قصة الجندي فائز… والغياب المفاجئ

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on telegram
Share on twitter
Share on linkedin
الجندي فائز

صنعاء – عنود الوادعي:

مع بدايات العام 2016، لونت خيوط الشمس فراغات الستائر، معلنة عن يوم جديد، وقفت ريم على مقربة من السرير، حيث كان ينام طفلها ذو الربيعين، بأحضان والده العشريني فائز خالد. إنهما يحلقان بعينيها كحمام في سماءات أيامها الهادئة، رغم سطوة الحرب الموجعة، التي لم تنتهِ.
وبعد لحظات تأمل أيقظت زوجها، لكنه نظر لها بتثاقل، وأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يصدر تنهيدته الثقيلة، وعاد للنوم. اقتربت منه، وسحبت الغطاء، ووضعت يدها على كتفه قائلة: “هذا اليوم الأول لامتحاناتك النهائية، يتوجب أن تذهب، لا تتأخر، بقي القليل، أنت على مشارف التخرج”.
نهض فائز من نومه، وتجهز للخروج من المنزل، مودعًا طفله وزوجته، لكنه عاد ليودعها مجددًا، تقول ريم، مضيفة: “لم يتوقف عن العودة عدة مرات، كي يتلمس ملامح وجه طفله الصغير، وتقبيله قبل أن يذهب، شعرت حينها أن قلبي يتقافز من صدري، ويسقط، كأن ثمة شيئًا يقول: هذا وداع، وأنه لن يعود. لم أستطع أن أضع حدًا لسلبية أفكاري الدائمة، تجاه عمل زوجي كجندي، كثيرًا ما كانت تثار مخاوفي، في ظل حرب قائمة”.

غياب مفاجئ

حزمت الشمس أشعتها متأهبة للغروب، ثم أسدل المساء خيوط الظلمة، وفائز لم يعد. هدوء موحش إلا من أصوات الطائرات والصواريخ المتساقطة على مدينة صنعاء. طفله عبدالرحمن يتلفت بحثًا عنه، فيما ريم تحاول الاتصال دون جدوى.
تأتي الصباحات وتغادر، دون أثر لفائز، وبعد مضي أسبوعين على غيابه المفاجئ، تلقت ريم مكالمة هاتفية من زوجها، يخبرها أنه من بين الـ100 جندي، الذين تم اختيارهم، وأخذهم لأحد المعسكرات بمأرب، للتجنيد، وقد أصيب برصاصة أحد القناصة، بعد يومين من ذهابه للمواجهة بضلاع همدان، وفور إصابته تم نقله إلى مستشفى جيزان، وسرعان ما أغلق الهاتف بعد أن أصرت على مجيئه.
سافرت ريم إلى جيزان، وهناك استجمعت ما بقي من قواها لرؤيته، دخلت الغرفه، جلست إلى جواره متلمسة يديه، تعصر آلامها بعتاب وخوف، حين عرفت أن الرصاصة تستقر تحت عضلة قلبه مباشرة، ولا يمكن إجراء عملية جراحية، فقد يموت.
بعد ثورة ألم وبكاء أدار فائز خالد وجهه محدقًا نحو النافذة، حيث كانت تقف.

وتروي ريم قائلة: “أثقلت لساني حين عاتبته، لقد أضعت دراستك، أسبوعان فقط، كانا زمنًا فاصلًا، ما الذي دفعك لذلك؟ كم مرة تعاهدنا أن تترك العسكرية، وأن تلتفت لدراستك؟”.
بقي فائز صامتًا لدقائق، سقطت دمعة خاطفة من عينه، قبل أن يقول: ما الذي كنت سأفعله، هذا وطن وأنا جندي، كما أنني أحتاج المال، تعلمين لم يكن وضعنا يسمح بذلك. لم تترك الحرب حقًا لي، وللكثيرين من الشباب مثلي، في العيش، تنام احلامنا كما ننام نحن، تحت وطاة هذه الحرب. ليتها تنتهي ويولد السلام”.
تابعت قائله: “لماذا أنت هنا؟”. ثم خفت صوتها حين قالت: هل أصدقك الآن؟ كنت أعلم أن الحرب ستلتهمك يومًا.
مرت أيام، لم يستطع فائز التحمل، استسلم لفكرة الهروب من واقعه، والعودة إلى معارك قد تسلب روحه، المتأرجحة بكف طلقة تستقر جوار قلبه.

إقرأ أيضاً  هكذا تركت "منى" الإعلام والتحقت بالشرطة النسائية

هروب نحو الأراضي السعودية

بعد أقل من شهر على إصابة فائز، تم أخذ المتعافين في المشفى إلى أرض المعركة مجددًا، هرب فائز إلى الأراضي السعودية، برفقة والده.
مكث 3 سنوات يصارع بقاءه على قيد الحياة، محاولًا جمع المال، لإعالة أسرته، وتغطية مصروفات إقامته الباهظة. ومع نهاية العام 2018، عاد إلى صنعاء متسللًا، كان قد دخل بوضع صحي ونفسي سيئ جدًا، وبدا هزيلًا متهالكًا ككهل عصرته السنوات. لكنه لم يمكث إلا 3 أشهر، وتم الإبلاغ عن تواجده بمنزله، اتجه حينها نحو مأرب ضائعًا، كما تقول ريم.
وعند وصوله إلى مأرب ذهب فائز إلى قائده في المعسكر، لطلب راتبه الذي لم يعد يُصرف، كما طلب أن تتكفل الدولة بمصاريف سفره وعلاجه، لانتزاع الرصاصة المستقرة في صدره، لكن القائد أنكر معرفته به، وتشكك بهويته حين غير البؤس ملامحه، ووصفه بالمجنون، فذهب يبحث عن وطن يعيش فيه بحرية الجسد، ولكن إلى أين؟

كفاح أنثى

بحثت ريم عن عمل مرارًا، حتى قُبلت مدرّسة بإحدى المدارس الخاصة، براتب زهيد جدًا، ولكن عملها لم يطل كثيرًا، فقد توقفت جميع المدارس، بعد تفشي جائحة كورونا، التي فاقمت معاناتها، ومعاناة زوجها، الذي لم يتبقَّ منه سوى قلب ينبض بخوف، من رصاصة راقصة في صدره، ومن كورونا الذي يسلب الضعفاء بلا رحمة. كورونا الذي عبر جثثًا مترعة، نحو بلد لم يتبقَّ منه سوى أجساد متآكلة، تقرأ سطر رغيف الخبز، والسلام، على أوراق تُمسح بها طاولات أطراف الحرب المتجاهلة لوضع شباب يلفظ أنفاسه بلا رئة.
إنها حرب اكثر فتكًا، بلا عيار ناري، أهكذا يُنتظر الموت برهبة، تحت أنقاض حرب سياسية، دموية، لم تقف، وأمراض تتسلل دون أن تدرك؟!

رحيل مؤلم

وبعد معاناة فائز مع المرض لمدة 5 سنوات، توفي في 17 أغسطس 2020، بعيدًا عن طفله الأصغر الذي جاء إلى الحياة خائفًا، حتى من والده، الذي لم يلمس أمانه يومًا، طفله الذي نطق فائز حروف اسمه، شوقًا إليه، قبل أن يلفظ انفاسه الأخيرة. فكم تبلغ ضريبة الحق بالحياة، والسلام والحرية؟
كم من الأوجاع، والموت، والأجساد ستدفن، كي ينال هذا الوطن بقاياه العالقة بأنياب الحرب والمتحاربين؟
متى تنتهي الحرب؟ فأرواحنا تحولت لأشلاء. أوقفوا الحرب ليبكي الجميع فرحًا لطفل يبتسم لعودة والده.
أوقفوها، فالفقر جاثم على بطون الجائعين، والأمراض تتسابق على حصادهم. أوقفوا الحرب، ولنرتق جراح هذا الوطن، بخيط السلام، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، فنحن جميعًا وطن.

Share on facebook
Share on telegram
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
مقالات مشابهة