرب الأهلية اليونانية

بالنسبة لبلد كاليمن يكتوي حالياً بنيران حرب داخلية مستعرة منذ عام 2015، هناك الكثير من العبر والدروس من تجربة الحرب الأهلية اليونانية، وما تلاها من حكم عسكري انتهى منتصف عقد السبعينيات من القرن العشرين، وصولاً إلى إرساء الديمقراطية التي جلبت الاستقرار.

ترشدنا التجربة اليونانية إلى عبثية استمرار الحرب في مجتمع متعدد، تكثر فيه الانقسامات، ما يجعل محاولة هيمنة طرف على طرف آخر، ضرباً من العبث لا جدوى منه، يؤجج نيران الصراع، ويضاعف المعاناة الإنسانية، ويجعل البلاد عرضة لانهيارات اقتصادية وتمزق اجتماعي.


تقدم التجربة اليونانية فكرة حول المعاناة الإنسانية التي يكابدها الشعب، والفاتورة الباهظة للحرب، واستحالة استمرار الحرب إلى ما لا نهاية.
كما تقدم الكثير من الدروس حول أهمية إنهاء الحرب، والإجراءات المناسبة لتجاوز الماضي على طريق المصالحة من أجل استعادة الاستقرار والسلام.
وترشدنا التجربة اليونانية إلى عبثية استمرار الحرب في مجتمع متعدد، تكثر فيه الانقسامات، ما يجعل محاولة هيمنة طرف على طرف آخر، ضرباً من العبث لا جدوى منه، يؤجج نيران الصراع، ويضاعف المعاناة الإنسانية، ويجعل البلاد عرضة لانهيارات اقتصادية وتمزق اجتماعي.
كما تشير هذه التجربة بوضوح إلى الأهمية القصوى لاتخاذ تدابير تعالج تأثيرات الماضي من اجل الوصول إلى الاستقرار.
لقد استغرقت اليونان قرابة 25 عاماً بعد الحرب، قبل أن تقرر بشجاعة الانتقال إلى الديمقراطية، ومعالجة آثار الماضي، لتجاوز فترة الحرب الأهلية.
وقد كان لقرارات الحكومة منذ عام 1974، المتصلة بمعالجة آثار الماضي، أثر في تحقيق نوع من المصالحة، أتاحت فرصة صنع التحول والانطلاق باليونان نحو مرحلة أفضل تنمية واستقراراً، بتخفف من عداوات الماضي وإرث مرحلة الحرب.
من خلال هذه التجربة، يمكن للبلدان والشعوب كاليمن رؤية فظائع الحرب، وحجم الكارثة التي تصيب الدول والشعوب، وكيف تتعطل كامل مقدرتها على النهوض والتعافي خلال الحرب، وكيف تتبدل أوضاعها بعد الحرب.
تستمر الحرب الأهلية في اليمن للعام السادس على التوالي، وتزداد معاناة الشعب اليمني الذي تتدهور أوضاعه المعيشية باستمرار، ويتقوض اقتصاده، وتتراجع قيمة عملته الوطنية.
ويبقى اليمن على حافة الهاوية في ظل استمرار الحرب، وعرضة للانهيار التام والمجاعة أكثر من أي وقت، وفقاً لتحذيرات الأمم المتحدة.

الحاجة إلى ضغط دولي أكبر وأكثر فاعلية من أجل سلام راسخ في اليمن

خلال عام 2020، اتسم الموقف الدولي بفتور تجاه الملف اليمني، ما حدا بالممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، للدعوة إلى حل الصراع المنسي في اليمن، ومعالجة هذا الصراع.
ويشار عادة إلى الموقف الدولي الموحد حتى الآن تجاه ضرورة إحلال السلام في اليمن، كنقطة إيجابية، يجب استغلالها من أجل ضغط أكثر فاعلية على الأطراف المحلية أو الخارجية المؤثرة في الصراع، وإقرار تدابير دولية فعالة للدفع نحو السلام.
ويجب استغلال الموقف الدولي بشأن الملف اليمني، والذي يخلو من انقسامات بين الدول الكبرى، وذلك من أجل إقرار آليات ذات فعالية أكبر للضغط على الأطراف من أجل الوصول إلى سلام دائم وفق المرجعيات الثلاث، وهي القرار الدولي 2216، والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة